في صباحه الأول رئيسًا لوزراء المملكة المتحدة، زار آندي بيرنهام مؤسسةً خيرية تُعنى بالمشرّدين، وتعهد بالقضاء على ظاهرة النوم في العراء على مستوى البلاد، وذلك عبر توسيع نطاق استراتيجية «الإسكان أولًا» التي انتهجها عندما كان عمدة مانشستر الكبرى. وبهذه الخطوة، قدّم لمحةً مبكرة عن نموذجه في الحكم: دولةٌ توفّر الموارد من المركز، ثم تعهد بتنفيذ السياسات وبالاستفادة من الدروس التي يفرزها تنفيذها إلى السلطات المحلية.
غالبًا ما يصوَّر النقاش الدائر حول أجندة آندي بيرنهام لنقل الصلاحيات على أنه مفاضلة زائفة بين مانشستر ووستمنستر، أو بين الحكم المحلي والمركزية. غير أن تمكين السلطة في «المكان الذي تعيش فيه» لا يتعارض بالضرورة مع إدارة جهاز دولة كفؤ على المستوى الوطني. ويتضح ذلك في تعهده بالإشراف على أكبر برنامج لبناء المساكن البلدية منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فوضوح الرؤية وآليات التمويل يصدران من المركز، لكن تنفيذ السياسات يُفترض أن تتولاه المجالس المحلية والسلطات الإقليمية الموحَّدة على أرض الواقع. وكل عنصر من هذه العناصر لا يقل أهمية عن الآخر لضمان نجاح التنفيذ، شأنه في ذلك شأن الروابط التي تصل بينها.
ولم يكن الخيار يومًا بين مركز قوي من جهة، ومجالس محلية ومدن وأقاليم قوية من جهة أخرى. فالسؤال الأهم هو ما إذا كان الطرفان مهيأين للعمل معًا؛ بحيث يخلق المركز أدواتٍ وإمكاناتٍ تستطيع المناطق المختلفة الاستفادة منها، وفي المقابل تعود الخبرات والدروس التي تولّدها تلك المناطق لتغذي عملية صنع القرار في المركز. فإذا أُحسن بناء هذا التفاعل، أصبح النموذج قادرًا على تعزيز نفسه ذاتيًا. أما إذا أُسيء تصميمه، فلن تكون النتيجة سوى استمرار ما شهدته بريطانيا خلال العامين الماضيين: طموحات كبيرة تُعلن من المركز، ثم تُهمل بهدوء أو تُختزل إلى مكاسب قصيرة الأجل لا تتحول إلى حلول دائمة.
ولحسن الحظ، فإن المدن منخرطة بالفعل في عملية التعلّم من خلال الممارسة، سواء كان أحد في المركز يراقب ذلك أم لا. ففي مانشستر، أعادت شبكة «بي» (Bee Network) الحافلات إلى مظلة الإدارة العامة، وأتاحت للسلطة الإقليمية الموحَّدة للنقل أن تتعلم كيفية تخطيط المسارات وتحديد التعرفات باعتبارها شبكة واحدة متكاملة، بدلًا من الاعتماد على مجموعة متفرقة من العقود الخاصة. أما استجابة حي كامدن لجائحة كوفيد-19، فقد أظهرت عمليًا ما يتطلبه الأمر لإخراج الأشخاص من الشوارع وإيوائهم في مراكز الإيواء. وفي مثل هذه الحالات، يكمن السؤال الجوهري في ما إذا كانت الدروس المستفادة تحديدًا مثل القدرات التي أحدثت الفرق، والعلاقات التي كان لا بد من بنائها أولًا، والأساليب التي واجهت صعوبات تُوثَّق وتُنقل إلى الجهات التي ستحتاج إليها لاحقًا.
ومن هذا المنطلق، طوّر معهدي، بالتعاون مع Bloomberg Philanthropies، مؤشر قدرات القطاع العام عبر عشرات المدن حول العالم، بهدف سد فجوة نقل المعرفة. فبدلًا من الاكتفاء بتصنيف الحكومات، يوفّر المؤشر لغةً مشتركة وإطارًا موحّدًا لفهم القدرات التي تقود إلى تحقيق النتائج ـ مثل مهارات التفاوض داخل المؤسسات، واستخدام البيانات، والتنسيق بين الإدارات المختلفة ـ إلى جانب تحديد القدرات المفقودة. وهذه الرؤى هي التي تحوّل تجربة محلية ناجحة إلى نموذج قابل للنقل والتكرار، وتحول المبادرات المتفرقة إلى منظومة متماسكة تتعلم من نفسها وتطوّر أداءها باستمرار.
وليس بيرنهام مخطئًا في جعل نقل الصلاحيات إحدى الأولويات الرئيسة للحكومة الجديدة. فالنمو الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على أرقام إجمالية تظهر في بيانات وزارة الخزانة، وإنما يجب أن ينعكس أثره الحقيقي في مدن مثل روشديل وسندرلاند. ومع ذلك، فإن السلطة المنقولة إلى المستوى المحلي تحتاج أيضًا إلى محركٍ فعّال. فلا تستطيع المؤسسات المحلية أن تحوّل استقلاليتها إلى نتائج ملموسة إلا إذا امتلكت القدرات المؤسسية والإمكانات التنفيذية اللازمة.
ولتحقيق ذلك، ستحتاج هذه المؤسسات إلى مفاوضين يمتلكون القدرة على صياغة الاتفاقات بثقة بما يخدم المصلحة العامة، بدلًا من الاكتفاء بالموافقة على شروط يفرضها شركاء من القطاع الخاص؛ وإلى فرق متخصصة في المشتريات تدرك كيف تعظّم القيمة العامة الناتجة عن القوة الشرائية للدولة؛ وإلى أدوات للتمويل العام تؤدي دور المستثمر الأول، بدلًا من أن يقتصر دورها على خفض المخاطر أمام رؤوس الأموال الخاصة. ويجسد صندوق النمو الجيد لمانشستر الكبرى (Greater Manchester Good Growth Fund) ملامح هذا النهج، وكذلك صندوق كامدن للثروة المجتمعية، وهو صندوق استثمار اجتماعي محلي تبلغ قيمته 30 مليون جنيه استرليني (40 مليون دولار)، صُمم ليمنح السكان دورًا مباشرًا في اتخاذ القرارات الاستثمارية.
وفي الوقت نفسه، تبقى الدولة وحدها القادرة على تحديد المهام الوطنية الكبرى، وتحفيز النشاط عبر مختلف القطاعات من خلال استراتيجية صناعية موجهة نحو تحقيق النتائج، بما يدمج الاستراتيجيات المحلية المتعددة في إطار متماسك يتجاوز في أثره مجرد مجموع أجزائه. وينبغي أن تُبنى هذه الاستراتيجية حول تحديات مشتركة ومحددة بوضوح ـ مثل تحقيق صافي انبعاثات صفري، أو توفير وظائف جيدة، أو بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة ـ بما يمنح المؤسسات المحلية أهدافًا واضحة تستحق توحيد جهودها والعمل المشترك من أجلها.
ولا يقل عن ذلك أهميةً إصلاحُ الإطار المالي، بحيث يميّز بين الاستثمار الاستراتيجي طويل الأجل وبين الإنفاق اليومي الجاري؛ فلا تُقيَّم سلطة محلية تقترض لبناء البنية التحتية أو الأصول العامة وفق المؤشر المالي نفسه الذي تُقيَّم به سلطة تقترض لمجرد سد عجزٍ في موازنتها. ويقدّر مكتب مسؤولية الموازنة أن زيادةً مستدامة في الاستثمار العام تعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن ترفع حجم الناتج بنحو 2.5% على المدى الطويل (خلال خمسين عامًا). وعندما تدرك وزارة الخزانة هذه الإمكانات، وتتعامل مع المهام الوطنية بوصفها مسؤوليةً تشمل الحكومة بأكملها، لا مجرد بنود إنفاق تخص وزارة بعينها، فإنها تستطيع أن تحول دون أن تكون الأهداف الطموحة أول ما يُضحّى به عند اشتداد الضغوط.
ولا يتعارض أيٌّ من عناصر هذه الرؤية الإصلاحية مع نقل الصلاحيات؛ بل على العكس، فهي التي تمنح هذا التوجه القدرة على الاستمرار والاستدامة. غير أن التحدي الأصعب، والأقل تناولًا في النقاش العام، يتمثل في جعل انتقال الخبرات والدروس المستفادة من المستوى المحلي إلى منظومة الحكم أمرًا مؤسسيًا ومنتظمًا، بدلًا من أن يظل مجرد حدث عرضي. ولتحقيق ذلك، تحتاج المملكة المتحدة ليس فقط إلى قواعد مالية جديدة تكافئ الاستثمار طويل الأجل، بل أيضًا إلى جهاز خدمة مدنية أُعيد تأهيله ليبرع في التفاوض بدلًا من الاستعانة بمصادر خارجية، وإلى آليات ـ مثل مؤشر القدرات الذي طورناه ـ تتيح للتجارب المحلية أن تُغذي المنظومة الأوسع، بدلًا من أن تتلاشى عند حدود المجلس المحلي أو السلطة الإقليمية الموحَّدة التي شهدت تلك التجربة. وهذا لا يقتضي الاختيار بين المركز والأطراف، وإنما يستلزم بناء جسور مؤسسية وروابط فعّالة بينهما، بحيث تتحول الخبرات المتولدة في مكانٍ ما إلى مصدر قوة يفيد سائر المناطق.
إن شعار «المكان أولًا، لا الحزب أولًا» يعكس حدسًا سياسيًا سليمًا. غير أن رئيس بلدية يصبح رئيسًا للوزراء يحظى بفرصة نادرة لم تتوفر لمعظم أسلافه. فبوسع آندي بيرنهام أن يبني دولةً لا تتمثل مهمة المركز فيها في السيطرة على الأطراف، وإنما في توسيع نطاق أكثر الحلول الواعدة التي تبتكرها المناطق المحلية وتعميمها. ولن يكون المعيار الحقيقي للحكم على الأيام المائة الأولى مقتصرًا على معرفة ما إذا كانت السلطة قد انتقلت من وايتهول إلى مانشستر، بل سيتحدد أيضًا بمدى نجاح مختلف السلطات والمؤسسات في العمل معًا.
ولا تقتصر دلالات هذه الرؤية على وستمنستر، ولا حتى على المملكة المتحدة وحدها. فعندما تتولى بريطانيا رئاسة مجموعة العشرين (G20) في ديسمبر2026، ستتاح لها فرصة لإظهار كيف يمكن للسياسات القائمة على خصوصية كل منطقة، إلى جانب الاستراتيجيات الصناعية الوطنية، أن تتكامل في دفع عجلة النمو الشامل. ومن خلال نقل الخبرات المحلية إلى الساحة الدولية، تستطيع المملكة المتحدة أن تقدم إسهامًا مهمًا في النقاش العالمي حول سبل تحقيق النمو الجيد.
ماريانا مازوكاتو أستاذة في كلية لندن الجامعية (UCL)، والمديرة المؤسسة لمعهد الابتكار والمصلحة العامة التابع للكلية. وهي مؤلفة العديد من الكتب، بما في ذلك «الدولة الريادية: دحض الخرافات حول القطاعين العام والخاص» و«قيمة كل شيء: الصنع والاستحواذ في الاقتصاد العالمي».
خدمة بروجيكت سنديكيت