خلال الأيام الماضية، أصابت مقذوفات ناقلتي نفط أثناء مرورهما في المسار الجنوبي لمضيق هرمز، وقبل ذلك تعرضت ناقلة غاز قطرية وناقلة نفط سعودية لأضرار في المنطقة نفسها. وفي أحدث البيانات المتاحة، هبط عدد السفن التي تعبر المضيق إلى ثلاث سفن يوميا، فيما اقترب سعر النفط مجددا من مائة دولار للبرميل. هذه الوقائع تعني أن الملاحة في هرمز ما زالت تتحرك تحت الخطر رغم كل ما أُعلن عن ممرات آمنة وترتيبات عبور تقدمها القطع البحرية الأمريكية.
وفي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تحاول تخفيف أثر اضطراب هرمز انتقل التصعيد إلى البحر الأحمر، وأعلنت جماعة أنصار الله «الحوثيون» فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية وتعرضت سفن سعودية لهجمات، ثم اعترضت الدفاعات الجوية صواريخ استهدفت منشآت نفطية في ينبع، ورد التحالف بقيادة السعودية بقصف مواقع في الحديدة قال إنها مرتبطة بالهجمات على الملاحة. وهكذا عادت جبهة اليمن إلى التصعيد بعد هدنة صمدت نحو أربع سنوات.
تكشف هذه التطورات حجم التحول الذي طرأ على الحرب، فقد كان خط أنابيب شرق - غرب وموانئ البحر الأحمر يمثلان جزءا أساسيا من الخطة السعودية لتجاوز مخاطر هرمز، أما الآن، فقد أصبح الطريق البديل نفسه معرضا للتهديد، وإذا استمر التصعيد عند باب المندب، فسوف تواجه صادرات النفط القادمة من ينبع رحلات أطول وكلفة تأمين أعلى، وقد تضطر بعض السفن إلى الدوران حول أفريقيا.
وتبدو أزمة الغاز أكثر تعقيدا، فصادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تمر عبر هرمز ولا يتوفر لها طريق بديل جاهز، وقد ارتفعت أسعار الغاز في آسيا للأسبوع الخامس على التوالي، وبدأت الأسواق الأوروبية تنظر بقلق إلى قدرتها على تأمين الإمدادات قبل الشتاء. وفي هذه السوق، يكفي توقف عدد محدود من الناقلات حتى تظهر آثار الأزمة في الأسعار والعقود ومخزونات الدول المستوردة.
سياسيا، تؤكد الأحداث أن إدارة الملاحة تحت الحماية العسكرية لم تستطع إعادة الثقة. أصيبت سفن أثناء استخدام مسارات جرى تقديمها على أنها آمنة، وتراجعت حركة العبور لأن شركات الشحن والتأمين تتعامل مع الوقائع اليومية أكثر مما تتعامل مع التصريحات. كما أن استمرار الضربات الأمريكية على إيران والردود الإيرانية يجعل ترتيبات حماية الملاحة نفسها جزءًا من المواجهة.
بالنسبة إلى دول الخليج، تضيق مساحة الانتظار، فالحرب تتحرك داخل مجالها الجغرافي وتصل آثارها إلى موانئها ومنشآتها وأسعار صادراتها. وتزداد حساسية موقع سلطنة عُمان وأهمية دورها لأن بعض هذه الحوادث يقع على مقربة مباشرة من سواحلها.
تحتاج المنطقة الآن إلى تحرك خليجي يفتح مسارا إقليميا لوقف اتساع الحرب، ويجمع بين خفض التصعيد وضمان حرية الملاحة. وإيران جزء أساسي من المنطقة وطرف مباشر في الحرب الراهنة ولذلك ينبغي أن تكون جزءا من أي تسوية، وأن تقبل في المقابل بإبقاء طرق التجارة والطاقة خارج أدوات الضغط العسكري. ويحتاج الخليج إلى تصور أمني يحمي دوله جميعا ويمنع تحويل ممراته البحرية إلى ساحات تتنازعها القوى المتحاربة، فكل يوم تستمر فيه الحرب من دون مسار سياسي يقرّب الخليج خطوة أخرى من أزمة يصعب حصرها في مضيق واحد.