لم تكن نتائج الثانوية العامة في قطاع غزة هذا العام مجرد إعلان لأسماء الناجحين والمتفوقين، بل كانت إعلانًا جديدًا عن قدرة الإنسان الفلسطيني على صناعة الحياة وسط الموت، وعن انتصار الإرادة على الحرب، والأمل على الدمار. في صباح إعلان النتائج، لم تكن شوارع غزة تشبه أي صباح آخر. خرج الناس من الخيام، ومن البيوت المتصدعة، ومن مراكز الإيواء، يحملون هواتفهم بقلوب ترتجف، يبحثون عن أسماء أبنائهم بين قوائم الناجحين، بينما كانت أصوات الطائرات لا تزال تحلق في السماء، والقصف لم يغادر المكان.
كانت فرحة مختلفة، ممزوجة بالدموع، يختلط فيها الضحك بالبكاء، وتُرفع فيها صور الشهداء إلى جانب شهادات النجاح.
لقد تمسك الناس بأي فرصة للفرح، بأي نافذة للحياة، فخلقوا من الخيام قاعات احتفال، ومن الأقمشة البالية زينة، ومن الألم أغنية انتصار. داسوا على جبال الحزن، وارتقوا فوق الركام ليعلنوا أن غزة، رغم كل شيء، ما زالت عاشقة للحياة.
الاصرار رغم الفقد
تصدرت الطالبة صبا رباح الفرع العلمي على مستوى فلسطين، بعد رحلة قاسية فقدت خلالها والدها الذي استشهد في الحرب، ودُمّر منزل أسرتها المكون من أربعة طوابق بالكامل. لم تكن تمتلك غرفة هادئة للمذاكرة، ولا مكتبًا، ولا كهرباء مستقرة، وكانت تعتمد على ضوء الهاتف المحمول لتواصل الدراسة ساعات طويلة، حتى صنعت إنجازًا
سيبقى شاهدًا على أن الإرادة لا تُقهر.
من جانب اخر، ومن أكثر المشاهد إيلامًا، ظهور اسم الطالب يحيى أدهم نسمان بين قوائم الناجحين بمعدل 96.6%، بينما كان قد ارتقى شهيدًا قبل أيام قليلة من إعلان النتائج. لم يكن حاضرًا ليستقبل التهاني، ولم يلتقط صورة النجاح، لكن اسمه بقي حاضرًا بين المتفوقين، وكأن شهادته أصبحت رسالة تقول إن الاحتلال يستطيع قتل الأجساد،
لكنه لا يستطيع اغتيال الأحلام.
وفي محافظة خان يونس، كتبت عائلة موسى واحدة من أجمل قصص النجاح. التوأم الثلاثي سما حسن موسى حصلت على 97.5%.
عبدالله حسن موسى، من ذوي الهمم، حقق 94.6%. وندى حسن موسى، من ذوي الهمم أيضًا، حصلت على 94.4%. وسط الحرب، والنزوح، وصعوبة الحياة، أثبت الأشقاء الثلاثة أن الإرادة يمكنها أن تتغلب على الإعاقة، وأن النجاح يولد أحيانًا في أكثر البيئات قسوة.
أما الطالبة هناء إيهاب الغصين، فقد حققت معدل 98.6% في الفرع العلمي، وهي تحمل في قلبها غيابًا مضاعفًا؛ فقد فقدت والدها المهندس إيهاب الغصين ووالدتها أماني سكيك. كتبت عائلتها كلمات مؤثرة قالت فيها: "أنتم الغائبون الحاضرون، تتمزق قلوبنا ألمًا لفقدكم، لكنها فعلتها لأجلكم." كانت نتيجة هناء رسالة وفاء لوالدين لم يتمكنا من احتضان ابنتهما في يوم نجاحها.
وفي مشهد أخر..مرام، جسدٌ مشلول وحلمٌ لم ينكسر لم تكن إصابة الطالبة مرام عبد محمود مقاط نهاية الطريق. أصيبت داخل خيمتها غرب بيت لاهيا بينما كانت تدرس، وأدى القصف إلى إصابتها بشلل نصفي، وما تزال ترقد في مستشفى الوفاء الطبي. ورغم الألم، تمكنت من تحقيق معدل 96.6% في الفرع العلمي، لتؤكد أن الإعاقة
الحقيقية ليست في الجسد، بل في الاستسلام.
