في كتابه «تيّار الوعي في الرواية الحديثة» يناقش روبرت هنفري مستويات الوعي في القصص التي تعود إلى تيار الوعي؛ بعد أن طرح مقولات «الوعي» وتتبّع المصطلح في الحقلين المعرفيّ والنفسيّ؛ مشيرا إلى منطقة الانتباه قبل الوعي، ثم المنطقة التي تهتم بها القصص السيكولوجيّة؛ حيث مستوى التفكير الذهني والاتصال بالآخرين، ويفرّق بين هذه القصص الأخيرة وقصص تيار الوعي، وهنا تعترض الطرح طبيعة الرواية من حيث فنّيّتها التي يشكّلها الخيال بالإضافة إلى التشكيل بين الواقع والمتخيّل، والذي يميّز الكتاب عن بعضهم في قدرتهم على خلق أدواتهم في هذه المنطقة الدقيقة؛ أعني المنطقة بين الواقع والمتخيّل، إذ يبني الكاتب صراع شخصيّاته وتطور هذا الصراع بما يعتمد عليه من ثقافة لغويّة وتجارب متعددة وخيال خلّاق يمنحه رسم الواقع بمفارقات فنيّة أو ثقافيّة أو صدمة اجتماعيّة أو فكريّة ضمن الإطار.

الكاتب محمّد بركة في روايته «مهنة سريّة» يحمّل شخصيّة بسيطة هي «رجل على باب الله لا يضع شيئا في فمه بعد الخامسة عصرا وتوقظه ساعته البيولوجيّة يوميّا مع أوّل ضوء أزرق للفجر»(ص5) أوجه شخصيّات لا تشعر بها الشخصيّة؛ لكن أرادها الكاتب تنوعا مختلفا بتساؤلات تشير إلى ولادتها وتوالدها وانغراسها في صراع الشخصيّات التي تظهر أمام شخصيّة البطل ليتعامل معها في إطار مهنته التي ترتبط بعالم خفيّ لا يتأتّى للكثيرين رؤيته أو الاعتراف به. ليست الأسئلة التي تمثّل أوجه الذوات من جهة، وصراع الظاهر والخفيّ من جهة أخرى هي مجرّد تجريد للوعي الذي يصل إلى تجاوز ما يمكن أن يشكّل أمام الناس تعديا أو جرأة على الاعتراف بما تعيشه ذوات متعددة الرغبات بأوجه متعددة؛ بل هو تجريد لمناطق بسيطة في حياة الذوات متعددة الاتجاهات والوعي، هل ما ارتكزت عليه من أسئلة فصولها هو المنطلق التي في كثير من الأحيان تولّد تساؤلات أخرى عن العلاقات التي يمكن أنْ تنشأ بين التساؤل وأحداث الفصل القادم، كأنْ نقول ـ على سبيل المثال ـ هل هو تبرير لتوجّهات الذوات؛ والتي تعيش متصالحة مع اختياراتها، أو هل هذا فعلا عالم متوازٍ مع عالمنا الذي نجهل تمدّده وتعدّده.

شخصيّة البطل علاء على الرغم من بساطة تشكيلها في الرواية؛ إلا أنّ ما جعله الكاتب من إرهاصات لهذا التشكيل يمكن أنْ يحوّل الذات إلى الإيمان بطبيعة هذه الصيرورة الحياتيّة. ويكفي كذلك أنْ تكون مادّتها المحيطيّة وصراعات ما حولها دافعة إلى بناء الكثير من التراكمات والقناعات. وقد أرادها الكاتب أوجه كلّ هذه التساؤلات التي تعبّر مواقف الذوات من خلال تجارب وعلاقات شخصيّة البطل.

«حينَ كبرت قليلا أصبحتْ تتركُني عند (طنط)، لا أعود إلا حين يُغادر (أونكل).. كم أنت مسكين يا أبي! لم تعرف يوما أن الخطر لا ينبت إلا في عيون امرأة قانطة اعتصمت بالسّكوت. لم تعرف أنه حين تكفُّ الأنثى عن الصّراخ، فلتجمع أشياءك وتحفُر قبرك قبل أنْ تشرق شمس يوم جديد»ص18

نستطيع بشيء من الزعم بأنّ الكاتب بنى في الفقرة السابقة الكثير ممّا يمكن أنْ يُعتمد عليه في فهم تساؤلات الذوات التي طرحها معرفيّا ونفسيّا أو تلك التي دارت في حوارات ومواقف شخصيّة بطل الرواية، فما كان من ردّات فعله ــ حتى تلك التي تعبّر عن صراعه مع نمط الحياة التي اختارها ــ كان نتيجة اتّجاهين اجتماعيين يعيشهما في أسرته؛ بين أمٍّ تعيش «الزيارات الغامضة لغريبٍ من ذوي الشّوارب المبرومة التي يقف عليها الصقْر. لا يحطُّ في بيتنا إلا في الأوقات التي يطول فيها غياب أبي»، وأبٍّ «لم يُمانع... بدء مشوار (الاحتراف) بشرط أنْ يكون في القُرى والنّجوع بعيدا عن فيلات السّادة» غائبا ومع ذلك هي «لما تنقم عليه وقد ترك لها الجمل بما حمل». (ص16).

كلّ التساؤلات كانت انعكاس عالمين أتقن البطل التعالق بينهما؛ محلّيّ أسهم في إغناء مواقفه عبر تناقضات لا تنتهي؛ ترتبط بالجوانب الاجتماعيّة والدينيّة والحضاريّة، وعالميّ صدّر له مواقف تتوازى بشيء من اختلاف اجتماعيّ وثقافيّ مع ما تصالح معه من تنوّع قيميّ واجتماعيّ ثم ما كان مواقف زعزعتها لكنها صار جزءا منه، هذا كان منطوق وعي معاكس عبّرت عنه شخصيّات الرواية التي أنطقها الكاتب وصاية وتوجيها أو حوارا مع البطل. وكل أوجه أسئلة الذوات تتطوّر في ظلّ انعكاس هذين العالمين. مثل سؤال محوريّ في مقابلة العمَل المرجوّة، دفع بالأحداث اللاحقة بعد ذلك إلى تشكيل أوجه تساؤلات الذوات : «والسّياحة في حكم شريعتكم بقى، حلال أم حرام؟... الحفاظ على النفس وتربية النشء من المقاصد العليا للشريعة.. يعني بالبلدي، فتح البيوت وأكل لقمة العيش حلال وأولويّة، والسّياحة فاتحة بيوت 5 ملايين مواطن»(ص44).

تنطلق الأسئلة من أصغر الرغبات في محاولة التماهي مع العالم الحقيقيّ الذي أصرّ أن يُبسط تناقضاته الضروريّة أمام شخصيّة (علاء)، وبعد أنْ تأسست دوافع التعامل المختلفة. «لازم نقلّب عيشنا ويد واحدة لا تُصفّق.. من الأفضل فعلا أنْ أقاطع التدخين حتّى أوفّر صحّتي لأشياء أهمَّ. خصوصا أنّ الواحدة من هؤلاء تموت في السُّمْر من أمثالك»(ص45). ومن هنا كان الطّرح من أعماق الذوات بما هو طبيعيّ فيها يقع بين المتاح والمباح ضمن الأطر الاجتماعيّة والثقافيّة، وبما هو متَّفق أو مختَلَفٌ عليه، لكنّها تساؤلات تعبّر عن طبيعة الذوات على كلّ حال؛ وإن وجهتها الرواية إلى منطقة الاعتراف والوضوح. «سألتني وما الآهات؟ قلتُ قاسم مشترَك بين اللّذّة والألم»(ص50). ما يمكن أنْ يكون إجابة ضمن قلق الذات هذا يرجع إلى تكرار تحاول به الأخيرة الوصول إلى مستوى معيّن من الطبيعة؛ ولكنها لا تصل إلى اقتناع تامّ بهذا الجزء الذي ربّما لا تراه ما يقنع هذه الطبيعة، فكأنّ صيغة السؤال مسبوقة بهذا القلق الذي كان نتيجة اللاكتفاء؛ (وما الآهات)؛ فهو سؤال قلق وليس سؤال طبيعة في طبيعة ذوات؛ لا يمكن تخيّل جهلها بـ(بالآهات)، ثم تتجاوز الإجابة الشعور العابر إلى ضرورة القلق لضرورة صيرورة الحياة، وهو الجزء الذي تصطدم معه بصمت شخصيّة بطل الرواية؛ لكنه عالم يثري تبعات صراعها من أجل هذه الصيرورة على مستوى الفرد. لتعبّر شخصيّة (أديلا) عن جنون هذا التساؤل ممتدّا إلى البعيد أمام شخصيّة البطل التي أرادها الكاتب أن تنطلق منها كل تناقضات العالمين.

«أريدك بعرَقِك وبدائيّتك يا صيدي الأفريقيّ الأجمل، اخْترقني بجوعك وغضَبكَ وحنَقك على الغرب الذي سرَقَ خيرات قارّتكم السّمراء»(ص53).

يصنع الكاتب في هذا المقطع من الآهة قلق الذات المتجزّئة بين ما يتعلّق بها وبين نكرانها هشاشتها وهشاشة انتمائها إلى الكلّي المحيط، بين (آهة متعة مجنونة) لـ(أديلا) ووجع لا يشي بالاعتراف أكثر من القلق الذي لا يُفهم منه سوى (ماذا بعد) في خطابها الاسْتعلائيّ على الرغم من لامبالاتها بالتاريخ المخزي، ووجع آخر يلازم التجربة الأولى: «ذهبتُ بكامل إرادتي إلى ما وراء الشّمس، تذكرة ذهاب دون عودة. أحترفُ مهنة حساسة، مخجلَة، بمزيجٍ من الإثارة والخوف، كأنّي أوقّع عقدا مع الشّيطان»(ص53).

من التساؤلات المتعلّقة بتطوّر الشخصيّة المعبّرة عن أوجه الذوات في الفصل الرابع عشر: «سألتني: وما الجنون؟ قلت: عطلة يقضيها العقل في جزيرة اسْتوائيّة ساحرة»(ص131)، وكالعادة يأتي السؤال تعبيرا عن قلق وليس عن جهل بطبيعة المسؤول عنه، وهو في معرض صراع شخصيّة البطل الرئيسة مع توازي العالمين؛ المحلّي والخارجيّ، فالجنون هنا هو ابتكار حياة خارج حياة مكرّرة، لكنّه في هذا الفصل يأتي ممهّدا لاضطراب مفهومين يقعان في دائرة ظلم تجريد الفهم؛ هما: الحب، والإنسان. فالجنون الذي تريده شخصيّة (إميلي) أن يكون (علاء) الهديّة والمفاجأة ومسك الختام الذي يريدها أحدهم هديّة لصديقته الحميمة (ص134ـ135)، وبعد صراع وقلق عبّر عنه سؤال بطل الرواية الجانبيّ «إلى أين يقودني هذا الجنون؟»(ص138)، وهو صراع انهيار أمام قيم لم تعْتد الذات تجاوزها على الرغم من وجعها بطريق لا رجعة منه، وسؤالا المفهومين في الفصلين اللاحقين يعبّران عن هذا الاهتزاز بما تعيشه شخصيّة البطل من تناقضات لا تنتهي؛ خطاب دمتري الذي يحوّر الحب بشكل مجنون: «إذا كانت حبيبتي سعيدة، فأنا سعيد، وإلا فما فائدة الحب؟»(ص142)، لكنّه يتعرّى «في المنطقة الرّماديّة بين الصّدق والكذب»(ص142).

حاولت في هذه القراءة عرض طبيعة بعض أوجه تساؤلات الرواية، وما يمكن الاشتغال عليه أكثر عمقا في قراءة مساحة واسعة من تشكيلات التساؤلات، فالعمل يتجذّر في انعكاس عوالم متناقضة لكنها أساسيّة في محاصرة مواقف الإنسان ضمن الكثير من الأطر.

محمود حمد شاعر عماني