يعد الاتجار بالبشر من بين أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات، خاصة في ظل تقدم التقنيات الحديثة من ناحية، وزيادة الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الحروب والأزمات المختلفة من ناحية أخرى؛ فتطبيقات الهواتف الذكية، والألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، أدت إلى سهولة التواصل وانفتاحه وبالتالي الوقوع في إشكالات متعددة مثل انتهاك الخصوصية والتعرُّض إلى الإساءة والعنف وقد يؤدي إلى الاحتيال والإكراه والابتزاز وغير ذلك من المخاطر، خاصة لأولئك الذين يقعون تحت طائلة الضغوطات.
إن المجتمعات المنفتحة وتلك التي يواجه أفرادها تحديات الاستقرار الاجتماعي وتدني مستويات المعيشة أكثر عُرضة لمخاطر الاستغلال عبر التقنيات بتطبيقاتها المختلفة؛ ذلك لأنها تبحث عن ملاذات بعيدة عن محيطها، وبالتالي فإن الأفراد يندفعون إلى التعرُّف على الآخر الخارجي الذي يزعم أنه يوفِّر لهم الأمان والفرص التي يمكن أن تدعمهم اقتصاديا وتؤمِّن لهم الرفاه الاجتماعي؛ حيث أصبحت هذه التطبيقات أسهل سبل الاحتيال التي يلجأ إليها المحتالون سواء من خلال إعلانات العمل الوهمي، أو الابتزاز أو استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى الكاذب، أو صفحات وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة وغيرها من الوسائل الشائعة على مستوى العالم.
ولقد عملت الدول على الوقاية وحماية المجتمعات من أشكال الاتجار بالبشر واستغلالهم خاصة الشباب والأطفال؛ فسنَّت في ذلك القوانين والسياسات الرادعة، ووسائل الأمن السيبراني، وأنظمة الكشف والتقصي وفضح المحتالين والإعلانات والبرامج والتطبيقات التي يستخدمونها للوصول إلى المستهدفين، إضافة إلى برامج التوعية والوقاية من الوقوع في شِراك هذه الشبكات المحتالة، وكذلك توفير وسائل الدعم والحماية للضحايا بما يعيد لهم حقوقهم ويصون كرامتهم الإنسانية.
ولهذا فإن الأمم المتحدة خصصت هذا العام احتفاءها باليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، الذي يصادف 30 يوليو من كل عام، ليكون تحت شعار «عالقون في فخ الاحتيال»، لتسليط الضوء على نمط من أنماط الاستغلال المتمثل في (جماعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية)، والذي يعتمد على تنفيذ عمليات الاحتيال المالي؛ حيث يتم استغلال الأشخاص لإكراههم على ارتكاب الجرائم، ويُجبرون على العمل في عمليات احتيال تُدار عبر شبكة الإنترنت، وهي جرائم - حسب موقع الأمم المتحدة - مرتبطة بجرائم الأمن السيبراني والاحتيال المالي وغسل الأموال والفساد.
إن تسليط الضوء على هذا النوع من الاتجار بالبشر، يشير إلى تزايد مثل تلك الجرائم وتفاقمها في ظل تنامي الوسائل السيبرانية وانتشارها، حيث يُستغل الأشخاص عن طريق إعلانات الوظائف الزائفة وجذبهم من خلال مواقع إلكترونية لمواقع عمل وهمية، ليجدوا أنفسهم مجبرين على العمل في تنفيذ عمليات احتيال إلكترونية كالاحتيال العاطفي، والاحتيال بالعملات المشفَّرة وغيرها، مما يضطرهم إلى البقاء تحت رقابة جماعات الاحتيال، الأمر الذي يعرِّضهم للكثير من وسائل العنف والتهديد. يشير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن 74% من المتاجرين يعملون ضمن جماعات إجرامية منظمة، وأنه في العام 2022 وحده تعرَّض ضحايا من (128) دولة للاتجار، كان الذكور منهم يشكِّلون نسبة 70% من الأشخاص الخاضعين للتحقيق أو الملاحقة القضائية أو الإدانة، وأن الضحايا من أصل أفريقي أكثر الفئات تعرُّضا للاتجار عبر الحدود إذ شكَّلوا 31% من تدفقات الاتجار العابرة للحدود، وهي أرقام ومعدلات تمثل خطورة على المجتمعات، تحتاج إلى دعم مبادرات الحماية والمكافحة لكل أشكال الاتجار بالبشر.
