يؤكد علماء التربية والسلوك أن الطفل يولد سليمًا نقيًا، ومبرمجًا على الخير والثقة؛ وهي الحالة الأصلية التي جُبل عليها الإنسان قبل أن تشكلها المؤثرات الخارجية وتفاعلاته معها. 

فالعلم يثبت أن الطفل يولد بنقاء فطري أولي، وأن عقله لا يبدأ من الصفر أو الحياد، بل ينطلق من انحياز أصيل للخير والسلام. فهو يفترض الصدق والخير في الآخرين حتى يثبت العكس، وهذا هو جوهر الفطرة الإنسانية. 

وتظهر الأبحاث النفسية أن الرضّع يميلون غريزيًا إلى الوجوه المبتسمة والأصوات الهادئة، ويبدون انزعاجًا من البكاء والصراخ؛ مما يعني أن المثالية ليست مجرد فكرة فلسفية مجردة، بل هي رغبة فطرية عميقة في التناغم والعيش السلمي مع الناس والمجتمع. 

لقد جعل الله هذه المثالية الفطرية بمثابة حاضنة نفسية؛ فالطفل يحتاج إلى سنوات من الشعور بالكمال والأمان المطلق لبناء ثقته بنفسه وبنائه الجسدي والعقلي، قبل أن يكون مؤهلًا لمواجهة تحديات الواقع الشائك. هذا المزيج الرباني البديع يرينا أن المثالية ليست عيبًا ولا سذاجة، بل هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه إنسانية الإنسان وبوصلته النفسية والأخلاقية طوال حياته. 

يشير علماء التربية إلى أن الطفل، في المرحلة العمرية ما بين 5 و 10 سنوات، يبدأ بالاصطدام بواقع مختلف يتخلله الخطأ، والكذب، والظلم، والعدوان، والتنمر. 

لذا، يغدو الهدف التربوي الأساسي هو حماية هذا النقاء الداخلي من التحطم، وضمان عدم انهيار الطفل أمام خيبات الأمل. 

وهنا يأتي الدور التربوي في تعزيز هذه الفطرة وتقويتها لدى الطفل، وجعله قادرًا على التكيف الذكي مع الواقع المتغير والتعامل مع البشر المتقلبين دون أن يتأثر بسلوكياتهم السيئة؛ وذلك بتعليمه وتدريبه وتقديم القدوة الحسنة له، ليتعلم كيف يتعاطى مع الحياة بواقعية، ودون أن يخسر نقاءه وفطرته. 

إن وجود القدوة الحية أمام الطفل -الأب مع ابنه، والأم مع ابنتها- هو أهم ضمانة لتربية سليمة تنسجم مع الفطرة التي ولد عليها. أما إذا غابت القدوة والجهة التربوية الواعية والموجهة في دقائق الأمور وجلائلها، فإن الطفل سيلجأ حتمًا إلى «الشلة»، أو الإعلام، أو الشارع، ليفتش عن قدوة بديلة؛ وكما تكون تلك القدوة يكون الطفل، وحيثما توجهه يتوجه. 

إن أغلب الآباء والأمهات يكرسون جهودهم لتوفير المتطلبات المادية والمعيشية والرفاهية لأبنائهم، محاولين تلبية كل طلباتهم ظنًا منهم أن هذا هو أقصى الواجب؛ حتى لا يعيش الأبناء الحرمان الذي ذاقه الوالدان في طفولتهما. لكنهم بذلك يغفلون عن الهدف الأسمى للتربية، وهو توجيه الطفل وتنشئته على الفطرة السليمة. 

لذا، عندما يكبر الأبناء، يتفاجأ الوالدان بشخصيات بعيدة كل البعد عن طريق الصلاح والاستقامة؛ فقد ملأت الفراغ شخصيات وقدوات نائية وغريبة ومريضة. 

وتبدأ رحلة المعاناة والشقاء والصراع مع الأبناء حتى آخر يوم من عمر الوالدين، حين لا يجدان في أبنائهما ما يشبههما كثيرًا ولا قليلًا. 

تلك هي الصفقة الخاسرة التي يتحمل الوالدان وزرها في الدنيا والآخرة، والتي يبتلى بها المجتمع لزمن طويل. 

د. طاهرة اللواتي إعلامية وكاتبة