استعرضت جلسة حوارية بعنوان "الدكتور حمود الدغيشي والميثولوجيا العُمانية" -أقيمت مساء أمس في الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء- تجربة الأستاذ الدكتور حمود الدغيشي في الدراسات الميثولوجية متوقفة عند مسيرته العلمية وإسهاماته النقدية إلى جانب مناقشة عدد من القضايا المرتبطة بالأسطورة والأنثروبولوجيا وقراءة التراث الثقافي، ونُظمت الجلسة ضمن مبادرة "التكريم" التي تنظمها قناة أُنس، ومكتبة قراءة المعرفة، ومنصة مجاز والجمعية العُمانية للكتاب والأدباء وأدارها الدكتور يونس النعماني بمشاركة الباحث جاسم الطارشي، والباحث إسماعيل المقبالي بحضور الأستاذ الدكتور حمود الدغيشي.
شهادة شخصية
استهل الباحث جاسم الطارشي الجلسة بشهادة قال فيها: إن بداية معرفته بالأستاذ الدكتور حمود الدغيشي تعود إلى الجلسة التي استضافتها شبكة المصنعة الثقافية حول تجربة الشاعر عبدالله البلوشي، حيث استوقفته مداخلة تناولت الدلالات الميثولوجية والرموز الكامنة في كتاب "حياة أقصر من عمر وردة"، وكانت تلك المداخلة أول نافذة تعرف من خلالها إلى الدكتور حمود الدغيشي قبل أن تتوالى اللقاءات التي جمعتهما في مناسبات ثقافية وأدبية مختلفة.
وأضاف أن أحد اللقاءات التي بقيت عالقة في ذاكرته كان في الكلية التطبيقية بالرستاق عندما دار بينهما حوار مطول حول الأدب والنقد انتهى بحصوله على أحد مؤلفات "الدغيشي"، وهو الكتاب الذي فتح أمامه أبوابا جديدة للقراءة وربط في ذهنه بين مشروع الدغيشي النقدي وعدد من الدراسات العربية التي أعادت قراءة النصوص التراثية بمنظورات حديثة، غير أن ما يميز مشروعه هو اتساع حضوره في المقاربة الميثولوجية واستنطاقه للمعتقدات والرموز الأسطورية الكامنة في النصوص الأدبية.
وأشار إلى أن حواراته مع الدكتور الدغيشي كانت نادرا ما تنتهي إلى اتفاق في تأويل النصوص لاختلاف منطلقات كل منهما، إلا أن تلك الاختلافات كانت تفتح أمامه آفاقا جديدة في القراءة، مؤكدا أن هذه الرؤى تجلت لاحقا في كتابه "حرب الذاكرة.. أحلام تستيقظ أبدا"، الذي يقدم قراءات تنطلق من تأويل النصوص لا من إسقاط الأفكار المسبقة عليها.. وأن أفكار الدغيشي لم تبق حبيسة الكتب، وإنما امتدت إلى محاضراته ودروسه ولقاءاته الفكرية، سواء في مسجد الشريجة خلال شهر رمضان، أو في المجالس الثقافية التي كان يعقدها في منزله، حيث نجح في تقريب القضايا الفكرية والميثولوجية إلى جمهور متنوع، وتبسيط موضوعات تبدو للوهلة الأولى شديدة التعقيد.
وختم شهادته بالتأكيد على أن تجربة الدكتور حمود الدغيشي كان لها أثر مباشر في تطوير أدواته النقدية ودفعت به إلى مقاربة النصوص الأدبية من زوايا جديدة، مستشهدا بتجربته في دراسة توظيف الطقوس والمعتقدات المرتبطة بالأشجار في الشعر العُماني المعاصر.
رحلة البحث عن الميثولوجيا
بعدها دعا مدير الجلسة الدكتور يونس النعماني الأستاذ الدكتور حمود الدغيشي إلى الحديث عن بداياته مع القراءة والدراسة، والرحلة التي قادته إلى التخصص في الميثولوجيا.
واستهل الدكتور حمود الدغيشي حديثه بالتأكيد أن الطريق إلى الميثولوجيا لم يكن سهلا، واصفا إياه بأنه كان من أكثر المسارات العلمية مشقة في حياته، وقال إنه منذ عام 2005 كان يشعر بأنه يسير في تخصص لا يجد من يصغي إليه أو يتفاعل معه، الأمر الذي اضطره إلى التواري خلف الكتابة في النقد الأدبي، رغم أن شغفه الحقيقي كان منصبا على الدراسات الميثولوجية، وأن أولى محاولاته لنشر هذا النوع من الدراسات قوبلت بالرفض، مستذكرا تجربة عام 2008 عندما رُفض أحد أعماله بحجة أن مصطلحاته لا تناسب القارئ، وهو ما شكّل بالنسبة إليه صدمة دفعته إلى الابتعاد مؤقتا عن النشر في هذا المجال والاتجاه إلى النقد الأدبي، في حين ظل يواصل أبحاثه الميثولوجية في الإطار الأكاديمي، مؤكدا أن طبيعة هذا التخصص وضعف المعرفة به جعلا كثيرا من أفكاره بعيدة عن النشر العام.
وأوضح "الدغيشي" أن كثيرا من أبحاثه المحكمة كانت تتناول موضوعات مرتبطة بالمعتقدات والطقوس والرموز والأساطير، لكنها لم تكن تجد طريقها إلى النشر خارج الدوائر الأكاديمية لذلك كان يكتفي بمناقشتها مع عدد محدود من زملائه المهتمين بهذا الحقل المعرفي وهذا التحول الحقيقي بدأ عندما وجد مجموعة من الأصدقاء الذين آمنوا بهذا المشروع الفكري وساندوه في تقديمه للقراء، حيث إن هؤلاء أسهموا في خلق مساحة للحوار حول الميثولوجيا، وشجعوه على تقديم أفكاره في اللقاءات والندوات، حتى تشكلت نواة من المهتمين بهذا المجال.
وأضاف "الدغيشي" أن هذه الجهود أثمرت لاحقا عن انتشار المصطلحات الميثولوجية في الوسط الثقافي، وبدأ القراء يتعرفون على مفاهيم وأسماء كانت غائبة عن المشهد الثقافي واصفا تلك اللحظة بأنها كانت مصدر سعادة كبيرة بالنسبة إليه، لأنها منحته لأول مرة فرصة للحديث علنا عن المجال الذي أفنى سنوات طويلة في دراسته، حيث إن الاهتمام بهذا التخصص أصبح اليوم أكبر بكثير مما كان عليه في بداياته.
وانتقل الحوار بعد ذلك إلى البدايات الأولى لشغفه بالقراءة، حيث أوضح "الدغيشي" أن علاقته بالكتاب بدأت في سنوات الدراسة في ظل ظروف مادية صعبة، إذ كان يقتطع جزءا من مصروفه اليومي ويدخره أسبوعا بعد آخر ليتمكن من شراء كتب الأديب طه حسين من إحدى المكتبات. واستعاد تلك المرحلة بتأثر، مبينا أنه كان يفضل اقتناء الكتب على كثير من احتياجاته اليومية وأن مجموعته الكاملة من مؤلفات طه حسين لا تزال تحتفظ بمكانها في مكتبته حتى اليوم لأنها تختزن ذكريات تلك السنوات، وتذكره دوما بالبدايات الصعبة التي صنعت علاقته بالقراءة والمعرفة.
قراءة نقدية
بعدها قدم الباحث إسماعيل المقبالي قراءة نقدية تناول فيها مشروع الدكتور حمود الدغيشي الفكري، مؤكدا أن هذا المشروع المعرفي يتميز بانشغاله العميق بالأفكار وحرصه على فتح آفاق جديدة أمام المتخصصين وغير المتخصصين، في وقت أصبح فيه كثيرون يخوضون في قضايا معرفية معقدة دون امتلاك أدواتها العلمية، الأمر الذي يجعل الحوار النقدي مع هذا المشروع ضرورة معرفية لا انتقاصا من قيمته.
