تشهد مؤسسات المجتمع المدني المهنية حراكًا ملموسًا ونشطًا في أداء مهامها والارتقاء بجودة مناشطها؛ إذ تسعى جاهدة إلى تقديم خدمات وبرامج نوعية تلامس تطلعات الفئات المستهدفة وتصقل مهاراتهم. وضمن هذا الحراك المثمر، جاءت مشاركتنا قبل عدة أسابيع في «مخيم وثّق» لصناعة الأفلام الوثائقية، بتنظيم الجمعية العُمانية للسينما، وإشراف المدرب ومدير التصوير المصري القدير حسن أمين. واستمر المخيم على مدار أسبوعين، بين جانب نظري وآخر عملي.
هنا لسنا بصدد الحديث عن المميزات التقنية للأدوات المستخدمة في التصوير السينمائي، ولا استعراض محتوى البرنامج التدريبي، أو الخوض في تفاصيل المواد التي اشتغل بها المشاركون، ففي العادة تكمن القيمة في التفاصيل الدقيقة لمخرجات حلقات التدريب، وفي كشف الأثر الإيجابي الذي خرج به المشاركون بعد خوض تجربة إنتاج أفلام وثائقية قصيرة، وفي الأعمال التي نأمل لها أن ترى النور بعد التدريب المذكور.
لا يخفى على أحد تأثير الصورة وقوتها في التعبير وإظهار العمق السردي لأي محتوى، فنحن في الواقع نعيش زخم تأثير اللغة البصرية المُهيمنة على المحتوى المُتاح للجماهير إنتاجه واستهلاكه، والحصول على عوائد مادية ومعنوية منه؛ نظرًا لتطور أدوات التقنية المستخدمة في إنتاج المحتوى، وكذلك تعدد المنصات ووسائل التواصل القابلة لنشر المحتويات والترويج لمضامينها. وهنا تكمن إحدى قوى التأثير للصورة حين توجه الرأي العام وتشكل قناعاته، فالمادة الوثائقية المرئية ليست تجميعًا للقطات عابرة أو ملء الشاشة، بل تحمل رسائل تعبيرية تظهر وتبين ثقافة المجتمعات وقيمها وهوياتها وحكاياتها المنسية. ولذلك يتوجب العمل على تكثيف الدورات التدريبية للخروج بمحتويات ثقافية تحمل في طياتها رسائل هادفة. إذ تكمن قدرة الفيلم الوثائقي في قدرته على منح المشاهد معارف متعددة ومؤثرة في آن؛ فهو يستعيد أحداث الذاكرة الجمعية، ويحفظ الأنشطة الإنسانية والتقاليد الشفهية والموروثات الحضارية التي قد تطمسها سرعة أدوات الحداثة. هنا تحل الكاميرا بدلًا من القلم في التعبير والتوثيق ونقل مآثر الإنسان إلى آفاق أوسع وأرحب. شخصيًا، وجدت في المادة الوثائقية المرئية مساحة واسعة للتعبير عن المفردات الثقافية التي تعجز الكلمات عن حملها أو تبليغها للآخر. فعلى سبيل المثال، يُمكن للصورة أن تسهم في حفظ الكثير من محتويات الثقافات الشفهية والممارسات الاجتماعية، كالعادات والتقاليد، والأطعمة، والأزياء، والألعاب الشعبية.
وفي المخيم المذكور، ساهمت بوضع سيناريو لعادة اجتماعية يمارسها رعاة الإبل في المنطقة الشرقية من ظفار، وقد سبق الإشارة إليها في هذا العمود. تلك العادة تُسمى «خنطوت»، أي الخروج من البيئة الجافة إلى المناطق المتأثرة بالرذاذ والضباب. تجسدت العادة الاجتماعية التي مارستها في الصغر إلى مادة فنية متحركة أثارت الشجون، وحفزت الذات على طرح الأسئلة المتعلقة بإمكانية توظيف الأفلام الوثائقية في تسجيل مكونات الثقافة العُمانية المادية وغير المادية، وإمكانية استغلال الطبيعة والبيئة في إنتاج المواد المرئية، الأمر الذي يعمل على خلق صناعة سياحية، إذ تتحول مواقع التصوير إلى مزارات سياحية يقبل عليها الزوار والسياح.
ختامًا، نتطلع إلى عرض نتاج هذا المخيم في مهرجان ظفار للسينما المزمع إقامته خلال النصف الأول من شهر سبتمبر، وأن تستمر مثل هذه الدورات في إثراء المشهد الثقافي، وتسهم في صقل المواهب وتعزيز القدرات الفنية للفاعلين في المجالات الثقافية والفنية.
محمد الشحري كاتب وروائي عُماني