يُعد المسرح الوطني أحد أبرز الرهانات على مستقبل الحركة المسرحية في سلطنة عُمان، لما يحمله من آفاق جديدة لتطوير البنية الثقافية وصناعة الإبداع، ومع تقدّم أعمال تنفيذه واقتراب المشروع من اكتمال مراحله الإنشائية، تتجه أنظار المسرحيين والمثقفين والمهتمين إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا الصرح في إعادة تشكيل المشهد المسرحي. وفي هذا الاستطلاع، نستعرض آراء عدد من الأكاديميين والمسرحيين حول رؤيتهم للمسرح الوطني، وإمكاناته في إحداث نقلة تعزز مكانة المسرح وتدعم الحراك الثقافي في سلطنة عُمان.
**media[3464111]**
بيئة إبداعية
من زاوية المسرح الوطني بين البنية الأساسية وصناعة تحول ثقافي في سلطنة عُمان، أشار الكاتب الدكتور سعيد بن محمد السيابي، الأستاذ المساعد بقسم المسرح بجامعة السلطان قابوس، إلى أن المسرح الوطني العُماني يكتسب أهمية خاصة لكونه جزءًا رئيسًا من مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي، وهدية ثمينة من مولانا جلالة السلطان هيثم، حفظه الله، الذي تفضل ووضع حجر الأساس للمجمع، وأن المجمع سيضم هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، والمكتبة الوطنية، وسيتوسطهما المسرح الوطني؛ ليحمل دلالة ثقافية تعكس رؤية جلالته -حفظه الله- التي ترى في الثقافة منظومة متكاملة، تتكامل فيها الذاكرة الوطنية والمعرفة والفنون، ممثلةً بالمسرح الذي يحظى بمكانة كبيرة، ويشهد، بلغة الأرقام، أزهى فتراته... كما أن دور المسرح الوطني لا ينبغي أن يقتصر على استضافة العروض المسرحية، وإنما يمتد إلى إنتاج المعرفة، ودعم البحث المسرحي، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتوفير بيئة مستمرة للتدريب والإبداع، كما يمكن أن يكون منصة لتحويل التاريخ العُماني، والوثائق، والموروث الثقافي إلى أعمال مسرحية معاصرة تسهم في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية، وتفتح المجال أمام قراءة جديدة للتراث في ضوء أسئلة الحاضر.
ويضيف "السيابي": إن نجاح المسرح الوطني يُقاس بقدرته على بناء حركة مسرحية مستدامة، وإيجاد صلة حقيقية بين الفنان والباحث والجمهور والمؤسسات الثقافية والفنية داخل سلطنة عُمان وخارجها؛ ليسهم في تطوير التجربة المسرحية العُمانية، ورفع مستوى حضورها على الصعيد المحلي والعربي والإقليمي.
ويؤكد الدكتور سعيد بن محمد السيابي، الأستاذ المساعد بقسم المسرح بجامعة السلطان قابوس، أن المسرح الوطني سيكون مؤسسة ثقافية فاعلة لتلبية متطلبات الطفل العُماني والشباب، ذكورًا وإناثًا، والمجتمع ككل، وحاضنٌ للمواهب، وسيسهم في احتضان الأفكار المبتكرة والطموحات المنشودة، وتجسيد رسالة عُمان العالمية كدولة للوئام والتعايش والانفتاح على مختلف الثقافات، ويؤكد السيابي أن المسرح الوطني سيؤدي دورًا مؤثرًا في التنمية الثقافية، وسيشارك في تكوين مجتمع أكثر ارتباطًا بالمعرفة والفنون.
الحلم المنتظر
وحول الدور المترقب للمسرح الوطني العُماني وإعادة تشكيل المنظومة المسرحية في سلطنة عُمان، يقول الكاتب والمخرج عماد بن محسن الشنفري، رئيس الجمعية العُمانية للمسرح، إن المسرح الوطني يمثل الحلم الذي طال انتظاره للمسرحيين في سلطنة عُمان، فهو ليس مجرد مبنى لاحتضان العروض، بل مؤسسة وطنية متكاملة ستعيد تشكيل المنظومة المسرحية، وستسهم في بناء صناعة إبداعية مستدامة.
