يوم 19 يونيو، وقبل أن تسدل الستائر، وتنطفئ الأضواء الكاشفة في الملاعب الأمريكية، في نهائي المونديال العالمي، أطفأت شاشات العرض التي انتصبت وسط ميدان المنارة في مدينة رام الله، وتوجهت الجموع الهادرة إلى مجمع فلسطين الطبي، للمشاركة في تشييع شهيدين، كانا وصلا للتو من قرية دير جرير شرق رام الله، التي غزاها المستوطنون.
جمع غفير من الشبان والفتية، كانوا قد تجمعوا وسط مدينة رام الله، وتسمّروا أمام شاشات العرض الضخمة، للإستمتاع بنهائي كأس العالم، أسوة بباقي شعوب الأرض، فكرة القدم ليست مجرد لعبة بالنسبة للفلسطينيين، بل إنها متنفس إجتماعي و"وقت مستقطع" ينسيهم همومهم.
وفيما تشهد عموم الضفة الغربية أحداثاً أمنية وميدانية مفعمة بالتوتر وعدم الإستقرار، ثمة واجهة ايجابية، حملت في طياتها مشاهد نابضة بالفرح واللفتات المُعبرة، كتلك التي بادر إليها شبان فلسطينيون بنصب شاشات عملاقة وسط المدن الفلسطينية، لتمكين الأهالي من الاستمتاع بمباريات المونديال، والخروج من عباءة الظروف المعاشة.
كانت المقاهي والميادين الرئيسية تمتلىء بالمواطنين وغالبيتهم من الشباب، لقضاء أوقات جميلة في متابعة المباريات، وتشجيع المنتخبات التي يفضلونها، رغم تواضع مدخولاتهم اليومية، وتفشي البطالة في صفوفهم، وقسوة الظروف الاقتصادية التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، وكان بالإمكان أن يلمح كل من يصل إلى هذه الأماكن، تفاعل الفلسطينيين مع الأجواء المونديالية.
انفضّ سامر المونديال الكوني، وانجلى غبار الملاعب، لكن غبار اعتداءات عصابات المستوطنين لم ينجلي، بل أطاح بأحلام الشباب الفلسطيني، بإجازة مؤقة، من إرهاب وأشباح المستوطنين، فلم يتأخروا عن واجبهم، في تشييع الشهداء الذين أسقطهم رصاص الغدر، وكانوا يصلون تباعاً من دير جرير والمغير وسنجل قرب رام الله، وبيت فوريك وتل قرب نابلس.
"أهداف" ثقيلة الوطأة
وفق الكاتب والمحلل السياسي نبهان خريشة، فكرة القدم تحولت إلى متنفس لملايين البشر، وخصوصاً الشعوب التي تعيش تحت وطأة القهر أو الفقر أو الإستبداد، وبرأيه فليس من قبيل المصادفة، أن أكثر المجتمعات شغفاً بكرة القدم في الغالب تلك التي تعاني أزمات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.
يشرح خريشة: "عندما تنطلق صافرة البداية، تتوقف الحياة لساعة ونصف، ويجد الفلسطيني نفسه وقد انتقل من همومه اليومية إلى عالم آخر يختلط فيه الأمل بالإثارة، والانتصار بالهزيمة، فالفوز الذي يحققه منتخب ما، يتحول ولو لساعات، إلى انتصار شخصي لكل مشجع، وكأنه استعاد شيئا من كرامته أو قدرته على الحلم، فيما الهزيمة على قسوتها، تبقى أقل ألما من هزائم الواقع".
ويوالي: "الإنسان المقهور يحتاج إلى مساحة يفرّغ فيها غضبه وإحباطه، دون أن يدفع ثمناً سياسياً أو اجتماعياً.. يهتف، يصرخ، يغضب، يفرح، ويبكي، ثم يعود إلى واقعه وقد خفّ بعض ما يحمله من أثقال.. إنه نوع من التنفيس الجماعي الذي يعيد شحن المشاعر ويؤجل الإنفجار".
بينما يرى الناطق السابق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم، إن مناسبة كأس العالم التي تزورنا مرة كل أربع سنوات، تأسر عقول الفلسطينيين وتفجر مكنون انفعالاتهم، وتكشف عن اصطفافاتهم الدفينة وميولهم تجاه هذا المنتخب أو ذلك، بقدر انحياز بلده إلى مأساتهم وقضيتهم.
بيد أن هذه المشاعر، سرعان ما كانت تتلاشى حينما تحضر عصابات المستوطنين في لحظات جنونية، لتشغل الفلسطينيين، وتعيدهم إلى يومياتهم المثقلة بالهموم، فلا شغل لسكان القرى الفلسطينية، بعد إسدال الستائر على المونديال الكروي، سوى الغوص في قضاياهم، إذ عادت أوضاعهم الصعبة والمحفوفة بالمخاطر لتفرض نفسها، على وقع اعتداءات جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين، التي سجلت أهدافاً ثقيلة في واقعهم.
حرب غزة.. وقت إضافي
ومن جديد، تثير الأوضاع المأساوية التي يعيشها أهل غزة، كل مشاعر الريبة والقلق، إذ يعيش ما يزيد عن 2 مليون مواطن ونازح، ظروفاً من أصعب ما يكون، وفيما تشحذ قوات الاحتلال سكاكين الحرب من جديد بارتكاب مجازر مروعة في قطاع غزة، فإن تحت أكوام الركام ما ينبىء عن "أشواط إضافية" للحرب، والإنغماس أكثر في بحر الدم والدمار.
ويلمس الناظر إلى قطاع غزة بعمق، غارات الاحتلال الدائمة لغايات مواصلة العدوان، فالطائرات الحربية لا تغادر أجواء القطاع، فيما الدبابات والراجمات في مرابضها على حدود ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" وبما أن الكيان الإسرائيلي مقبل على صناديق الإقتراع، فإن الدماء الفلسطينية، ستكون كالعادة، وقود أحزاب اليمين المتطرف، الذي لا يعترف بأية حقوق فلسطينية، ويتجه دوماً نحو التصعيد.
ومرّ أكثر من 9 أشهر، على إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، من دون أن تتوقف هجمات الاحتلال وتوغلاته، أو تدخل "التهدئة" حيز التنفيذ، ومن دون أن ينعم أهل غزة ولو بيوم واحد من الأمن والهدوء والإستقرار، إذ يعيش الغزيون فصول القتل والتشريد والنزوح، دون الشعور بأن الهدنة موجودة.
ويبدو واضحاً للقاصي قبل الداني، أن اتفاق التهدئة الذي أبرم في 9 أكتوبر الماضي، أراد الكيان الإسرائيلي منه فقط استعادة أسراه من قبضة المقاومة في غزة، إذ لم تتوقف غاراته على القطاع، ولم تنسحب قواته من غزة، ولم تدخل المساعدات الإغاثية، ولا معدات الإعمار، ولم تستكمل المرحلة الثانية من الاتفاق، وظلت معاناة أهل غزة على حالها.
وككرة الثلج المتدحرجة، التي تكبر مع مرور الوقت، تتسارع الأحداث الميدانية في قطاع غزة، وتستمر الخروقات الإسرائيلية بشكل يومي، بينما تواصل الجرافات العسكرية الضخمة، تجريف وتسوية الأراضي، لتوسعة مساحة "الخط الأصفر" في خطوة يقرأ فيها مواطنون تقليص متسارع لمساحة غزة، ومساع ترمي إلى "وقت إضافي" للحرب.