عمّان - العُمانية: تخوض الروائية الأردنية سميحة خريس في كتابها الجديد "مشوار مع بيسوا"، تجربة أدبية وفكرية تقوم على حوار متخيّل مع الشاعر البرتغالي فرناندو بيسْوَا (1888-1935)، في عمل أدبي يتجاوز حدود القراءة التقليدية لكتاب بيسوا المسمّى "اللاطمأنينة" ليشكل نافذةً تتيح تأمل الذات والوجود والكتابة.
ويكسر الكتاب عبر هذا الحوار، حدود الزمن التي تفصل بين الكاتبة وبيسوا بما يقارب تسعين عامًا، كما يتجاوز المسافات الجغرافية بين الأردن والبرتغال، ليقيم لقاءً إنسانيًّا في غابةٍ متخيّلة تستعيرها خريس من عالمها الروائي، فتغدو مكانًا محايدًا يلتقي فيه صوتان ينتميان إلى ثقافتين وتجربتين مختلفتين، لكنهما تجتمعان حول الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان.
ويبني الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" (2026) نصًّا جديدًا يتداخل فيه الحوار والتأمل والسيرة الذاتية والمقالة النقدية، فتتحول صفحات بيسوا إلى منطلق تستعيد من خلاله الكاتبة تجاربها الشخصية وأسئلتها الفكرية، وتفتح نقاشًا مع مؤلف الكتاب، ومع المترجم، ومع القارئ في آن واحد.
يقوم البناء الفني للكتاب الذي يتوج مسيرة حافلة بالإصدارات لسميحة خريس، على خطاب مزدوج؛ فالحوار الظاهر مع بيسوا يخفي حوارًا آخر أعمق مع الذات. فالكاتبة تستعين بصوت الشاعر البرتغالي لتقول ما يصعب قوله مباشرة، وتحوّل الشخصية الغائبة إلى تقنية سردية تسمح لها بالبوح واستعادة الذكريات ومساءلة التجربة الإنسانية.
ويرى الكاتب والمصور الفوتوغرافي صالح حمدوني أن كتاب خريس يقدم نموذجًا مبتكرًا للتفاعل والانفتاح الثقافي، ويعيد كتابة تجربة بيسوا من منظور ذاتٍ شرقية محمّلة بخبرتها الإنسانية والثقافية. ويشير إلى أن النص يربط بسلاسة بين السيرة الذاتية الوجدانية، والمقالة النقدية، والرسائل المتخيلة، بما يحرر اللغة من جمودها ويمنحها تدفقًا حيًّا، كما يلفت إلى أن خريس لا تكتفي بمحاورة بيسوا، بل تجادله أحيانًا وتختلف معه في ما يقدمه من رؤى، فتقارن بين رؤيته للعالم ورؤيتها، وتستدعي رموز التصوف الإسلامي وعمر الخيام، وتعيد الاعتبار لتفاصيل الحياة اليومية بوصفها مصدرًا للإبداع والمعرفة.
أما الكاتبة سوار الصبيحي فرأت أن خريس لا تتعامل مع الترجمة بوصفها وسيطًا محايدًا، بل تخوض حوارًا مع المترجم أيضًا (المغربي المهدي أخريف)، وتتساءل عمّا إذا كانت اللغة العربية قد أضافت إلى نص بيسوا طبقات جديدة من المعنى، مؤكدة أن "النص يولد مرة أخرى داخل كل ثقافة جديدة". وأضافت أن بيسوا يتحول مع تقدُّم الكتاب من مرآةٍ فكرية إلى مفتاح يكشف أكثر صفحات الكاتبة خريس خصوصيةً، ليغدو "مشوار مع بيسوا" تجسيدًا لقدرة الأدب على الجمع بين روحين لم تلتقيا قط، في حوار يتجاوز الزمن والثقافات.
ويؤكد "مشوار مع بيسوا" أن الحوار مع كاتب راحل يمكن أن يتحول إلى تجربة إبداعية مستقلة، لا يراد منها تفسير النصوص، بل إنتاج نص موازٍ يضيء العلاقة بين الأدب والحياة، وبين الشرق والغرب، ويجعل من الكتابة وسيلة لاكتشاف الذات بقدر ما هي وسيلة لقراءة الآخر.
ونقرأ على الغلاف الأخير للكتاب: "في مشواري معك، اختلفنا واتّفقنا، كما يجدر بزمنَين متباعدَين، وثقافتَين متباينتَين، ومخلوقَين يمثّلان الجنس البشري ذكرًا وأنثى. لم أكن ندًّا لك، ولا كنتَ أستاذي، بالغتُ في حذري خشيةَ السقوط في أتون ضجرِك واغترابك، لكنني أحسستُ بك، وقطعًا أنت ساعدتني؛ لقد لمحتُ ضوءًا دلّني على الدرب الذي قادني إلى ذاتي، فهمتُ عن نفسي أكثر مما كنتُ أعتقد، بُحتُ، وتخفّفتُ، وتحرّرتُ من ثِقَل نفسي وفِكري العميق، وانتهزتُ الفرصة لأقول ما لا يُتاح لي قوله في جَمعٍ، أو على مِنبر، أو في الفضاء الواسع للنشر الورقي والإلكتروني".