وأوضح "الشنفري" أن اللجنة المشرفة عملت على إعداد الأسس واللوائح والأنظمة والهيكلين الإداري والفني، ليضم المسرح دوائر متخصصة تغطي مختلف جوانب العمل المسرحي، من إنتاج وتسويق إلى التدريب والتوثيق والبحث والتطوير. كما أن من أهم المرتكزات التي ستسهم في تطوير القطاع المسرحي إنشاء أكاديمية للتدريب المسرحي تُعنى باكتشاف المواهب وصقلها، وتقديم برامج تدريبية احترافية تمنح شهادات معتمدة، وذلك لإعداد كوادر وطنية مؤهلة في مختلف التخصصات المسرحية. بالإضافة إلى أن تأسيس الفرقة الوطنية الأولى للمسرح يُعد خطوة نوعية، لأنها ستكون فرقة أكثر حرفية، يعمل فيها الفنان متفرغًا لمهنته، وتنتج أعمالًا مسرحية سنوية تستقطب أفضل الطاقات الشابة، مما يرفع جودة الإنتاج المسرحي، ويخلق فرصًا حقيقية للمبدعين الشباب. كما أن المرحلة المقبلة تتطلب الإسراع في استكمال الهيكلة المؤسسية، واعتماد الخطط التشغيلية والبرامج الفنية منذ اليوم الأول للافتتاح، مع توفير التمويل المستدام، واستقطاب الكفاءات، وبناء شراكات مع المؤسسات التعليمية والثقافية والقطاع الخاص.
وأكد عماد بن محسن الشنفري، رئيس الجمعية العُمانية للمسرح، أن نجاح المسرح الوطني لن يُقاس بجمال المبنى، وإنما بقدرته على صناعة الإنسان المبدع، وإنتاج أعمال مسرحية تنافس إقليميًا ودوليًا، وجعل المسرح العُماني رافدًا من روافد الاقتصاد الإبداعي.
تطلعات مستقبلية
وفيما يخص مستقبل النص المسرحي والانفتاح على التجارب العالمية، أوضح الكاتب والمخرج المسرحي الدكتور محمد إسماعيل بصل، أستاذ اللسانيات في جامعة نزوى، أن قرب افتتاح مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي خبر يسر كل من يؤمن بأهمية الثروة المعرفية التي ترافق المجتمعات في تطورها وارتقائها وسعيها نحو التقدم والازدهار، ومساهمتها في إنتاج الحضارة والثقافة، وتمكين أفرادها من تصدر المشهد الإبداعي والأدبي. كما أن أهمية هذا الصرح الحضاري تتأتى من خلق بيئة مخصبة للموهوبين والمبدعين والمثقفين والباحثين في سياق علمي وأكاديمي رصين، يعرف كيف يوجه النشء ويرعى طاقاتهم الإبداعية.
وقال الدكتور محمد إسماعيل: حتى نكون موضوعيين وعلميين، علينا أن نقول إن المسرحية تُكتب لا لتُقرأ، ولكن لتُقدم على خشبة المسرح ويُتفرج عليها، ولعل هذا ما جعل الكاتب المسرحي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالظروف الإنتاجية للدورات المسرحية، ولما كان المسرح ضحية من ضحايا التطور الرقمي الذي يذهل العقل ويبلبل الكيان، فإنه من الطبيعي أن يشهد تراجعًا ملحوظًا أمام الكاميرا والصورة والذكاء الاصطناعي. فالمسرح هو الفن الحي الذي لا يُنجز إلا يدويًا، ويجب أن يكون فيه التواصل والتفاعل مع جمهور حقيقي ومباشر، ففي المسرح تجد الممثل والمتفرج يتنفسان الهواء نفسه، ويعيشان الزمان والمكان نفسيهما، وهذا لا يكون إلا في المسرح، فن الفرجة.
وأشار الكاتب والمخرج المسرحي الدكتور محمد إسماعيل بصل، أستاذ اللسانيات في جامعة نزوى، إلى أن المسرح الوطني تقع عليه مسؤولية تشييد مختبر مسرحي دائم يرعاه ويشرف عليه، ويُدرب فيه نخبة من الكتاب والنقاد والأكاديميين المتخصصين، ليس في الأدب المسرحي وحسب، بل في الدورات المسرحية ذاتها، ولا بد من إجراء مسابقات لانتقاء نصوص فائزة بحوافز مالية مجزية، وعمل حلقات تدريبية، وعرض النصوص الفائزة ضمن مهرجان مسرحي يُروج له كما ينبغي. كما يجب على القائمين على المسرح الوطني ألا يقصروا المسابقات على كتابة نصوص مؤطرة أو منمطة، بل لا بد من الانفتاح على هموم الإنسان المعاصر، وتطلعاته وآماله وآلامه، ولا مانع من استضافة كاتب أجنبي ذي سمعة عالمية للانخراط في الحلقات التدريبية المسرحية التي ينظمها المسرح الوطني سنويًا، ولا بد من الارتقاء بالمسرح الوطني ليتحول إلى مؤسسة منتجة للمعرفة من خلال إصدار سلاسل للنصوص المسرحية والدراسات، وعقد ندوات ومؤتمرات تتمحور حول واقع المسرح المحلي وسبل تطوره والاستثمار فيه، فما يزال المسرح يستقطب يوميًا أعدادًا هائلة من النظارة في الدول الغربية، وسيبقى المسرح أبو الفنون كلها، وإن خف بريقه فإنه لا يمحى.
مستقبل طلابي
أما عن دور المسرح الوطني العُماني في دعم المواهب الشابة وتوفير بيئة حاضنة، بيّن الكاتب المسرحي أسامة بن حمود العاصمي (طالب بجامعة السلطان قابوس) أن المسرح الوطني يمكن أن يُترجم الدور المرتقب في احتضان الطاقات الشابة من خلال إقامة دورات تدريبية مستمرة في التمثيل والكتابة والإخراج، وتنظيم مسابقات ومهرجانات جامعية، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة في العروض المسرحية الوطنية مستقبلًا، إلى جانب تعزيز الجوائز والمكافآت التي تشجعهم على الاستمرار والإبداع، كما يمكن دعم جماعات المسرح الطلابية عبر توفير مدربين متخصصين، ومساحات عرض مناسبة، وفرص للاحتكاك بالمسرحيين المحترفين، حتى لا تبقى التجربة الطلابية معزولة عن المشهد المسرحي الأوسع عند اكتمال هذا الصرح.
ويضيف "العاصمي": من المهم أيضًا أن تمتد هذه المبادرات إلى التمثيل الخارجي والدولي، من خلال مشاركة الجماعات المسرحية الطلابية في المهرجانات المسرحية الخليجية والعربية والدولية. فهذه المشاركات لا تمنح الطالب فرصة لتمثيل جامعته فقط، بل تمنحه شرف تمثيل سلطنة عُمان وثقافتها وفنها أمام الآخرين، وتفتح له بابًا للاحتكاك بتجارب مسرحية مختلفة، واكتساب خبرة أوسع، والعودة بأفكار وأساليب جديدة يمكن أن تُثري المسرح المحلي بعد افتتاحه.
وتمنى الكاتب المسرحي أسامة بن حمود العاصمي أن يرى هذه المبادرات تتطور وتكبر، مع المزيد من الدعم والاحتضان، الذي يمكن أن يسهم في إبراز جيل جديد وعدد أكبر من المسرحيين العُمانيين المتميزين، ليكونوا جزءًا من مستقبل المسرح الوطني وصناعة هويته القادمة، محليًا ودوليًا.