وأشار "المقبالي" إلى أن من أبرز القضايا التي تستحق مزيدا من البحث في مشروع الدغيشي العلاقة بين علم الأساطير وعلم الأديان، وهذه الإشكالية تتكرر في عدد من محاضراته وكتاباته وتحتاج إلى مزيد من الدراسة والتأصيل خصوصا في ظل تعدد المناهج التي تستند إليها الدراسات الميثولوجية سواء التاريخية أو الأنثروبولوجية أو الثقافية، وأن هذا التداخل المنهجي يفرض على الباحث توسيع أدواته وعدم الاكتفاء بمنهج واحد، كما أن دراسة الأسطورة لا يمكن أن تنفصل عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي أنتجتها، مستشهدا بعدد من النماذج الأنثروبولوجية التي تناولت المجتمعات التقليدية، ومبينا أن المجتمعات الحضرية أكثر تعقيدا بسبب تراكمها التاريخي وتعدد روافدها الثقافية، وهو ما يجعل دراستها أكثر صعوبة مقارنة بالمجتمعات المعزولة أو الصحراوية، داعيا إلى توثيق الموروث الشفهي والأساطير المحلية في البيئات العُمانية قبل اندثارها.
وأكد الباحث إسماعيل المقبالي أن الدراسات الميثولوجية تحتاج إلى تعاون وثيق بين الباحثين في الأنثروبولوجيا والآثار لأن المكتشفات الأثرية تقدم المادة، بينما توفر القراءة الأنثروبولوجية تفسيرا أعمق لدلالاتها، مستشهدا بعدد من المواقع الأثرية العُمانية التي لا تزال بحاجة إلى قراءات مشتركة تكشف أبعادها الحضارية والرمزية.
وتوقف "المقبالي" عند منهج "الدغيشي" في تفسير الرموز والأساطير، مشيرا إلى أن الاعتماد الكبير على المقاربات اللغوية واللسانية يمنح البحث قوة في جانب لكنه قد يستفيد أكثر إذا انفتح بصورة أوسع على المناهج الأثرية والنفسية والمعرفية بما يحقق مزيدا من التكامل في قراءة الظواهر الميثولوجية.
كما ناقش بعض الأفكار التي طرحها الدكتور حمود الدغيشي في محاضراته، ومن بينها قراءته لقصة الطوفان وعلاقتها بملحمة جلجامش، مبينا أن الطوفان في الملحمة يمثل حدثا فرعيا ضمن البناء السردي وليس محوره الرئيس الذي يتمثل في رحلة جلجامش للبحث عن الخلود، معتبرا أن مثل هذه القضايا تظل مفتوحة للنقاش العلمي وتعدد القراءات.
ووضح "المقبالي" أن استغلال بعض الدراسات الأنثروبولوجية في مشاريع استعمارية لا ينبغي أن يقود إلى إدانة العلم ذاته، مستشهدا بأمثلة من التراث الإسلامي مثل أعمال البيروني وابن فضلان التي ارتبطت أيضا بسياقات سياسية وتاريخية دون أن ينتقص ذلك من قيمتها العلمية.
وفي ختام قراءته دعا الباحث إسماعيل المقبالي إلى توسيع أفق الدراسات الميثولوجية العربية عبر الإفادة من التطورات الحديثة في علوم الأعصاب والإدراك المعرفي، مشيرا إلى أن عددا من الباحثين المعاصرين اتجهوا إلى الربط بين تفسير الأساطير وبنية الوعي واللاوعي الإنساني وهو اتجاه يرى أنه يفتح آفاقا جديدة أمام الباحثين في الميثولوجيا ويمنح هذا الحقل المعرفي أدوات تفسير أكثر اتساعا وعمقا.
حوار علمي
وعقّب مدير الجلسة الدكتور يونس النعماني على الورقة النقدية التي قدمها إسماعيل المقبالي، موضحا أن العلاقة بين الميثولوجيا والآثار والأنثروبولوجيا تقوم على التكامل، مع احتفاظ كل حقل بأدواته ومنهجه الخاص. وأن التفسير الأثري يختلف عن التفسير الميثولوجي لأن الأول يبحث عن الأدلة المادية، بينما يهتم الثاني بقراءة المعتقدات الشعبية والرموز التي شكلت وعي المجتمعات، مستشهدا بما يرتبط بكهف مجلس الجن من روايات ومعتقدات شعبية تختلف عن التفسير الأثري للموقع.
وأضاف "النعماني" أن الدراسات الحديثة باتت تربط الميثولوجيا بعلم الأعصاب والذاكرة الجمعية، حيث أفكار علماء النفس حول انتقال الرموز والمعتقدات عبر الأجيال، وأن كثيرا من الممارسات الشعبية تستمر كجزء من الذاكرة الجمعية حتى وإن غاب الوعي بأصولها الأولى.
مرونة المنهج
وفي رده على الملاحظات أوضح الدكتور حمود الدغيشي أن الدراسات الميثولوجية لا تستند إلى مدرسة واحدة وإنما تستفيد من مدارس متعددة، والباحث يختار من كل مدرسة ما يناسب موضوعه وأن طبيعة النص الأدبي على سبيل المثال تفرض الإفادة من المناهج التي تعنى بالرمز واللغة أكثر من غيرها.
وأشار إلى أنه يستأنس بنتائج علم الآثار كمعطيات علمية تساعد على تفسير الظواهر، لكنه يميز بين المعطيات الأثرية وقراءاتها، كما أن التفسير يظل اجتهادا بشريا قد يتأثر بعوامل متعددة، بينما تبقى المكتشفات الأثرية ذاتها حقائق مادية يمكن الانطلاق منها في البحث.
كما تناول العلاقة بين الدين والأسطورة، مؤكدا أنها ليست علاقة انفصال مطلق وأن النصوص نفسها تشير إلى وجود روايات ومعتقدات كانت معروفة لدى الأقوام السابقة، وأن كثيرا من الحكايات المقدسة ارتبطت تاريخيا بالمنظومات الدينية، الأمر الذي يجعل دراسة العلاقة بينهما جزءا من البحث الميثولوجي.
وعن توظيف المناهج الأنثروبولوجية أوضح "الدغيشي" أن كتاباته ناقشت المدارس المختلفة وروادها وأنه لا يتبنى منهجا واحدا على حساب غيره، كما أكد أن بعض الباحثين الأنثروبولوجيين ارتبطت أعمالهم بالسياق الاستعماري في حين وقف آخرون إلى جانب الشعوب التي درسوها ودافعوا عنها وهو ما يفرض قراءة تاريخ هذا العلم بموضوعية بعيدا عن التعميم.
مداخلات الحضور
وشهدت الجلسة عددا من المداخلات، حيث استعرض المتحدثون جهود الباحثين الذين أسهموا في توثيق الأساطير والحكايات الشعبية العُمانية، وأشاروا إلى أهمية الدراسات التي أنجزها عدد من الباحثين الأجانب في حفظ هذا الموروث، مؤكدين ضرورة ترجمة ما لم يُنقل منها إلى العربية، إلى جانب الدعوة لإنشاء مراكز بحثية متخصصة تُعنى بدراسة الأساطير والحكاية الشعبية وصون الذاكرة الثقافية العُمانية، كما تناولت المداخلات الجوانب الإنسانية في شخصية الدكتور حمود الدغيشي، مشيدة بتواضعه وسعة صدره وانضباطه في البحث والقراءة، إلى جانب إسهاماته العلمية في هذا الحقل المعرفي.
وامتد النقاش إلى حضور الأسطورة في الشعر العُماني، حيث تناولت الأسئلة توظيف الرمز الأسطوري في التجربة الشعرية، إضافة إلى بدايات "الدغيشي" في البحث الميثولوجي، فاستعاد أولى تجاربه البحثية والصعوبات التي واجهها، مبينا أن نجاح توظيف الأسطورة في الشعر لا يتحقق بمجرد استحضارها، وإنما بقدرة الشاعر على دمجها في بنية النص بما يعمق دلالاته ويخدم رؤيته الفنية.
كما تطرقت المداخلات إلى قضايا الأسطورة العربية وعلاقتها بالموروث الديني وتعدد قراءات النصوص الميثولوجية، فأوضح الأستاذ الدكتور حمود الدغيشي أن ما بقي من الأساطير العربية لا يمثل سوى شذرات متناثرة في المعتقدات والعادات والمرويات الشعبية، وأن مهمة الباحث تتمثل في تتبع هذه البقايا وقراءتها في سياقاتها التاريخية والثقافية، كما أن النصوص الميثولوجية بطبيعتها تحتمل قراءات متعددة وفق المناهج النقدية المختلفة وهو ما يمنحها حيوية واستمرارا في إنتاج الدلالات.