عندما تصلني رسالة تنقل خبرًا عن رئيس دولة مثلًا، أتمهل قليلًا، أدخل فورًا لحسابه الرسمي على أي من وسائل التواصل الاجتماعي، أتأكدُ من أن علامة التوثيق، هي تلك الخاصة بالمعرفات الرسمية؛ لأن إيلون ماسك مثلًا، منح الجميع القدرة على توثيق حساباتهم بمجرد الاشتراك المدفوع.
أبحثُ عن المنشور الذي أرغب في التأكد من صحته، فما إن أجده، أشاركه مع أصدقائي المقربين مع ملاحظة: «مش Ai». وهم يفعلون المثل، ولأننا مقربون جدًا يبدو كما لو أننا تضامنا بهذه الطريقة على اختصار هذه الرحلة الشائكة، كما أننا نتشارك الحذر نفسه، اليقظة المفرطة لكي لا نصدق الأخبار الكاذبة والشائعات المدمرة.
مع مرور الوقت لم أعد أستطيع التعامل مع هذا. هنالك الكثير من التطبيقات البعيدة عن الأخبار، تقدم لك خدمات من قبيل، إيجاد صورة الطفل الذي كنتَ عليه، أو وضعك بجانب شخص رحل منذ زمن، أو دمجك مع شريكك العاطفي حتى قبل أن تتزوجا، صورةً متخيلة عن الطريقة التي تظهران فيها معًا، وتشاركان هذه الصورة لهاجس «العلنية» الذي أظن بأن العلاقات العاطفية تنشده دومًا كي تحقق نفسها، وتتأكد منه.
تعتمد الكثير من وسائل الإعلام حتى الحكومية على توليد الهويات البصرية، والمحتوى البصري بالذكاء الاصطناعي. أشخاص مثلنا تمامًا، يتجولون في مراكز المدينة التي نعرفها، يجلسون على نواصي الشوارع التي نستخدمها كل يوم.
لا أعرف حقًا كيف يصعب تمييز القبح قبل كل شيء في مثل هذه الممارسة. ما الذي يعنيه حقًا أن تخرج لي شخصية «كما» لو أنها حقيقية، لكنها ليست كذلك، جميعنا نعرف أنها ليست كذلك. كيف تُعوض هذه النتائج، الوجود الفعلي لبشر حقيقيين؟ أدرك أن دوافع اقتصادية تقف وراء ذلك، شراء الصور الفوتوغرافية والاشتراك في الخدمات المدفوعة لمصادر هذه الصور مُكلف حقًا، فيما لا تكلف الشخصيات الوهمية هذه أي شيء. تمنح هذه التطبيقات نوعًا من «دمقرطة» إنتاج المحتوى، لكن هل تساوي هذه النتيجة، تلك التي تتراكم يومًا بعد يوم، وستكلف حتى صغار المشتركين كثيرًا، مثل دفعهم لإثبات سردياتهم ودقتها، في الوقت الذي يزداد فيه حجب المعلومات الصحيحة والقدرة على الوصول إليها من قِبل السلطات والمتنفذين؟
على الجانب الآخر، أريد مشاركة تجربتي الشخصية في هذا السياق. وجدتُ نفسي تلقائيًا ومع مرور الوقت، أذهب للتعليقات فورًا على أي خبر أو مادة أتعرض لها على الإنترنت. غالبًا قام أحد بإنجاز مهمة اختبار ما إذا كانت مولدة عبر الذكاء الاصطناعي، أحيانًا هنالك جدل عما إذا كانت حقيقية أم لا، وتشعرُ أن الناس «يشدون شعورهم» في رسائلهم لبعضهم البعض. لكنني ومع مرور الوقت أُنهكت أيضًا. كل شيء يمكن إعادة اختراعه، حتى الأفكار التي تُقدم إطارات وعدسات لقراءة ظاهرة ما، يمكن أن تطلب من الذكاء الاصطناعي استخدامها، ولأنه يعمل على ما هو موجود بالفعل من بيانات، كل ما يقوم به هو إعادة إنتاج السرديات نفسها، حتى وإن كانت منحازة أو مضللة، وفي أحسن الأحوال وبسبب من خوارزميات نشاطك على الإنترنت، ستقدم لك ما تود سماعه وما تعرفه بنفسك.
هنالك أمر آخر بالغ الخطورة في رأي، منذ بدء الإبادة في غزة ٢٠٢٣، شاهدنا كيف يتفوق الواقع على الخيال ويخنقه، الكثير من الممارسات غير المعقولة، من قبيل تبخر الجثث، أو خروج أحد مجرمي الحرب بتصريح من نوع: نعم سنقوم بقتلهم جميعًا بلا رحمة، دون أن يتوقع محاسبته على ذلك. هنالك الكثير من الأشياء التي حدثت، والتي صُدمنا لها، وتساءلنا هل يُعقل أن يحدث هذا؟ إن ما يقوم به الإنتاج المولد عبر الذكاء الاصطناعي، هو إقناعنا مع مرور الوقت أن الممارسات الوحشية غير المعقولة مبالغٌ بها، هي إنتاج مصطنع، في الوقت الذي تتقدم فيه تلك الممارسات وتُنوع شراستها. لن نصبح قادرين على معرفة حدود الشر الجديدة، فننزع عن الضحايا حتى حق معرفة ما جرى معهم فعلًا.