شهيد بعد يوم واحد من النجاح
وفي واحدة من أكثر القصص وجعًا، لم تكتمل فرحة الطالب خالد زكي البريم، بعد يوم واحد فقط من إعلان نجاحه، خرج لشراء الحلوى لاستقبال المهنئين، لكنه
استُهدف بطائرة مسيرة إسرائيلية في منطقة المواصي غرب خان يونس، ليرتقي شهيدًا قبل أن يبدأ الاحتفال. تحولت الحلوى إلى عزاء، والزغاريد إلى بكاء، وشهادة النجاح إلى ذكرى أخيرة تحتضنها أسرته.
لم تقتصر آثار الحرب على سقوط آلاف الضحايا، بل امتدت لتضرب المنظومة التعليمية بأكملها. وتؤكد تقارير أممية أن ما بين 90% و97% من مدارس قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما تحولت معظم المدارس التي بقيت قائمة إلى مراكز لإيواء النازحين، ما جعل استئناف التعليم النظامي شبه مستحيل. كما توثق قاعدة بيانات متخصصة في رصد استهداف التعليم أن مئات المدارس دمرت كليًا، واستشهد مئات المعلمين والأكاديميين، في ما وصفته مؤسسات أكاديمية دولية بأنه "إبادة تعليمية" تستهدف مستقبل الأجيال الفلسطينية.
أرقام تكشف حجم الكارثة
تكشف البيانات المتاحة عن مشهد غير مسبوق في تاريخ التعليم الفلسطيني: استشهاد 1103 من طلبة الثانوية العامة في غزة والضفة، بحسب وزير التربية
والتعليم أمجد برهم. أكثر من 106 آلاف طالب من غزة تقدموا لامتحانات الثانوية العامة خلال السنوات الثلاث الماضية، بينهم نحو 36.9 ألف طالب وطالبة هذا العام.
نحو 90% من مدارس غزة تضررت أو دُمّرت خلال الحرب، بينما تحولت المدارس المتبقية إلى مراكز نزوح.
كما تشير تقارير دولية إلى أن ما يصل إلى 95% من المباني المدرسية تعرضت لأضرار، وأن معظمها يحتاج إلى إعادة إعمار أو ترميم شامل قبل أن يصبح صالحًا للتعليم
من جديد. ورغم ذلك، أصر آلاف الطلبة على مواصلة الدراسة في الخيام، ومراكز النزوح، وتحت أصوات القصف، وفي ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، ونقص الكتب والقرطاسية، وغياب البيئة التعليمية الآمنة.
فرحة لا تشبه غيرها
في صباح إعلان النتائج، لم تكن الاحتفالات صاخبة بقدر ما كانت مؤثرة. في الخيام، عُلقت الزينة على أعمدة مهترئة، ووزعت قطع الحلوى القليلة، وارتفعت
الزغاريد ممزوجة بدموع الأمهات اللواتي تمنين لو كان الشهداء بينهم. كان الناس يتمسكون بأي فرصة للحياة، فخلقوا من العدم طقوس الفرح، وأثبتوا أن غزة، رغم كل ما أصابها، ما زالت قادرة على إنتاج الأمل.
لم تعد شهادة الثانوية العامة مجرد وثيقة تعليمية، بل أصبحت شهادة صمود. كل طالب نجح كان قد انتصر على عشرات المعارك اليومية؛ على الجوع، والخوف،
والنزوح، وفقدان الأحبة، وانعدام الاستقرار. كل أم زغردت كانت تخفي دمعة على شهيد أو مفقود أو منزل دُمّر. كل أب احتضن ابنه كان يتمنى لو أن من رحلوا كانوا حاضرين ليشاركوه هذه اللحظة. لقد أثبتت غزة، مرة أخرى، أن التعليم ليس رفاهية، بل فعل مقاومة، وأن القلم يمكن أن يكون أقوى من آلة الحرب، وأن الإنسان الفلسطيني، مهما اشتدت المحن، قادر على صناعة الأمل من قلب الدمار. وفي النهاية، ستظل نتائج الثانوية العامة لهذا العام واحدة من أكثر المحطات الإنسانية تأثيرًا في تاريخ فلسطين؛ لأنها لم تكن نتائج امتحان فحسب، بل كانت شهادة عالمية على أن شعبًا يُحاصر بالموت ما زال يختار الحياة، وأن أبناء غزة يكتبون مستقبلهم بالحبر، حتى وإن كانت الصفحات مبللة بالدموع.