استوقفتني قبل أيام لوحة كبيرة لمشروع جديد في قطاع الطرق بمحافظة مسقط، وهو واحد من المشاريع التي من شأنها حل مشكلة الاختناقات المرورية التي تعاني منها منطقة المعبيلة الجنوبية، غير أن اللوحة كجميع لوحات المشاريع التي يتم تنفيذها لا تتضمن أي معلومات عن التاريخ الذي سيتم فيه إنجاز المشروع.

عدتُ بالذاكرة إلى عام 2008 عندما زرتُ مشروع الأعمال البحرية لميناء الدقم، واستغربت آنذاك من وجود لوحة تتضمن تاريخ إنجاز المشروع وعدد الأيام المتبقية لاكتماله، وعندما قابلت المهندس المختص بالمشروع نظر في ملف كان أمامه، وقال: «إننا متقدمون بنسبة 8% عن التاريخ المستهدف»، وبالفعل تم إنجاز المشروع دون أي تأخير.

هناك العديد من المشاريع يتم إنجازها في التواريخ المحددة لها، غير أن هناك أيضا مشاريع عديدة تأخرت كثيرا وربما تعثرت وأُحيلت لمقاول ثانٍ وربما ثالث ورابع حتى تم إنجازها، وهو ما يفتح الكثير من التساؤلات عن أسباب تأخير إنجاز المشاريع في التواريخ المحددة في العقود المبرمة: هل هي نتيجة محدودية قدرات الشركة وإمكاناتها، أم بسبب ضعف الرقابة عليها وعلى المشروع من قبل المسؤولين في الجهة المختصة، أم أن الشركة واجهت تأخيرا في توفير متطلباتها للبدء في العمل كالتصاريح والتراخيص والموافقات؟ وأيّاً كان السبب في تأخر إنجاز المشروع فإنه يعتبر أمرا غير مقبول وله العديد من التأثيرات الاقتصادية السلبية كارتفاع تكاليف المواد الخام والأجور والمعدات، وهو ما قد يدفع المقاول لطلب أموال إضافية لاستكمال المشروع، كما تشمل هذه التأثيرات التأخر في تنمية القطاعات الحيوية والاستفادة منها مبكرا خاصة إذا تعلق الأمر بإنشاء المدارس والمستشفيات والمجمعات الصحية والطرق والمشاريع الاستثمارية ونحوها من المشاريع الأخرى التي يؤثر تأخر تنفيذها على ثقة المستثمرين، ويُسهم في تراجع كفاءة الإنفاق الحكومي، وتقليل تنافسية الاقتصاد الوطني، هذا بالإضافة إلى التأثيرات الاجتماعية العديدة التي تصاحب تأخر تنفيذ المشروعات التنموية والإسكانية والصحية والتعليمية ومشاريع البنية الأساسية.

إن مسألة التزام الشركات بتنفيذ المشاريع في التواريخ المستهدفة أمر في غاية الأهمية لما أشرنا إليه أعلاه، ولعل قيام الشركات بكتابة التاريخ المستهدف لإنجاز العمل في اللوحة الرئيسية للمشروع يجعلها أمام التزام أخلاقي ليس فقط أمام الجهة المختصة بالمشروع، وإنما أيضا أمام المجتمع والمستثمرين، ويعزز ثقة الجميع بالشركة، كما أن هذا الإجراء يجعل الشركة في تحدّ يومي مع المشكلات التي تعترض المشروع، وفي تحد أيضا مع الموظفين العاملين في المشروع، وعندما ننظر إلى الأمر من كل زواياه فإن أي مشروع يتم طرحه للتناقص تتم دراسة فترة تنفيذه من قبل الجهة المختصة ومن قبل الشركات التي تتقدم للمناقصة، ولا يتم تحديد فترة التنفيذ إلا بعد دراسة مختلف العوامل التي قد تؤثر على سير المشروع والتحديات التي سوف تواجهه. وبناء على ذلك فإن التاريخ المستهدف لا بد أن يكون واضحا أمام الشركة ومسؤوليها وموظفيها؛ وبالتالي فإن التزامها بكتابة التاريخ المستهدف في اللوحة الرئيسية للمشروع إنما هو إجراء روتيني يعكس ما تمت دراسته سابقا. وكم أتمنى أن يمر مسؤولو الشركات والعاملون فيها وهم متوجهون إلى عملهم بهذه اللوحة لقراءة الأيام المتبقية، ويبحثوا أي تحديات تواجههم لإنجاز المشاريع في الأوقات المستهدفة! وبالإضافة إلى كل ما سبق فإن تحديد تاريخ إنجاز المشاريع في اللوحات الرئيسية من شأنه تحقيق الشفافية في المشاريع الحكومية، وتفعيل المساءلة أمام المجتمع وتعزيز حوكمة المشاريع، وهو في نظرنا عنصر أساسي لنجاح المشاريع الحكومية؛ حيث تتحول اللوحة التعريفية بالمشروع من وسيلة للتعريف إلى أداة للمتابعة والمساءلة بما يعزز ثقافة الإنجاز، ويرفع كفاءة الإنفاق العام، ويُعجّل بتحقيق العوائد الاقتصادية والاجتماعية التي أنشئت هذه المشاريع من أجلها.

وحتى لا نحمل الشركات كل العبء فإن سرعة إصدار التراخيص والموافقات اللازمة، وتسليم موقع المشروع في الوقت المحدد، وسرعة اعتماد المخططات والتصاميم، وصرف مستحقات الشركة في الأوقات المحددة، واستقرار نطاق العمل وعدم إجراء تعديلات جوهرية عليه، وسرعة معالجة التحديات بالتعاون بين الشركة والجهة المختصة تعتبر عوامل أساسية تُمكن الشركات من إنجاز المشاريع في الأوقات المحددة، وتضاعف المكاسب الاقتصادية للمشاريع الحكومية.

محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية