حين تعبر شاحنات المساعدات الإنسانية الحدود البرية، يُفترض منطقًا أن تبدأ مرحلة الإنقاذ وإغاثة الملهوفين، لكنها في قطاع غزة المحاصر تتحول إلى رحلة تيه معقدة لا تحكمها الجغرافيا بقدر ما تكبلها الحسابات السياسية والإجراءات الأمنية المشددة. بين البوابة الجانبية لمعبر رفح البري وممر «كرم أبو سالم»، تتكشف ملامح أزمة إنسانية لا تتعلق بقلة الإمدادات المتوفرة في المخازن، بل بفلسفة «التقطير المنظم» التي تترك مئات الآلاف من البشر على شفير الانهيار الإنساني الشامل.
تبدأ الحكاية من مراكز التجميع واللوجستيات الواسعة في شمال سيناء، حيث ترتص المئات من الشاحنات في صفوف منتظمة تمتد لكيلومترات طويلة. تبدو حركة الشاحنات للوهلة الأولى بمثابة تدفق إغاثي مكثف وباعث على الأمل، غير أن الوقائع الميدانية والشهادات الموثقة تؤكد أن عبور رفح ليس سوى محطة تجميع وتحريك؛ إذ تلتف القوافل نحو معبر «كرم أبو سالم»، الخاضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ليتحول الأخير إلى «عنق الزجاجة» الحقيقي الذي يملك مفاتيح التحكم في المنفذ الوحيد للغذاء والدواء والوقود.
أما على مستوى الكميات، فالفجوة بين المفترض والواقع ما تزال واسعة. إذ تطرح الترتيبات الإنسانية التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 11 أكتوبر الماضي سقفًا يوميًا يصل إلى 600 شاحنة، بينها 50 شاحنة وقود، بينما لا يسمح الاحتلال في بعض الفترات إلا بنحو 120 شاحنة يوميًا في المتوسط، وهو ما يبقي الاحتياج أعلى بكثير من الوارد ويُعمّق العجز في الغذاء والدواء والطاقة. هذه الفجوة تفسر استمرار أزمة الخبز والوقود، لأن الاحتلال لا يكتفي بتقليص الإمداد، بل يتحكم في نوعه وتوقيته وكميته، فيصنع الندرة ثم يديرها بوصفها واقعًا يوميًا على السكان.
فالشحنة الواحدة تخضع لسلسلة طويلة ومعقدة من إجراءات التفتيش التعسفي، والتفريغ وإعادة التحميل، والقيود الصارمة على ما يُسمى «المواد ذات الاستخدام المزدوج»، فضلاً عن تقليص ساعات التشغيل اليومي للمعبر. وحتى إن نجحت الشاحنة في تجاوز المعبر والتفتيش، تبدأ داخل قطاع غزة دوامة أخرى من انعدام الأمن، وتدمير شبكات الطرق الرئيسية، ونفاد الوقود اللازم للشاحنات المحلية، ما يجعل المسافة الفاصلة بين حدود المعبر وخيمة النازح أطول وأقسى بكثير من رحلتها العابرة للإقليم.
أصوات من الشمال: المساعدات ورقية والبيوت فارغة
في مناطق شمال قطاع غزة، حيث خيم الجوع واستبدت الفاقة بالسكان، لم يعد الخبر الإغاثي يحمل أي قيمة في حياة الناس المنهكة. يتحدث أبو محمد (48 عامًا)، وهو أب لأربعة أطفال نازحين في مخيم جباليا، بنبرة تملؤها المرارة: «نسمع في النشرات الإخبارية كل صباح عن دخول عشرات الشاحنات، لكن الموائد في بيوتنا الخاوية لا ترى حبة قمح واحدة. المساعدات بالنسبة لنا أضحت مجرد خبر عبر الراديو، لا طعامًا يملأ الصحون».
ويشرح أبو محمد أن ما يدخل إلى محافظتي غزة والشمال يظل نزرًا يسيرًا متقطعًا، لا يكفي إطلاقًا لسد الفجوة الغذائية المتراكمة منذ شهور طويلة من الحصار المطبق. يتابع السكان المحليون بيانات المؤسسات الدولية والأرقام المعلنة بشعور عارم بالمظلمة؛ فالأرقام المعروضة في المؤتمرات الصحفية لا توازي إطلاقًا ما يجدونه في الأسواق المهجورة أو نياط الخيام. تمر الأسابيع متواصلة دون سلة غذاء، ودون طحين، ودون وقود لتشغيل الآبار السطحية، بينما تطول طوابير المياه العذبة وتتفاقم أزمة تغذية الأطفال الرضع.
«أكثر ما يدمي القلوب هو الفارق الشاسع بين ما يُعلن على الشاشات من تدفق للإغاثة، وما نعيشه هنا من فراغ مطلق. المساعدات تصل إلى غزة على الورق، لكنها تتبخر وتتلاشى قبل أن تطرق أبواب منازلنا المتهدمة».
«سياسة إدارية مبرمجة»: المعابر كأداة تحكم وسياسة استنزاف
من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي الفلسطيني المحلل محمد أبو جياب أن أزمة الإغاثة في قطاع غزة تجاوزت مفهوم «النقص اللوجستي» الطارئ لتغدو سياسة إدارية مبرمجة ومقصودة. ويرى أبو جياب أن الحركة على المعابر تُستخدم بصورة جلية كوسيلة ضغط مباشر وتسييس للملف الإنساني، من خلال التعطيل العمد للشاحنات، والتغيير المفاجئ لآليات الدخول، وربط حركة الإمدادات بشروط واشتراطات أمنية لا علاقة لها بالاحتياجات الميدانية للمدنيين المحاصرين.
ويضيف أبو جياب أن سلطات الاحتلال لا تتعامل مع معبر كرم أبو سالم بوصفه شريان إنقاذ للمدنيين، بل كأداة لتقطير الأزمة وتطويع المجتمع المحلي. ويكمل موضحًا: «إن ضرب الاستقرار في القوافل، ثم خفض الكميات، يلي ذلك السماح الجزئي الشحيح، كلها ممارسات متعمدة تخلق فجوة دائمة وغير قابلة للردم بين الحاجة اليومية للأسر والأمن الغذائي في حده الأدنى. ما يجري هو تعطيل مبرمج؛ فكل ساعة تأخير في المعبر تُترجم فورًا إلى شلل في المخابز وتوقف للمستشفيات، وارتفاع خيالي في أسعار السلع الشحيحة المتبقية».
وتؤكد تقارير شبكات المنظمات الأهلية أن نمط إدخال المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم يمنع بشكل كامل بناء أي مخزون استراتيجي طارئ داخل القطاع، ما يضع نحو 2.2 مليون إنسان تحت خط الاستنزاف اليومي المتواصل، ويعطل قدرة المؤسسات الدولية والإغاثية على وضع خطط توزيع مستقرة أو مستدامة.
معركة رغيف الخبز: الفجر في طوابير لا تنتهي
وعلى مستوى الأمن الغذائي اليومي، تجسد أزمة الخبز الوجه الأشد قسوة وتجسيدًا للمأساة الإنسانية. فمع قيام برنامج الأغذية العالمي والمؤسسات الشريكة بتقليص حصص الدقيق الموزعة وتوقف العديد من نقاط التوزيع جراء نفاد المخزون، وجدت العائلات النازحة نفسها في سباق محموم ومضنٍ للحصول على بضع ارغفه تسد الرمق. تحولت رحلة البحث عن الخبز إلى ملحمة يومية مضنية تبدأ خيوطها الأولى قبل بزوغ الفجر ولا تنتهي عند أبواب الأفران المغلقة.
في منطقة مواصي خان يونس، حيث تكتظ آلاف الخيام على الرمال الساحلية الجافة، يروي النازح خليل الأسطل (39 عامًا) معاناته اليومية مع رغيف العيش: «لم نعد نعتمد على مركز توزيع محدد. أقطع مسافات طويلة مشيًا على الأقدام نحو نقاط التوزيع والمخابز، وأقف في طوابير بشرية تمتد لمئات الأمتار تحت أشعة الشمس الحارقة، ولربما أعود بعد ساعات طويلة خالي الوفاض. الخبز هنا لم يعد حقًا أساسيًا، بل بات رمية حظ يخضع للنصيب اليومي».
ولست المشكلة متوقفة عند الوقوف الشاق في الطوابير فحسب، بل تمتد لتصل إلى تفاصيل طهيه وتجهيزه داخل الخيمة. تقول زوجته أم أحمد وهي تجمع قطعًا من البلاستيك وأغصان الأشجار الجافة من الطرقات: «لا وجود لغاز الطهي منذ أشهر طويلة، حتى الحطب الجاف صار سلعة شحيحة يُباع بالكيلوغرام. أصبح الخبز يحتاج إلى معركة كاملة لإعداده، نختنق بالدخان الحارق لنطعم الأطفال كسرة يابسة».
مخابز على الشفير وتكايا بلا إمداد
داخل أحد المخابز التي لا تزال تصارع للبقاء والعمل في دير البلح، يشرح صاحب المخبز الحاج أبو أيمن واقع العمل المنهار: «نحن نعمل في بيئة من العجز المنظم. الدقيق يصلنا بقطّارة، والوقود من السولار نادر جدًا، بينما أعداد المتجمعين أمام الباب تتضاعف يومًا بعد يوم. نعلم يقينًا منذ ساعات الصباح الأولى أننا لن نستطيع تلبية سوى نزر يسير من طلبات المنتظرين».
ويشير أبو أيمن إلى أن الإشكال الرئيسي يكمن في غياب الاستمرارية؛ فالوصول غير المنتظم للمواد الأساسية يجعل تشغيل الأفران عملية هشّة ومؤقتة تتوقف فجأة لعدة أيام متتالية. ويتابع بأسى: «نرى الحسرة والكسرة في عيون الآباء والأمهات عندما نعلن نفاد الطحين وإغلاق الأبواب. المخبز لا يرفض إطعام الناس، لكن يدنا قصيرة والعين بصيرة، وهذه هي الفاجعة بعينها: أن يقف مئات الجياع أمام فرن فارغ لا يحوي حبة قمح».
وقد انعكس هذا الشلل اللوجستي المباشر على المطابخ المجتمعية والتكايا الخيرية التي كانت تشكل صمام أمان أخير للأسر الأكثر فقرًا والأيتام والنازحين. ومع انقطاع الإمدادات الأساسية من العدس والأرز والدقيق، أغلقت العشرات من التكايا أبوابها في الوسط والجنوب.
تقول أم إبراهيم، وهي أم لستة أطفال نازحين في مدينة غزة: «كنا نعتمد على وجبة طعام واحدة يوميًا توزعها التكية المجاورة. اليوم أغلقت التكية أبوابها لعدم توفر المكونات والوقود. نقتصر الآن على وجبة واحدة شحيحة للغاية، بعض القليل من الخبز اليابس أو العدس إن توافر». وتضيف: «يسألني الأطفال عن الطعام قبل النوم وعند استيقاظهم، ولا أملك إلا أن أطلب منهم الصبر والمواساة. الفقر في غزة لم يعد يعني ندرة المال فحسب، بل يعني الغياب الكامل للغذاء والدواء وأسباب البقاء على قيد الحياة».
تحذير: شبح المجاعة يلقي بظله على عام 2026
في ضوء هذه المعطيات القاتمة، تتبدى أزمة غزة الإنسانية كعملية كبح متعمدة وليست عجزًا لوجستيًا طارئًا أو عابرًا. حذر أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، من أن الاستمرار في تقليص إدخال شاحنات المساعدات وفرض القيود الصارمة على حركة الإغاثة يعمق حالة الانهيار المجتمعي الشامل، ويترك النازحين مكشوفين تمامًا أمام غول الجوع والفقر المتقع.
وأوضح الشوا أن الاحتياجات الإنسانية أعلى بكثير من الإمدادات الواصلة، بما يضمن استمرار حالة العوز الدائم والضغط النفسي والمادي على السكان. نحن نحذر من أن معطيات منتصف عام 2026 تشير بدلاء جليين إلى خطر انزلاق القطاع مجددًا نحو مجاعة شاملة تفوق في حدتها ما شهده عام 2025 من تدهور مريع في منظومة الأمن الغذائي».
وشدد الشوا على أن الخطورة الناجمة عن الوضع الراهن لا تكمن فحسب في نقص السعرات الحرارية أو سوء التغذية الحاد المتفشي بين الأطفال والنساء الحوامل، بل في ترسيخ آليات إدارية تُحيل المساعدات الإنسانية العاجلة إلى ملف ابتزاز سياسي وأمني، مما يفرغ القانون الدولي الإنساني من مضمونه تمامًا ويحول حقوق الإنسان الأساسية في الطعام والشراب إلى رهينة للسياسات والاشتراطات الميدانية.
وجبات منسية وأطفال تحت خط التغذية
تظهر أحدث التقارير الصادرة عن منظمة اليونيسف ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في يوليو/تموز 2026، أن الواقع الصحي للأطفال والأسر بلغ مرحلة بالغة الخطورة جراء التعطيل اللوجستي الممتد. وتفيد التقييمات الميدانية الرسمية بتسجيل أكثر من 101 ألف حالة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و59 شهرًا يعانون من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، من بينهم أكثر من 31 ألف طفل يواجهون خطر سوء التغذية الحاد الشديد الذي يهدد الحياة بشكل مباشر.
كما تشير تقييمات تكتل التغذية الأممي إلى أن أكثر من 37 ألف امرأة حامل ومرضع في القطاع يحتجن إلى علاج عاجل ومكملات غذائية طارئة لتدارك مضاعفات الجفاف وسوء التغذية. وتزداد الكارثة تعقيدًا مع انعدام تنوع السلة الغذائية؛ إذ تظهر المسوح الميدانية أن نحو 64% من الأطفال لا يتناولون أكثر من مجموعتين غذائيتين فقط يوميًا، بينما يعاني أكثر من 60% من الرضع من فقر غذائي شديد.
وعلى صعيد الخدمات الإنسانية في الميدان، يؤكد التحديث الإنساني الصادر أواسط يوليو/تموز 2026 أن القيود الصارمة على دخول الوقود والمستلزمات أجبرت الشركاء الإغاثيين على تقليص عمليات التوزيع الإغاثي المنتظم؛ حيث أُكرهت المؤسسات الإغاثية على إيقاف توزيع البسكويت العالي الطاقة لتوفير المخزون لحالات الطوارئ القصوى، في حين يعاني أكثر من 82% من العائلات من انعدام أمني مائي شديد جراء تضرر 90% من البنية التحتية للمياه والآبار. وتسبب الشح الشديد في زيوت المحركات والوقود اللازم لتشغيل السيارات والمولدات في عرقلة عمل المطابخ المجتمعية والتكايا التي تقدم نحو 700 ألف وجبة يوميًا، ما جعل إيصال الطعام إلى مستحقيه داخل الخيام والمناطق المكتظة عملية شاقة ومحفوفة بالمخاطر اللوجستية.
استنزاف دائم ومستقبل مجهول
يضع الاستمرار في إدارة الملف الإغاثي بهذه الطريقة قطاع غزة أمام مستقبل مسدود الأفق. فالمؤسسات الدولية والإغاثية الشريكة باتت تعبر جهارًا عن عجزها عن مواصلة العمل في ظل هذه الظروف، حيث تستهلك الإجراءات الإدارية والتأخيرات الميدانية معظم الموارد والجهود، وتترك الفرق الميدانية في مواجهة غضب وسخط الجماهير الجائعة التي لا تجد ما يسد رمقها.
ويجمع المحللون والمراقبون للشأن الإنساني في غزة على أن الحل لا يمكن أن يكون عبر حلول جزئية أو زيادة عدد الشاحنات ببضع عشرات لخلق انطباع إيجابي موقت، بل عبر فتح كافة المعابر بشكل كامل ومستدام، وإلغاء كافة القيود التعسفية على حركة البضائع والمواد الإغاثية، والسماح بإدخال المواد الخام والوقود دون معوقات، لتستعيد الأسواق والمخابز والمؤسسات قدرتها الطبيعية على التلبية والإنتاج.
وحتى يتحقق ذلك، تظل شاحنات الإغاثة واقفة في صحراء سيناء، وتظل بوابة كرم أبو سالم مشرعة على المماطلة والتقطير، بينما تبقى آلاف الأسر في غزة تنتظر رغيف خبز لا يأتي، ووجبة طعام أضحت حلمًا بعيد المنال في زمن المجاعة المبرمجة.