نحن نحيد التجربة الإنسانية أيضًا ونقول أنها ليست مهمة. فقصيدة تصدر عن «فلان» المولد اصطناعيًا، وهي قصيدة لا بأس بها، قد تكون مؤثرة ونافذه حقًا. أظن بأن هذا جاء من أننا وعلى مر العقود السابقة، وُجهِنا لصناعة «نسخ» بعينها من أنفسنا. هنالك نظام بنيوي كامل يعمل على دفعنا لنكون مثاليين وناجحين بطريقة معينة، وفي ذلك خسرنا قدرتنا على تحمل «بشريتنا»، نحن نخطئ طوال الوقت وهذا عادي، سنكون أنانيين في الموقف الفلاني، لا نستطيع أداء مهمة العمل الفلانية، قدرتنا على الاستجابة لمتطلبات ما محدودة. قد لا نكون مخلصين، قد نكذب، ربما تصدر عن أجسادنا رائحة سيئة بعد التعرض للرطوبة في الخارج. الكرش بشعة جدًا ومنفرة، الركب السوداء دليل على عدم النظافة، الأظافر، الخطوط في الجبهة يجب أن تُحقن فورًا بالبوتوكس، فهي علامة على تقدم العمر. وهكذا تُصبح أنفسنا شخصيات مُخترعة، ننشد التماثل لكي نكون «طبيعيين» ونشبه الآخرين، كما لو أننا شخصيات مصمتة، بينما يتم تقويض «الارتجال» وإعادة موضعة أنفسنا بحسب شروط الواقع التي لا نرغب في أن تنزع عنا فاعليتنا. لم نعد نهتم ببعضنا، الفردانية المقيتة التي أقنعتنا أننا وحدنا في هذا العالم، وخلاصنا فردي، لا تجعل من وجود الآخر حاسمًا ومهما، إنه هو من يهمني، الطريقة التي عاش بها، الطريقة التي يعبر بها عن نفسه، تاريخه، وما يعيشه الآن، لكن وإن كان حضور الآخر والاحساس به ملغيٌ، لماذا سيهمني أن تكون التجربة، تجربة «أحد» آخر، المهم أنها تجربة ما، قصة ما، وهي متماسكة وتؤدي غرضها.
لم أعد أستطيع أن أكون جزءًا من هذا بعد اليوم. ورغم أنني أعمل في الإعلام مما يعني أنني معرضة للتعامل مع هذا أكثر من غيري، إلا أنني قررتُ بدء رحلة جديدة منذ يومين، سأحذف وسائل التواصل الاجتماعي، أعرف أنني سأخسر كثيرًا، لطالما تعرفتُ على أفكار جديدة هناك، تم تحريضي على اختبار نفسي كثيرًا عبر هذه الوسائل. تعلمتُ طبخات جديدة، عرفتُ تقليعات الفساتين التي أحب ارتداءها، سمعتُ أصوات المهمشين المحجوبة والتي يتم إسكاتها، عرفتُ رغبات من هم حولي، الصورة التي يقدمون بها أنفسهم عبر هذه الوسائل لا تقل أهمية عما يفعلونه في الواقع، نحن أبناء زمن مختلف لم يعد هنالك عالمان متوازيان واقعي وافتراضي، بل عالم واحد يصعب وضع أي حدود له.
أدرك أيضًا أن هذه الرحلة ستكون شاقة، ليس لعدم قدرتي على الوصول إلى ما كتبته أعلاه، بل لأننا مدربون على التصفح المرضي، تلقائيًا نفتح هواتفنا ونتجه للتطبيق الفلاني، رغم أننا لا نبحث عن شيء ما، لا يستطيع كثير منا مشاهدة فيلم دون أن ينقر على شاشة هاتفه المحمول، حتى عندما نحذف تطبيقًا ما، تنسى أصابعنا ذلك، نبحث عنه، ثم ندرك أننا حذفناه لهذا تحديدًا. لكنني عازمة على البدء في هذه التجربة واختبار الأمر، قد أفشل فيها لكنني سأبذل قصارى جهدي لكي لا أفعل. لن أعرض نفسي بعد اليوم لهذا التدفق الهائل من المعلومات التي أقضم أظافري لمعرفة ما إن كانت حقيقية أم لا. لن أضع صورتي بجانب جدتي الحبيبة والتي اشتاقها كثيرًا وكنت قد فقدتها قبل عشرين عامًا، لن ألون صورها، لن أتحمل قراءة أي منشور وإن كان عظيمًا تحت صورة مولدة لشخص يشبه أخي لكنه ليس أخًا لأحد، يجلسُ في نفس مقهاي المفضل، بينما يقدم لي المنشور قراءة عن «مجتمع الفرجة» لديبور وعلاقته بالمقاهي. سأقاطع هذا وأحاول إيجاد حلول في فترة المقاطعة هذه، ربما تلهمني طريقة للعودة لهذه الوسائل نفسها لكن بصورة أخرى. من يدري؟
أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية