عندما أقرأ قصص العشّاق عند العرب، وألحظ كيف يحوك الرواة من جملة أو بيتٍ من الشعر أو مثل رائج قصّة تتهيّأ عناصرها وتحمل القارئ على تتبّعها أنتبه إلى قدرة العقل السرديّ العربيّ وجموح ممكنه الحكائيّ، القادر على بناء عالم بشخصيّاته ووقائعه وأماكنه من نُتْفة إحاليّة صغيرة، أو من نواة حدثيّة بسيطة أو من علاقة بين عاشقين تُؤَثَّث لها عوالم ويُقَام لها كون تُتداول حكاياته وتروج وتُتَناقَل بين الناس. وقد تداول هذا القصص وتناقله العلماء والقصاصون والفقهاء والأدباء والمؤرّخون، كلّ تناوله من جهته، وحافظ على معانيه وروحه وعِبَره، حتى انتهت حكاياته إلى شيخ المنزع الظاهري، الفقيه، العالم، المُحدِث المعروف، ابن حزم الأندلسي: «الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد. دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل»، وهي مقولة مبينة عن انصراف جزء مهم من أدبيّات التراث العربي إلى حكاية العشق. ولعل اللافت في التراث العربي أن الحديث في الحب لم يكن يومًا خارج دائرة الفقه ولا الأدب ولا الأخلاق، بل كان موضوعًا للتأمل والتصنيف والرواية، بل يؤثَر عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه وأرضاه أنّه لمّا سمع بما انتهت إليه القصة العشقيّة المشهورة بين عروة بن حزام وعفراء، من موتهما دون حصول تقارب بينهما، قال: «لو أدركتُ عَفراءَ وعروةَ لجَمَعتُ بينهما». والجدير بالنظر في هذه المدونة أن الرواة لم ينطلقوا من أحداث مكتملة، ولا من وقائع ثابتة في التاريخ، ولا مِن سِير مُثبَتة، وإنما من أبيات متناثرة، فشيّدوا منها سيرًا للعشاق أصبحت في وعينا حقائق تاريخية.
ومن هذا الباب فإنّ تراثنا العربي زاخر بقصص العشّاق، متوسِّع فيها، مبين عن أثرها وعن حوادثها، وتنتظم هذه الأخبار في نموذج حكائي متعاود، قائم على حصول التقارب بين العاشقين رغبة ثم دخول مانع يعوق التواصل وتحقيق التقارب ثمّ جنون المحبّ أو اختلاطه أو اعتلاله ثم الموت عشقًا، وهي قصّة نموذجية حيكت على منوالها قصص مختلفة، تتغيّر أسماء شخصيّاتها، وتبقى وظائفها، لا تقوم على إحالةٍ مباشرة على واقع حاصل في التاريخ، بقدر ما تشفّ عن واقع ذهني نموذجي للعشق المرغوب المطلوب، وعن شعر قيل (لا يُعرَف أحيانًا من قاله) يُبحث عن تفكيكه وبيان مناسباته وعلل قوله. حكايات العاشقين في تراث العرب تُبين عن عقل سرديّ يُحقّق انتظار المخاطبين، وينسج من ممكنِ واقعٍ قصّةً تتهيّأ عناصرها وتتشكّل شخصيّاتها، أمّا الوقوع فليس بالضرورة حاصلا، وقد وقف ابن رشيق في كتاب العمدة على هذه السرديّة التي تقيم عوالم تخييليّة من قصص العشّاق، وأدرك أنّ أسماء النساء المتغزل بهن ليست أسماء إحاليّة ولا مرجعية ولا واقعية، وإنما هي أسماء شعريّة، حَلَت في أفواه الشعراء والقُصّاص، فصاغوا بها موروثًا جميلا من شعر الغزل وقصصه، يقول ابن رشيق في هذا الشأن: «وللشعراء أسماء تخفّ على ألسنتهم وتحلو في أفواههم، فهم كثيرًا ما يأتونها زورًا نحو: ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجمل، وزينب، ونعم، وأشباههن. ولذلك قال مالك بن زغبة الباهلي، أنشده الأصمعي: ما كان طبي حبها غير أنّه/ يقام بسلمى للقوافي صدورها»، وهو يشير في الصدد ذاته إلى بعض الأسماء التي ترسخت في المخيّلة الجمعية اقترانا بمحبّين احتكروها، ومنعوها من التداول والاشتراك، فقد حما جميل وكثير، عزّةَ وبثينة حتّى حرِّما عن الغزلين، بل «ربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة؛ إقامة للوزن، وتحلية للنسيب». ومعنى ذلك أنّ الاسم في الغزل العربي ليس دائمًا إحالة على امرأة بعينها، بل قد يكون أداة شعرية تستدعي عالما تخييليا بأكمله، وقس على ذلك ما يدعوه الاسم من أحداث وصلات وما يحمله من عبء رمزيّ. والحقّ أنّ هذه الملحوظات التي انتهى إليها ابن رشيق -وإن اختصّت بالشعر الغزلي- فهي شافّة عن إقامة عوالم من قصص العشاق ترجع إلى التخييل والقدرة السرديّة القصصيّة التي تستند إلى شعرٍ منه تصوغ قصصا، هو في الأصل لا يحفل بأحداث يقينية ولا بشخصيّات ثابتة الوجود. لقد تمكّن العقل السرديّ العربيّ من الاستناد إلى أشعار هي الأقرب إلى المبالغة والتخييل، والارتكاز عليها لصناعة عوالم العاشقين والمحبّين، بل المُلاحَظ في تاريخ القصّة الغزليّة ومسارها أنّ عددا مهمّا من الرواة المعروفين في تاريخ الرواية العربيّة قد أفردوا جانبا من رواياتهم لتدوين قصص الغزل، مثل الزبير بن بكّار الذي كتب كتابًا مفقودا حول عمر بن أبي ربيعة، وعمر بن شبّة والأسباط بن عيسى، وهؤلاء قد قاموا بدور جليل في صياغة عوالم قصصيّة لعشّاق انتشرت حكاياتهم وشاعت. ينطلق أغلب قاصّي حكايات العشّاق من أرضية شعريّة تعرض لمناسبة لقاء جميل ببثينة أو لحال المجنون في هيامها بليلى أو لنهاية عروة في ولهه بعفراء نهايةً مجازيّة رمزيّة أسطوريّة، تنبت فيها من قبريهما شجرتان متعانقتان، تعويضًا عن فقْد الالتقاء في الحياة بلقاءٍ في الممات، وهي أرضيّة خصبة لبذرِ ممكنٍ روائيّ وسيعٍ استغلّه الرواة في صناعة مدوّنة حريّة بالدراسة والنظر. فلم يكن الشعر خاتمة الحكاية، بل بدايتها؛ فقد يخرج الخبر من الشعر (مع التنبيه إلى أن الظاهرة ليست مطلقة، فقد يُولّد الرواة الشعر من الخبر أحيانًا)، وتتولد عن الخبر السيرة وضبط الأنساب، ومن السيرة تتشكل أسطورة العاشق العربي. يُمكن أن ننظر -مثالا- إلى أخبار مجنون ليلى، فجلّها يبدأ ببيت أو أبيات، ثم تتفرع منها وقائع وحوارات وأسفار ولقاءات لا يدل عليها الشعر نفسه، وإنّما يبعثها ويقدحها.
حكايات المُحبّين وقصصهم في الغالب الأعمّ ليست تدوينًا لوقائع قد تمّت، وإنّما هي نتاج مخيّلة عاشقة، وخلاصة عقل ميّال للحكاية، يصنع عوالمها، ويوجِد أنسابها ومواقعها، ومن غريب الأمر أنّ هذه الحكايات على ما اشتهرت به من عفّة وعفاف وصفاء ونقاء، تجد أصواتًا تردّها إلى الوقوع، وتُنكر حدوثها، وتعيب شخصيّاتها. إنّه لأمر عجيب أن نتّهم الشخصيّة (أقصد العون الفاعل في عالم التخييل، عالم القصّة الخالصة)، وأن نُحاسب أفعالها المخيَّلة، والحال أنّنا في كون أدبيّ شافٍّ عن واقع أكيد، ولكن لا يعني ذلك أنّ المجنون هو كائن تاريخيّ خالص، ولا يعني أنّ فعاله قد تمّت، ولا يعني أن عروة بن حزام قد ذوى ومات وجْدًا وحبّا، وإنّما هي القصّة بكلّ صنائعها، فالمشغل الأساس ليس البحث عن واقع العاشق، بل النظر في واقع المخيلة المنتجة لهذه العوالم العشقية، وهذا الأمر يُخرجنا من عوالم النقل والمسخ إلى العناية بالعقل السردي العربيّ المبدع الذي تخيّر مواضيع فاض فيها حكايةً. ولقد قال الجاحظ: «ما ترك الناس شعرًا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعرًا هذه سبيله قيل في لبنى إلاّ نسبوه إلى قيس بن ذريح»، فهل ما زلنا من بعد ذلك نُخرج قيسًا من وجوهنا والمجنون من وجودنا بعلّة اقتراف العشق؟
محمد زرّوق ناقد وأكاديمي تونسي