آثرتُ التريث غير مرة قبل خوض غمار الكتابة في موضوعٍ تتجاذبه الحساسية ويكتنفه الغموض كهذا. فعلى الرغم من انقضاء ثلاث سنوات تقريبًا على صدور قانون الحماية الاجتماعية المتعلق بإصلاح منظومة التقاعد، فإنّه لا يزال موضوعًا يستأثرُ بقسطٍ وافرٍ من حديث الناس حتى اليوم. كيف لا، وهو يتصل بما يقوم عليه رمقُ الإنسان ويمسُّ أمنه في شيخوخته وعجزه. 

قلَّبتُ النظر في العديد من التصريحات والتحليلات التي سعت إلى استجلاء «شفرته»، فوجدتُ أنّ كثيرًا من التساؤلات لا تزال تبحثُ عن إجابات واضحة. فإذا كان الموظف يؤدي اشتراكاته إلى آخر يوم من خدمته فمن حقه أن يعلم كيف تنعكسُ تلك الاشتراكات على معاشه التقاعدي وأن يتلقى بيانًا شافيًا، لا معادلاتٍ تستغلقُ على أهل الأرض! 

فمن عجب المفارقات أنّ من أكملوا عشرين عامًا في الخدمة استبشروا خيرًا بادئ الأمر بأنّهم بمنأى عن أحكام النظام الجديد، فإذا بهم يُصعقون بأنّ استحقاقهم التقاعدي قد عُلِّق في عام 2023. فتمضي خدمتهم وتتوالى العلاوات والترقيات وتتجدد الاستقطاعات، غير أن الاحتساب يبقى جامدًا عند ذلك التاريخ الرهيب.. فأين تمضي استقطاعات ما بعد عام 2023؟ وما حظها من معاشٍ ظل صاحبه يؤدي له حتى آخر يوم من خدمته؟! 

لا سيما وأنّ الترقيات جاءت بعد طول انتظار وفي زمنٍ بسط فيه التضخم أذرعه الأخطبوطية على أوجه الحياة كلها.. فكيف يُدعى الموظف إلى مزيدٍ من البذل ويُغرى بالإجادة والترقي.. ثمّ لا يجد لذلك أثرًا عند انقضاء خدمته؟ 

ولعلّ أكثر ما يثير السؤال أيضًا: محدوديةُ المرونة في التقاعد؛ فعلى الرغم من أنّ القانون أتاح بعض صور التقاعد المبكر بضوابط مُحددة فإنّ خياراته لا تزال في نظر كثير من الموظفين أضيق من أن تستوعب اختلاف أحوالهم وتباين ظروفهم. فالغالب على المنظومة أنّها تدفع الموظف إلى طريق أحادي مع أن الناس مختلفون في هممهم ومتباينون في أولوياتهم. فقد يرى بعضهم بعد سنوات من الخدمة أنّ المصلحة في مشروع خاص أو في التفرغ للأسرة أو في مسار مهني آخر. 

أثناء مطالعتي لعديد المقترحات التي رأى أصحابها أنّها أكثر ملاءمة وقفتُ على ما أطلقوا عليه بـ«التقاعد المرن»، فلماذا لا تتعدد مسارات الاستحقاق وفق ضوابط محددة، فيُتاح لمن أمضى خمسة عشر عامًا من الخدمة أن يتقاعد بمزايا تتناسب مع مدة خدمته مثلا، أو بعد عشرين عامًا باستحقاقات أعلى؟ هكذا تزداد المنافع تدريجيًا حتى بلوغ الاستحقاق الكامل بعد ثلاثين عامًا. وبذلك لا يُحرم الموظف من حق الاختيار، فينتقل إلى مشروعه الخاص أو يتفرغ لشؤون أسرته أو يسلك مسارًا آخر يرى فيه امتدادًا لخبرته وحياته. 

لفتت انتباهي أيضًا مقاطعُ فيديو وكتابات عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي لنساءٍ يطمحن إلى التفرغ لأسرهن، ولا سيما من العاملات في قطاعَي التعليم والصحة، وذلك بعد أن قطعن شوطًا في بناء استقلالهن المهني والمادي. 

فمن الحكمة بمكان ألا تُلغم بيئة العمل بالمكابح؛ فمرونة التقاعد قد تُنعشُ سوق العمل والاقتصاد معًا. فمن آثر مغادرة الوظيفة طوعًا ترك مكانًا لكفاءةٍ شابة، ومضى هو بخبرته إلى آفاقٍ أرحب لتغدو خبرته حرة نافعة، لا حبيسة المكاتب والبصمة. 

إذ لا يخفى على أحد أنّ عوامل شتى من قبيل: ارتفاع متوسط العمر وتغيّر معدلات الخصوبة وتزايد أعداد المتقاعدين دفعت كثيرًا من الدول لإعادة النظر في أنظمتها التقاعدية ابتغاء صون استدامتها المالية. غير أنّ إصلاح المنظومات لا يستقيم إذا انصرف النظر للغة الأرقام وحدها. فالقيمة لا تمكثُ في رفع المؤشرات المالية وحسب، وإنّما فيما تورثه من طمأنينة في زمن تثقلُ فيه أعباء العيش، وتشتدُ وطأة الضغوط الاقتصادية. 

لقد قرأنا وسمعنا كثيرًا من التصريحات التي تؤكد ضرورة إنعاش صناديق التقاعد وصونها من مخاطر العجز أو الإفلاس، ولا شك أنّ استدامة هذه الصناديق مقصدٌ لا يختلف عليه اثنان.. غير أن ما هو أشد إلحاحًا -قبل كل شيء- إنعاش الثقة بين المجتمع والمنظومة؛ لأنّ فلسفة منظومة الحماية الاجتماعية كما نقرأ دائما: «تتجاوزُ معناها الإجرائي المجرد لتغدو أقرب إلى عهدٍ اجتماعي غير مكتوب بين الدولة والمواطن». 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»