يشهد قطاع الإرشاد السياحي في سلطنة عُمان مرحلة جديدة في مستوى التنظيم والاحترافية مدعومًا بخطوات استهدفت تأهيل المرشدين وتنظيم المهنة، وفي الوقت الذي أسهمت فيه التقنيات والمنصات الرقمية إلى توسيع فرص الوصول إلى خدمات الإرشاد وربط السياح بالمرشدين المرخصين، إلا أن هناك احتياجات مهنية وتنظيمية يعايشها المرشد أو صانع التجربة الإرشادية في عمله اليومي.
"عُمان" استطلعت آراء مرشدين سياحيين للوقوف على واقع المهنة وأبرز التحديات التي تواجه العاملين فيها، إلى جانب المبادرات التي يمكن أن تسهم في تطوير القطاع، وتحسين تجربة الزائر مما يعود بالنفع على الاقتصاد والتعريف بالمقومات السياحية.
نقلة نوعية
يقول هلال بن حمود الراشدي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة «جايدر إكس»، إن سوق الإرشاد السياحي في سلطنة عُمان يشهد نقلة نوعية تتماشى مع مستهدفات التنمية السياحية؛ فالسائح المعاصر لم يعد يبحث عن مجرد زيارة عابرة للأماكن، وإنما أصبح يتطلع إلى تجربة أصيلة وقصة عميقة يرويها أبناء البلد.
وأضاف: لاحظنا إقبالًا متزايدًا من السياح، لا سيما الأفراد والمجموعات الصغيرة، على الاستعانة بمرشدين محليين متخصصين لنقل الثقافة العُمانية بشفافية وموثوقية. وفي هذا السياق، تؤدي المنصات الرقمية دورًا حيويًا في تحويل هذا الشغف والطلب إلى منظومة عمل احترافية يسهل الوصول إليها".
من جانبه يوضح المرشد السياحي قاسم بن محمد العشياني أن مهنة الإرشاد السياحي في تطور مستمر، إلا أن هناك التحديات التي تواجه المرشد أبرزها انخفاض مستوى الأجر والخدمات.
بدوره، يرى المرشد السياحي محمد الدغيشي إن المهنة ممتعة وأصبحت في الآونة الأخيرة أكثر تنظيمًا مما كانت عليه، موضحًا: "في السابق كان من الممكن الحصول على رخصة الإرشاد السياحي دون دخول أي دورات تدريبية تضمن أن الشخص مناسب للقيام بهذه المهنة، أما اليوم فقد تولت كلية عُمان للسياحة مهمة التنظيم من خلال وضع بعض الشروط والاختبارات التي لا بد أن يمر بها الشخص الذي يود العمل في مجال الإرشاد السياحي".
ويوضح الراشدي أن منصة «جايدر إكس»، تضع الترخيص الرسمي الصادر عن وزارة التراث والسياحة معيارًا أساسيًا عند انضمام أي مرشد سياحي إليها، بما يضمن الكفاءة والموثوقية، كما أن جانب الترخيص، يولي اهتمامًا بالغًا بمهارات الذكاء العاطفي، وقدرة المرشد على قراءة اهتمامات السائح والتفاعل معها بمرونة، فضلًا عن الإلمام التقني لسرعة الاستجابة لطلبات الحجز، والشغف الذي يمكّنه من إرشاد السائح بأسلوب مشوق بعيدًا عن التلقين التقليد، حيث إن المرشد السياحي هو السفير الأول للسياحة والثقافة العمانية، ولذلك تنظر المنصة إلى التدريب باعتباره عملية مستدامة لا تقتصر على المعرفة التاريخية، مضيفًا: "ميدانيًا، نركز على إكساب المرشد مهارات إدارة الحشود وتوجيه المجموعات الكبيرة باحترافية في المواقع المزدحمة، مشيرا إلى أهمية تطوير اللغات التخصصية، واكتساب مرونة عالية في إدارة المجموعات السياحية التي تتنوع خلفياتها الثقافية والعمرية، داعيا المرشدين إلى الاجتهاد في تحديث المعلومات والإلمام بالتطورات السياحية، خصوصًا قبل أي رحلة يقومون بها، حيث إن مستوى الاهتمام بتجديد المعلومات يختلف من مرشد إلى آخر.