ولهذا فإن التركيز على جانب التوعية والوقاية، وتغليظ العقوبات الرادعة لمثل هذه الجرائم التي لا تحترم حقوق الإنسان وكرامته من بين أبرز ما تقوم به الدول في حماية أفراد المجتمع، ولقد اتخذت عُمان مجموعة من الإجراءات للتصدي لمنع الاتجار بالبشر والحد منها والتخفيف من آثارها السلبية على المجتمع؛ وذلك بدءا من النظام الأساسي للدولة، والقوانين والسياسات التشريعية خاصة قانون مكافحة الاتجار بالبشر الصادر بالمرسوم السلطاني (78/2025)، الذي يجرِّم كل أشكال العنف والاستغلال والعمل القسري، وتوفير الحماية القانونية والطبية للضحايا، وكذلك التوقيع على الاتفاقيات الدولية مع المنظمات مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات، والاتفاقية الدولية للجريمة عبر الوطنية وغيرها.
إضافة إلى ذلك فإن اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، تؤدي دورا مهما ومركزيا لمكافحة كل أشكال الاتجار بالبشر، من خلال ما تقدمه من خطط عمل وبرامج وحملات إعلامية وتوعوية، وحماية الضحايا وتوفير سبل الحياة الكريمة لهم وإعادة تأهيلهم ومساعدتهم، كما تعمل على تعزيز الرقابة والضوابط الحدودية والتنسيق بين الجهات والمؤسسات المختصة في عُمان وخارجها بُغية الحد من هذه الجرائم والتقليل منها؛ حيث أطلقت اللجنة الحملة الوطنية (أمان)، بهدف رفع الوعي بمؤشرات الجريمة وتعزيز ثقافة الإبلاغ عنها، الأمر الذي يُسهم في إشراك أفراد المجتمع في الحماية والمكافحة.
إن الجهود التي تقوم بها الدولة في مكافحة هذه الجرائم، تحتاج إلى الدعم المتواصل من المجتمع؛ ذلك لأن مكافحة الاتجار بالبشر يعتمد على مقدار الوعي الذي يعيه الأفراد، وقدرتهم على استيعاب أساليب الاحتيال وطرق الحد منها، وكذلك وعيهم بأهمية حماية البيانات الشخصية (وثائق الهُوية، والتفاصيل البنكية، والصور الشخصية وغيرها)، والحذر من إعلانات الوظائف الوهمية التي أصبحت شائعة وتستغل حاجة الشباب إلى فرص العمل، الأمر الذي يستوجب التأكد والتواصل مع الجهات الرسمية المختصة قبل الشروع في التفاعل مع هذه الإعلانات.
كما تمثِّل حماية الأطفال رقميًا، أهمية كبرى في الحد من هذه الجريمة؛ إذ يُستغل الأطفال عن طريق التطبيقات الذكية وخاصة الألعاب الإلكترونية، واستدراجهم واستغلالهم عبر منصات التواصل الاجتماعية، مما يتطلَّب مراقبة الأطفال وحمايتهم أثناء الولوج إلى هذه المنصات وتوعيتهم بطرق الوقاية والحرص على مشاركتهم والتحدث معهم من ناحية، وتحقيق التوازن بين وقت اللعب الإلكتروني والحياة الواقعية والأصدقاء من ناحية أخرى.
لقد وفَّرت الدولة سبل متعددة للوقاية والحماية من أشكال العنف والاستغلال، ولهذا فإن علينا أن نعي أن أبرز تلك الأشكال ترد إلينا عن طريق الأجهزة الذكية والتطبيقات الإلكترونية خاصة تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولهذا فإن التوازن في استخدامها، والوعي بأساليب الاحتيال وعدم الوثوق المطلق بالآخر الذي لا نعرفه، إضافة إلى إيجاد بيئة أسرية آمنة، وعلاقات اجتماعية مع الأصدقاء وزملاء العمل، وأخذ المعلومات الموثوقة من المؤسسات الرسمية المعنية، يقي من الوقوع في شباك المحتالين والمستغلين. فالعلاقات الاجتماعية المتينة في العائلة والأصدقاء وفي أماكن العمل، تقي من الاتجار بالبشر وغيرها من أشكال سوء المعاملة والعنف، ولهذا فإن التواصل الإيجابي المباشر مع أفراد المجتمع يفتح مجالات واسعة للدعم المجتمعي والحماية، إضافة إلى أهمية ذلك في تعزيز موارد السلامة والاستقرار والرفاهية الاجتماعية، لذلك فإن تشجيع الحوار والنقاش بين الشباب وبناء الحدود الآمنة والتوازن بين استخدام التقنيات الحديثة خاصة البرامج الذكية وبين العائلة والأصدقاء يمثل جوهر الاستقرار الصحي الجسدي والنفسي.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.