أول ما استوقفني فيه، قبل لقياه الثَّمينة الأولى بسنين عديدة، كان اسمه العائلي غير الموجود لدينا -على حد علمي- هنا في عُمان إنْ قبيلةً، أو لقباً، أو فخيذة، أو نعتاً، وذلك على الرغم من امتداداتٍ ومصاهراتٍ قديمة، وتواشجاتٍ وانصهارات معاصرة، مما هو معروف في ذاكرة كل الأجداد القدامى وبعض تدوينات القراطيس الجديدة، والذي يحيل -أي الاسم العائلي لعبدالله- إلى الذهاب، والرحلة، والبحث، والمسعى، والغياب، وذلك في ما يمس شغافي وحساسيتي من المفردات والمعاني: «السَّفر» (والتي تُلفَظ بدارجة أهلنا في السُّعودية وبعض مناطق عُمان: «السُّفر)». 

والحقيقة هي أني لم أبذل أي جهد في تقصِّي الأمر من الناحية التاريخيَّة أو الموضوعيَّة التي قد أجد وقد لا أجد فيها إيضاحاً، غير أني قلت لنفسي إن ذلك اسم غير مألوف، وجميل، وفريد. لكن، ما دام الأمر كذلك، فلمَ لا أنوِّع عليه أو أعيد ترتيبه قليلاً؟ لماذا لا يتحول «السُّفر/ «السَّفر» إلى «السِّفر» (الكتاب)؟ وقد راقت لي الفكرة كثيراً. 

«سَفرٌ» كان عبدالله أو «سِفراً» فهو نافرٌ في المعرفة والمجهولات، سرابٌ في تعريفات الأمور، سديمٌ في قواميس المستغلقات من الأشياء، وشيجٌ في البرازخ النَّائيات، قاطنٌ في التَّقاطعات والرَّاسخات، عَلَمٌ وفنار في المسافات والمدلهمَّات. لكن، على الرغم من هذا، أو نتيجة له، فإني حين ألتقي عبدالله السّفر (وهذا لسوء حظي المريع لم يحدث لغاية الآن سوى مرتين أو ثلاث على الأكثر، وذلك على عجل اضطراري هو كل ما يجود به لهاث فعاليَّات دورات من مهرجان أفلام السعوديَّة)، أو أستحضره وأشتاق إليه في كتبه أو غير ذلك من التماعات تتعانق فيما جرى قبل وبعد لقاء الوجه بالوجه (وهذا لحسن حظي الجزيل يحدث أكثر بكثير من حالات اللقاء الشخصي الشَّحيحة)، فثمَّة خصال أربع تبوح به لديَّ بغزارة تؤآخي بين الطمأنينة والسَّكينة والحيويَّة، وهي -أي تلكم الصِّفات- مما لا يجد المرء إلا لماماً لدى أهل الصُّحف، والصَّحائف، والأقلام، والأفلام، اليوم. وما حيلة المرء أنه بطبعه ممغنَط دوماً إلى الاستثناءات وليس إلى القواعد؟ 

أما الخصلة الأولى فهدوءٌ وديعٌ يليق بملائكةِ ما كان غُبَّ الأسفار الثلاثة «المونوليثيَّة» الكبرى، وشهداء كل ما حدث في ملكوت نسل آدم وحوَّاء قبل نفخ صور إسرافيل؛ هدوء الهيولى والشُّواش؛ هدأة الهواء الأول؛ هدوء الدرس والطَّرس؛ هدوء العقبى والعبرة. وليس ذلك الهدوء الوديع مما هو قمين بنا نحن أبناء الطِّين الصَّاخب وزوابع الغبار الذاهب في أصداء الفجاج. 

والخصيصة الثانية في عبدالله السّفر، والمقترنة بالأولى بلا أدنى شك، فروحانيَّة تتلألأ نقيَّة غامرة لائقة بذلك الذي رأى ما لم نَرَ، وخاف منَّا وعلينا ومعنا (أستحضرُ لغة قاسم حدَّاد في هذا التعبير)، فسَحبَ الصَّمتَ معه حصيرةً في القول والبرهان مقارباً «جُبَّة» الحلاج بطريقته الحديثة. 

أما ميزته الثالثة فثقافة شعريَّة متينة وعميقة لا يفيض لسانه وعيونها -- أي تلك الثَّقافة -- بها إلا إذا ما اضطر. وفي هذه الحالة، فعليك أن تصيخ السمع وتصغي إلى الريش قبل أن يصير جناحاً، كمن يستمع لحديث الجِنِّ والأرواح المسحورة، إلى عباراته الوجيزة، الكثيفة، المبتسرة تقريباً، والتي يقولها بصوت خافت وواثق يجعل ضوضاء الأرض تتمغنط إلى أحد مساماته، فتأفل وتختفي من دون أن تضطر إلى المؤرخين ورواة السِّيَر. 

وفضيلة عبدالله السّفر الرابعة تنبثق تواضعاً فطريَّاً وعفويّاً -فما أكثر التَّواضع المُتَكَلَّف في حركاتنا وسكناتنا وأيامنا المصطَنعة هذه!- مصقولاً بدماثة وكياسة بعض الشخصيَّات التي تحبُّها في الأشعار، وحكايات الجدَّات في ليالي فصل الصيف المضاءة بالنجوم والخرافات وفانوس كاز، والرِّوايات، والسينما (سأفتح قوساً هنا لأقول أن هذا الـ«عبدالله السَّفر/ عبدالله السِّفر»، في الأحاديث والتَّواصلات الإلكترونية المتبادلة بيننا على قلَّتها، إنما ينعت نفسه بصفة «فقيرك». وأخال أن في ذلك بعض ما يحيرني في هذا الكوكب، ويشدني إليه). 

هكذا إذاً، لا يحضر عبدالله، بوجهه، أو وهجه، أو وجهته، أو ما يرى، أو مراياه، إلا وأصابتك العدوى بإنسانيَّة نبيلةٍ، ورذاذ بارد وأنت في عقر دار النار، والحديد، والأسمنت، والإسفلت، والرَّمل، والألم، والأمل. 

وسأقول إنه، ضمن ما سبق، لن تجهد بطبيعة ما يفكر به، ويكتبه عبدالله السّفر سواء في صدوره إلى الأقليَّة الأكثر كما في حال تجربته الطَّويلة في الصَّحافة الثقافيَّة في بلاده، أو في بوحه إلى الأقليَّة الأقل («الأقليَّة الهائلة» في تعبير خوان رامون خيمينِث) كما هو شأن التَّجربة النصيَّة الإبداعيَّة النَّوعية في كل أقطار الشِّعر صلبةً ومُشَذَّرة. 

هذا مع ضرورة الإشارة إلى أنه، في حالة مسعاه الجزيل والوفي في الصَّحافة الثَّقافية فقد عرَّفنا عبدالله السّفر برفاقه قارئاً معاناتهم في اللغة والحياة؛ أي زملائه من الشُّعراء والكُتَّاب السُّعوديين وغيرهم (في البال، على سبيل المثال، كتابه «يرمي قبَّعته على العالم ويغمض عينيه: قراءات حرَّة»)، وذلك عوضاً عن أن يعلن عن نفسه زاعقا أنه الشجرة الوحيدة التي في الغابة كما فعل غيره في مكان آخر. 

وبينما أدى الأمران -أي الكتابة للصَّحافة في النهار، والإسرار للذَّات في الليل- إلى اندحارات كبيرة، وانتحارات مؤسفة لفرط ما هي غير مقنِعة، وذلك كما هو الأمر في سوادٍ عظيمٍ من الحالات، فإنني أرى إلىَ سَمِيِّي وقد مَرَقَ، في مكابدة الذَّات والموضوع، كسهم نافذ الفطنة في المعاناة بين التَّلميح والتَّصريح، وفاءً لنفسه، وإخلاصاً لآخرين ليسوا بعيدين أبداً عن نَفَسِه. 

كم أحب هذا السّفر، أنا «فقيرهُ» (*). 

---------------------------------------- 

(*): نشرت هذه الشَّهادة في الملحق الثَّقافي «شرفات»، العدد رقم 28، المنبثق من مجلة «اليمامة» السُّعودية في عددها الصَّادر في بداية هذا الشهر، وذلك مشاركةً في الاحتفاء بالتجربة الإبداعيَّة، والثقافيَّة، والإنسانيَّة لعبدالله السّفر. 

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني