في الحادي عشر من مارس، بعد أقل من أسبوعين على بدء حربه مع إيران، أعلن الرئيس ترامب قائلا: «لقد انتصرنا. في الساعة الأولى فقط، انتهى كل شيء». وفي الرابع والعشرين من مارس، كرر في البيت الأبيض قائلا: «لقد انتصرنا في هذه الحرب». وفي السادس من أبريل أكد قائلا: «لقد ألحقنا بهم هزيمة عسكرية».
وفي الحادي عشر من أبريل نشر على موقع تروث سوشيال للتواصل الاجتماعي قوله: إن «الولايات المتحدة دمرت تماما جيش إيران».
وفي السادس عشر من أبريل قال ترامب: إن «الحرب في إيران تمضي على خير ما يرام. إنها حرب مثالية».
لكن مثالية هذه الحرب أربكت بعضا من أنصاره. فقد قالت ماريا بارتيرومو من قناة فوكس نيوز حديثا وعلى الهواء: «إنني لا أفهم كيف يمكن أن تكون لدى إيران قدرات للقتال على هذا النحو والاستمرار في محاولة الهجوم على بلاد الخليج وعلى قواعد الولايات المتحدة العسكرية. لا أفهم هذا لأن الولايات المتحدة أبادت جيش إيران، والرئيس مستمر في تكرار هذا».
غير أن حرب ترامب المثالية تنطوي في ما يبدو على بعض العيوب الطفيفة، فمن بينها إغلاق مضيق هرمز، ثم في الأيام القليلة الماضية إغلاق جزئي للمرور في البحر الأحمر أيضا. ولذلك فإن ترامب يصعد الهجمات في ما يبدو أنه إصرار على استراتيجية فاشلة.
لكن المشكلة لا تتمثل في خطأ حسابات ترامب الرهيب الذي بدأ على أساسه الحرب في الثامن والعشرين من فبراير بما أضعف أمريكا من نواح عدة، إذ استنزف ذخائرها، وقلص قدراتنا على ردع الصين في آسيا وزاد المتشددين في إيران رسوخا، لكن المشكلة تكمن في هذه اللحظة في طريقة تصعيده الكارثي للحرب.
يضرب ترامب في الآونة الأخيرة مواقع في إيران كل يوم، وقد نبه إلى أن الولايات المتحدة سوف تضرب محطة طاقة أو جسرا في مقابل كل سفينة تضربها إيران. وبعيدا عن مسألة جرائم الحرب، فهناك أيضا مشكلة أن إيران ترد بالطريقة نفسها.
لقد أشار داني سيترينوويتش ـ ضابط المخابرات الحربية الإسرائيلية المتقاعد والخبير في الشأن الإيراني ـ إلى أن «إيران لا تزال تحتفظ بالعديد من خيارات التصعيد، وأشار إلى أن إيران يمكن أن تهاجم دول الخليج العربي، وتقطع الكوابل الممتدة تحت البحر، أو تستعمل الحوثيين في اليمن لمهاجمة الشحن في البحر الأحمر.
ولقد قام كلا الطرفين فعلا بضرب محطات المياه والتحلية، وهو ما قد يكون كارثيا على دول الخليج في حال استمراره. وإيران لا تعتمد اعتمادا كبيرا على التحلية، أما البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة فتعتمد على التحلية في توفير كل مياه الشرب تقريبا. وسوف تكون المدن غير قابلة للسكنى تماما في حال تدمير محطات الطاقة ومحطات التحلية.
وبالمثل، في حال مهاجمة الولايات المتحدة مواقع النفط والغاز الإيرانية، فمن المرجح أن تفعل إيران مثل ذلك في دول الخليج فتقلص تدفقات النفط لشهور أو لسنين.
وقد أعلن الحوثيون أنهم انضموا إلى القتال، فاستهدفوا الشحن البحري السعودي في البحر الأحمر فزادوا بذلك من تقليص إمدادات النفط العالمي. وقد بقي الحوثيون خارج الحرب حتى الآن، ولا أعرف إن كان معنى انضمامهم إليها أنهم يرون أن إيران هي الطرف المنتصر عمليا.
يهدد ترامب بضرب الحوثيين. لكن يجدر به أن يتذكر أنه وجو بايدن من قبله قد أنفقا سبعة مليارات دولار في قصف الحوثيين على مدى أكثر قليلا من سنتين دون أن يحققا أي شيء واضح قبل أن يستل ترامب نفسه من حملة القصف في مايو 2025 بحيلة سحرية دبلوماسية معيارية: إذ أعلن كلا الطرفين النصر، وانتهى القصف.
فما الذي يحاول ترامب أن يحققه من تصعيد الهجمات؟ وما الذي ينتويه؟
لقد قال سيترينوويتش إن «أي استراتيجية واقعية يجب أن تبدأ بافتراض جوهري هو أن إيران لن تستسلم».
بعبارة أخرى، يبدو أن الغارات الجوية المتزايدة تمثل طريقا ناريا مسدودا. وأرجو ألا يكون ترامب الآن يفكر في الغزو بقوات برية، لأن من شأن ذلك أن يكون أشد كارثية.
ويقدر الجنرال المتقاعد باري آر مكافري أن إخضاع إيران سوف يستغرق عاما ويستوجب ستمائة ألف جندي مع ما يستتبعه ذلك من خسائر في الأرواح.
وتساءل مكافري: «ثم ماذا بعد؟ البقاء هناك؟»
أرى أن تصعيدا عسكريا واحدا قد يكون مفيدا في خنق إيران، وهو مساعدة الإمارات العربية المتحدة على استرداد الجزر المتنازع عليها وهي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، لو أن الإماراتيين عازمون على القيام بهذا بقواتهم لا بقواتنا. لقد استولت إيران بالقوة على هذه الجزر سنة 1971، ولكن الإمارات تطالب بها مطالبة منطقية، والجزر لها مواقع استراتيجية في مضيق هرمز وقد تساعد في السيطرة عليه.
وفي ما عدا ذلك، ما من بديل حقا غير التفاوض، والاعتراف بأن أي نتيجة تفاوضية لن تكون مرضية، لكنها في عدم إرضائها لن تكون مساوية لتصعيد الحرب إلى لا غاية.
ولعل الهدف الأهم للتفاوض يجب أن يتمثل في منع إيران من الحصول على أسلحة نووية، لكن صفقة ترامب النووية الجديدة مع المملكة العربية السعودية، في حال مضيها قدما، سوف تزيد من صعوبة هذا الأمر. وفي حال تخصيب السعوديين وقودا نوويا، فإن الإيرانيين سوف يصرون على عمل مثل ذلك أيضا، وقد تكون النتيجة في هذه الحالة تنافسا نوويا بين الاثنتين.
والحق أنني أزداد خوفا من الإرث الأشد قتامة لهذه الحرب الكارثية وهو أن يحدث بعد عقد أو عقدين أن نجد كلا من المملكة العربية السعودية وإيران وقد باتت لديهما أسلحة نووية. ففي وجود دولتين تمتلكان أسلحة نووية في الشرق الأوسط، أي خطأ يمكن أن يقع؟
نيكولاس كريستوف من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ عام 2001
خدمة نيويورك تايمز