حاوره - خليفة الرواحي
**media[3465326]**
تواصل ألعاب القوى العُمانية مسيرتها التطويرية بخطوات ثابتة، تستند إلى رؤية استراتيجية طموحة تستهدف توسيع قاعدة الممارسين، ورفع كفاءة المنتخبات الوطنية، وتعزيز حضور سلطنة عُمان على منصات التتويج في مختلف البطولات العربية والإقليمية والدولية. وخلال الأعوام الأخيرة، شهدت اللعبة نموا متصاعدا على كافة المستويات، سواء على مستوى تطوير المسابقات أو توسيع نطاق اكتشاف المواهب في مختلف المحافظات، من خلال تنفيذ برامج تهدف إلى بناء منظومة علمية متكاملة لصناعة الأبطال، بما ينسجم مع التطلعات الوطنية نحو تحقيق المزيد من الإنجازات الرياضية ورفع راية سلطنة عُمان في مختلف البطولات الخارجية.
وللتعرف على واقع ألعاب القوى العُمانية، وأبرز الإنجازات التي تحققت، وخطط الاتحاد ورؤيته المستقبلية لتطوير اللعبة وصناعة الأبطال، والقضايا المتعلقة بالمسابقات المحلية، وإعداد المنتخبات الوطنية، والرياضة المدرسية، والتحديات المالية والتسويقية لأم الألعاب، تحدث العميد المتقاعد سعيد بن محمد الحجري رئيس مجلس إدارة الاتحاد العُماني لألعاب القوى، الذي أكد في بداية حديثه أن الاتحاد يمضي بخطوات علمية مدروسة نحو تطوير منظومة ألعاب القوى في سلطنة عُمان، من خلال تعزيز المسابقات المحلية، وتوسيع قاعدة الممارسين، والارتقاء ببرامج إعداد المنتخبات الوطنية، إلى جانب الاستثمار في الكوادر الوطنية والشراكات مع المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص.
أرقام متسارعة
وأوضح رئيس الاتحاد العُماني لألعاب القوى أن وتيرة عمل الاتحاد تشهد مرحلة تطويرية متسارعة انعكست بشكل واضح على المستويات الفنية والأرقام المسجلة خلال الموسم الرياضي الحالي؛ حيث أسهم ارتفاع وتيرة التنافس بين الأندية وتفعيل مراكز الواعدين في تحقيق قفزة نوعية في أداء اللاعبين واللاعبات بمختلف الفئات العمرية. وفي إطار خطط التطوير المستقبلية، يعمل الاتحاد على استكمال منظومة التحول الرقمي من خلال أتمتة عمليات التحكيم والتسجيل الإلكتروني بشكل كامل، إلى جانب تسجيل جميع المسابقات ضمن روزنامة الاتحاد الدولي لألعاب القوى، بما يتيح للاعبين الاستفادة من التصنيف الدولي وتحقيق أرقام معترف بها عالميا. كما تتضمن الخطط المستقبلية استحداث مسابقات جديدة تتماشى مع التوجهات الحديثة في اللعبة، وتصنيف البطولات وفق معايير محددة تمنح الأندية الأكثر نشاطا وحضورا حوافز تشجيعية تسهم في زيادة انتشار اللعبة وتطويرها.
بيئة تدريبية متكاملة
وواصل الحجري حديثه قائلا: وفي جانب اكتشاف المواهب وصقلها، أطلق الاتحاد مبادرة مراكز إعداد الناشئين بالتعاون مع وزارة الثقافة والرياضة والشباب، بهدف توفير بيئة تدريبية متكاملة في مختلف المحافظات يشرف عليها مدربون مؤهلون وفق أحدث الأساليب الفنية. كما تم مؤخرا تدشين مركز إعداد الفتيات بالتعاون مع الجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عُمان، بما يضمن استمرارية برامج التدريب على مدار العام، ويعزز بناء قاعدة نسائية قوية تخدم مستقبل ألعاب القوى العُمانية، انسجاما مع استراتيجية الاتحاد للفترة 2025-2032.
القافلة الرياضية
وأضاف: إن الاتحاد العُماني لألعاب القوى، وبهدف الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المواهب الواعدة، فعّل مشروع "القافلة الرياضية لأم الألعاب"، الذي استهدف المحافظات والمناطق البعيدة عبر تنفيذ اختبارات بدنية ومهارية للكشف عن المواهب وتوجيهها إلى المراكز التدريبية المناسبة. كما يواصل الاتحاد جهوده بالتنسيق مع الجهات المختصة في المحافظات لتنفيذ برامج وحلقات تعليمية في المدارس وفق منهجيات الاتحاد الدولي، بهدف ترسيخ ثقافة ألعاب القوى في أوساط النشء، موضحا أنه في سياق تعزيز انتشار اللعبة ذاته تبنى الاتحاد سياسة توزيع الفعاليات والبطولات على مختلف محافظات سلطنة عُمان؛ حيث شهدت محافظات ظفار وشمال الباطنة والداخلية تنظيم ملتقيات وبطولات للميدان والمضمار، في خطوة تهدف إلى تقريب اللعبة من المجتمع وتعزيز حضورها الجماهيري، مع وجود خطط لإضافة المزيد من البطولات بالتعاون مع مديريات وإدارات الثقافة والرياضة والشباب بالمحافظات.
المنتخبات.. أرقام وإنجازات
وحول إعداد المنتخبات الوطنية وإنجازاتها، قال رئيس الاتحاد العُماني لألعاب القوى: يعتمد الاتحاد العُماني لألعاب القوى في إعداد المنتخبات الوطنية على منظومة علمية قائمة على التقييم الرقمي المستمر؛ حيث يتم اختيار اللاعبين وفق أرقام تأهيلية ومعايير فنية دقيقة، قبل إخضاعهم لبرامج إعداد متخصصة تشمل الجوانب التدريبية والطبية والتغذية، بالإضافة إلى المعسكرات الداخلية والخارجية؛ حيث يولي الاتحاد المعسكرات الخارجية أهمية كبيرة ضمن استراتيجية إعداد المنتخبات الوطنية، خاصة تلك التي تقام في أوروبا وبعض الدول الإفريقية المعروفة بتميزها في مسابقات المسافات الطويلة، لما توفره من فرص احتكاك قوية تسهم في رفع الجاهزية البدنية والفنية والذهنية للاعبين، وتعزز قدرتهم على المنافسة أمام نخبة الرياضيين على المستويين القاري والدولي، وعلى صعيد الإنجازات، واصلت ألعاب القوى العُمانية حضورها المتميز في مختلف البطولات، محققة عددا من الميداليات الملونة في الدورات الخليجية والبطولات العربية للفئات العمرية المختلفة، إلى جانب النجاحات المسجلة في بطولات غرب آسيا. كما تمكن اللاعبون من تسجيل أرقام شخصية ووطنية جديدة في عدد من المسابقات، أبرزها سباقات السرعة والتتابع والوثب العالي ورمي الرمح.
ومن أبرز الإنجازات الأخيرة تحقيق المركز الثالث خليجيا بعد حصد 11 ميدالية متنوعة بواقع 7 ذهبيات وفضيتين وبرونزيتين خلال المشاركة في 13 مسابقة، وهو إنجاز يكتسب أهمية إضافية لكونه تحقق عبر لاعبين وطنيين بالكامل دون الاستعانة بأي لاعبين مجنسين، مؤكدا أن الاتحاد يؤمن بإمكانيات اللاعب العُماني وقدراته الفنية والبدنية التي تؤهله للمنافسة بقوة على المستويين الخليجي والعربي، مع وجود مؤشرات إيجابية تقربه من مستويات المنافسة الآسيوية في عدد من الاختصاصات.
ويرى الاتحاد أن المرحلة المقبلة تتطلب توفير المزيد من فرص الاحتكاك الخارجي، وتطوير المنشآت الرياضية، وتعزيز برامج التفريغ الرياضي والدعم المالي للوصول إلى المستويات العالمية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على عدد من لاعبي المنتخبات الوطنية من قبل الأندية الخليجية، واحتراف عدد منهم في الأندية السعودية وتحقيقهم نتائج متميزة.
تأهيل الكوادر الوطنية
وحول الاهتمام بالكوادر التدريبية والتحكيمية الوطنية، قال سعيد الحجري: يولي الاتحاد اهتماما كبيرا بتأهيل الكوادر الوطنية باعتبارها الركيزة الأساسية لاستدامة التطور الفني؛ حيث ينظم بصورة دورية دورات تأهيلية للمدربين والحكام بالتعاون مع الاتحاد الدولي لألعاب القوى، تشمل المستويات المختلفة وتواكب آخر المستجدات الفنية والقانونية في اللعبة؛ حيث أثمرت هذه الجهود عن بروز كوادر عُمانية قادرة على إدارة بطولات إقليمية وقارية بكفاءة عالية، الأمر الذي يعكس التطور المتنامي للخبرات الوطنية في الجوانب الفنية والتحكيمية.
الشراكة مع الرياضة المدرسية
وعن الشراكة مع الاتحاد العُماني للرياضة المدرسية، أوضح أن الشراكة مع الرياضة المدرسية تعد أحد المحاور الاستراتيجية في خطط الاتحاد، من خلال لجنة مشتركة تعمل على تنسيق البرامج والبطولات وتبادل البيانات الخاصة بالطلبة المتميزين رياضيا، بما يسهل انتقالهم إلى مراكز إعداد الواعدين ومواصلة تطويرهم ضمن منظومة الاتحاد.
وتبرز بطولة الأيام الأولمبية المدرسية ضمن المشاريع المستقبلية المشتركة التي يعول عليها الاتحاد كثيرا في رفد المنتخبات الوطنية بالمواهب الواعدة؛ حيث ينظر إليها باعتبارها منصة مثالية لاكتشاف العناصر المتميزة وصقلها منذ المراحل العمرية المبكرة، مؤكدا أن الاتحاد يؤمن أن المدرسة تشكل القاعدة الحقيقية لصناعة أبطال ألعاب القوى، نظرا لأن السنوات الدراسية الأولى تمثل المرحلة الذهبية لاكتساب المهارات الأساسية التي يمكن البناء عليها مستقبلا للوصول إلى أعلى المستويات التنافسية.
التمويل والتسويق
وحول أهم التحديات التي تواجه الاتحاد، قال: رغم ما تحقق من تطور وإنجازات، لا تزال التحديات المالية تمثل أبرز العقبات أمام تنفيذ العديد من البرامج الطموحة التي تتطلبها رياضة ألعاب القوى، خاصة فيما يتعلق بالمعسكرات الخارجية والتجهيزات الفنية المتخصصة واستقطاب الخبرات العالمية؛ حيث إن الدعم المالي يعد المحرك الرئيس لنجاح الخطط التطويرية، إذ يسهم في التعاقد مع أجهزة فنية ذات كفاءة عالية، وتوفير أحدث وسائل الاستشفاء والتأهيل الرياضي، إضافة إلى ضمان المشاركة المنتظمة في البطولات الدولية التي ترفع تصنيف اللاعبين عالميا.
وللتغلب على التحديات المالية، يعمل الاتحاد على إنشاء لجنة متخصصة للتسويق والاستثمار بهدف تنويع مصادر الدخل وبناء شراكات مستدامة مع القطاع الخاص، إلى جانب إعداد حزم رعاية مرنة وجاذبة للشركات والمؤسسات المختلفة. كما يسعى إلى تفعيل مفهوم المسؤولية الاجتماعية عبر إطلاق مبادرات لتبني ورعاية عدد من الأبطال الأولمبيين استعدادا للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها أولمبياد لوس أنجلوس 2028 وبريزبن 2032، موضحا أن الدعم الحالي المقدم من القطاع الخاص دون المأمول ولا يواكب القفزة الرياضية التي تشهدها سلطنة عُمان، ونتطلع إلى مبادرات أكثر عمقا واستدامة من الشركات الكبرى، وألا يقتصر الدعم على المساهمات العينية البسيطة.
وأوضح رئيس الاتحاد العُماني لألعاب القوى أن العمل في الجانب التسويقي لأنشطة الاتحاد يتزامن مع خطة متكاملة لتطوير الهوية الإعلامية والتسويقية للاتحاد، من خلال تعزيز الحضور الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإنتاج محتوى احترافي يعكس قصص نجاح اللاعبين، ونقل البطولات بصورة أكثر جذبا للجماهير والرعاة المحتملين.
تعزيز رياضات القوى
وحول التكامل مع الأندية الرياضية، قال الحجري: الأندية هي الشريك الأساسي والبيئة الحاضنة للاعب، والمطلوب من الأندية عدم اختزال نشاطها على كرة القدم فقط، وإعطاء ألعاب القوى الاهتمام الإداري والمالي الذي تستحقه، والعمل على توفير أدوات التدريب الأساسية للمدربين الوطنيين بالأندية، كما نطالب كذلك وزارة الثقافة والرياضة والشباب بتعديل درجات كأس الشباب بحيث تُعطى ألعاب القوى حقها من الدرجات بما يساوي كرة القدم، وتخصيص بطولة وطنية معترف بها من الاتحاد الدولي وجائزة باسم درع الاتحاد يتم تمويلها من الوزارة إذا ما أردنا تشجيع الأندية على ممارسة اللعبة، وبالتالي سيكون له المردود الإيجابي في انتشار اللعبة وصناعة أبطال عُمانيين.
التكاملية وصناعة الأبطال
وعن الرؤية المستقبلية للاتحاد، قال: يمضي الاتحاد العُماني لألعاب القوى نحو تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى تتمثل في ضمان حضور مشرّف ومستدام في الدورات الأولمبية، وحصد ميداليات آسيوية، وبناء منظومة إدارية وفنية قادرة على تحقيق قدر من الاستدامة المالية، إلى جانب توسيع قاعدة الممارسين لتصبح ألعاب القوى من أكثر الرياضات انتشارا وإنجازا في سلطنة عُمان.
ويرى مجلس إدارة الاتحاد أن مستقبل اللعبة يحمل الكثير من المؤشرات الإيجابية في ظل الدعم والاهتمام المتواصلين بقطاع الشباب والرياضة، مؤكدا أن صناعة البطل لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها، بل أصبحت عملية متكاملة تقوم على توافر عناصر النجاح المتمثلة في الموهبة والكفاءة الفنية والدعم المالي المستدام، إلى جانب تطبيق برامج التفريغ الرياضي وتكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والنادي والاتحاد والقطاع الخاص، ضمن منظومة وطنية موحدة هدفها إعداد أبطال قادرين على رفع راية سلطنة عُمان في مختلف المحافل الرياضية العالمية.