تحديث المعلومات
وفيما يتعلق بتوافر المعلومات المحدثة عن المواقع السياحية، أوضح الدغيشي أن المعلومات تتجدد باستمرار، وعلى المرشد أن يكون مطلعًا بصورة دائمة، سواء من خلال البحث والقراءة أو الانضمام إلى مجموعات المرشدين العُمانيين في مواقع التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن هذه المجموعات تؤدي دورًا كبيرًا وفعالًا في تحديث المعلومات والتحقق من دقتها وتصحيحها، بما يساعد المرشد على تقديم معلومات موثوقة للسائح.
ويوافقه الرأي العشياني في أهمية المبادرة الذاتية، بقوله: إن المرشد مسؤول عن متابعة المستجدات السياحية، حتى يتمكن من تقديم تجربة متكاملة للزائر.
التحديات
وعن أبرز التحديات التي تواجه شركات الإرشاد السياحي، قال الراشدي: إنها ترتبط بالتوزيع الجغرافي واتساع رقعة سلطنة عُمان، إذ يصعب أحيانًا توفير مرشد يتحدث لغة معينة في محافظة بعيدة بصورة فورية، كما أن الموسمية تعد من أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه القطاع السياحي عالميًا ومحليًا، ويتجسد هذا التحدي في سلطنة عُمان بوضوح في التفاوت الكبير بين المواسم.
وأوضح: في أوقات الذروة، لا سيما خلال الموسم الشتوي، يشهد السوق طفرة في أعداد الزوار، مما يخلق ضغطًا شديدًا على المرشدين السياحيين ويجعلهم في حالة استنفار دائم لتغطية الطلب المتزايد. وفي المقابل، تنحسر أعداد السياح الدوليين خلال المواسم الأخرى، مما يؤدي إلى تراجع حاد في حجم الطلب، ويخلق فترات ركود تسبب تذبذبًا واضحًا في استقرار فرص العمل، وتحديًا في استدامة الدخل المادي للمرشد، فيما ويرى الدغيشي أن الإرشاد السياحي مهنة ينبغي التعامل معها بوصفها عملًا جزئيًا، أو عملًا مناسبًا للأشخاص بعد التقاعد، حتى يكون المرشد متفرغًا، نظرًا إلى موسميتها وتأثرها بالظروف الصحية والجيوسياسية.
أسعار الخدمات
وفيما يتعلق بتحديد أسعار خدمات الإرشاد السياحي، قال الراشدي: نتبنى نموذج عمل مرنًا وعادلًا يضع زمام المبادرة بيد المرشد السياحي نفسه، انطلاقًا من أن الإرشاد ليس مجرد خدمة نمطية، وإنما فن يعتمد على المهارة والمعرفة، حيث يمنح المرشدين حرية تامة واستقلالية كاملة في تحديد أسعار خدماتهم، وهذا التباين الذي يلحظه السائح في الأسعار هو انعكاس طبيعي وصحي لتفاوت الخبرات التراكمية، ومستوى الاحترافية، والتميز الذي يقدمه كل مرشد، مما يخلق بيئة تنافسية إيجابية ترتقي بجودة القطاع السياحي بأكمله.
وأوضح أن تقييم التكلفة يراعي الطبيعة اللوجستية والجغرافية لكل رحلة، إذ تتمتع سلطنة عُمان بتنوع جغرافي فريد، وتتطلب كثير من الرحلات وقتًا طويلًا وجهدًا استثنائيًا للوصول إلى المواقع، لا سيما رحلات المغامرات والاستكشاف في الأودية والجبال والمسارات الوعرة، مبينا أن الأسعار التي يحددها هؤلاء المرشدون تتناسب بصورة منصفة مع حجم الجهد البدني المبذول، والمسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتقهم لضمان سلامة السياح، والمهارات التخصصية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع المتقدم من الإرشاد.
تطوير القطاع
وعن الأدوات التي يحتاجها المرشدون، قال العشياني: إن المرشد بحاجة إلى شركات تسهم في تطوير قدراته، مؤكدًا أهمية إنشاء منصة للمرشدين السياحيين.
أما الدغيشي، فأوضح أن التسهيلات متوافرة، مشيدًا بجهود الحكومة وأصحاب المشروعات الخاصة، لا سيما في مسألة دخول الأماكن السياحية، من جهته يرى الراشدي أن تطوير قطاع الإرشاد السياحي وزيادة إسهامه الاقتصادي مستقبلًا يتطلبان التوجه نحو التكامل الرقمي الشامل، الذي يربط قواعد بيانات المرشدين بالمنصات المبتكرة،داعيا إلى تقديم برامج تحفيزية مستمرة تدعم تنافسية المرشد العُماني وتضعه في مصاف أفضل مقدمي الخدمات السياحية إقليميًا وعالميًا.