ألا تبدو حروب العالم المعاصرة بلا نهاية ولا أفق؟ تحت كثير من الأهداف المعلنة والتصريحات النارية، بينما أقرب تسمية ممكنة للغاية الحقيقية من ورائها ليس سوى السيطرة والنفوذ، ولكنها السيطرة المستحيلة، فحتى القوى الكبرى التي كانت تفرض هيمنتها على القوى الصغيرة المجاورة أصبحت منذ بداية القرن تدخل في حروب بلا نهاية ولا حسم، وكل ما تجره الحروب هو استنزاف وقتل وتدمير وتشريد وفوضى بلا غاية، بلا انتصار ولا سلام، عدا إغراق الأيام والزمن في حرب تسمم كل شيء.
يمكن ضرب الأمثلة الحية من الحرب الروسية الأوكرانية المشتعلة اليوم منذ فبراير ٢٠٢٢م، إلى الحروب الإسرائيلية الأخيرة على غزة وعلى لبنان منذ أكتوبر ٢٠٢٣م، إلى حرب مضيق هرمز المستمرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وهي للتذكير لم تبدأ في فبراير الماضي بل يعود اندلاعها إلى أبريل العام الماضي، بشكل متصل مع حرب غزة وانعكاساتها على المنطقة؛ في فصول مستمرة متوالية ومتفجرة بلا انقطاع، عجزت اتفاقيات السلام عن إيقافها، وكأن حروب هذا العالم خارجة عن سيطرته، وهي بالتأكيد بلا منتصرين، وكأنما يراد للناس أن يدخلوا عصر الحروب المألوفة، كأن الحرب من طبائع الأمور، لكن هل فعلًا يمكن للحياة الإنسانية في أي بلد أن تتنامى والحرب قائمة؟
لا يتوقف تيار الحياة بالطبع، والناس يبتكرون وسائل مختلفة لمواصلة الحياة، فقد رأينا صور الغزاويين وهم يتابعون نهائي كأس العالم الأخيرة، وبالعكس كلما اشتد الدمار والحروب ينزع الإنسان بالفطرة إلى التشبث بتيار الحياة ومياهها أكثر فأكثر، وكأنه في دخيلته يريد بذلك إطفاء نيران الدمار والموت؛ لكن من بمقدوره إعادة الساسة ودعاة الحروب وكهنة الكوارث إلى صوابهم؟
تعمل الأنظمة والدول كلها على إخضاع الناس للقانون، إدراكًا لمركزية القانون في تشييد أي نظام، ويلجأ المختلفون للقضاء لحل أية نزاعات، لكن تلك الأنظمة نفسها تتعامل فيما بينها بأساليب الإجرام والعصابات والخارجين على القوانين، وهذه مفارقة بشرية غريبة تثير التأمل، فما الذي يجعل الإيمان بالقانون ينهار أمام نزعات القوة بين الدول؟ رغم إدراك ساستها وقادتها أن الحروب والمواجهات لا تحصد غير الموت والخراب في الأرض. ففي المحصلة التاريخية بأسرها عجزت القوى بأحجامها وأشكالها وعصورها المختلفة عن تحقيق نصر دائم وأبدي، مهما بالغت في استخدم قواها المختلفة.
هذه حرب اليمن التي جرها سقوط النظام اليمني قد أفضت إلى تقسيم اليمن بين قوى داخلية تدعمها أنظمة إقليمية مختلفة، وما زالت تقامر باستقرار اليمن تحت تهديد لحظة توتر يمكن أن تندلع بسببها الحروب أو يتلقى الناس بسببها ضربة من أي مكان في أي لحظة، فمن يتذكر دوفعها اليوم وشعاراتها قبل عشرة أعوام؟ والحال نفسه في السودان المنهك والمتعب أهله والواقع تحت تصنيف البلد المنكوب بسبب الحروب الأهلية، والحال نفسه في ليبيا الممزقة، وكذا في سوريا المقسمة تحت قوى وفصائل مختلفة رغم وجود الحكومة المركزية، وهذه هي الحرب براقة بالوعود ولا حصاد لها غير الخراب.
كل المعطيات اليوم تقول صراحة إن الحرب الدائرة اليوم في مياه الخليج وبين ضفافة مرشحة للاستمرار فترة أطول مما قد يبدو أو يتوهم مشعلوها ومديروها، وهذا الأسلوب المعاصر في حروب المسيّرات والمقذوفات والضربات الجوية عاجز عن بلوغ نقطة حسم نهائية عن طريق الحرب والضربات المستمرة، بل وحتى الاجتياح البري الذي يجري التلويح به في الأروقة الأمريكية إذا تذكرنا أفغانستان، والحالة كلها تنبئ بمزيد من السوء والخراب وانتشار رقعة الحرب، ولن تفضي إلا لخسائر بشرية ومادية أكبر، وستظل الحرب تتذبذب بين شدة الهجمات المتعاقبة؛ فإذا كانت الأطراف المتحاربة عاجزة عن بلوغ نقطة توازن حقيقية في اتفاقياتها المبرمة، وما سعيها من الضربات المتصلة إلا اكتساب نقاط أقوى للتفاوض القادم، فأين الحل؟
بظني أن جزءًا كبيرًا من حل هذا الوضع الحربي يقع على عاتق سكان المنطقة، خاصة دول الخليج العربية، ليس فقط لأنها الخاسر الأكبر من إغلاق المضيق، ولا لأن استمرار الحرب في هذه المنطقة الحيوية من العالم يهدد أسعار الطاقة، بل لأن استمرار الحرب يهدد أمنها واستقرارها وأنظمتها بشكل مباشر، ويفتح بابًا للاضطرابات وللجماعات المرتزقة بأشكالها للاستفادة من وضع مضطرب، ولا يمكن أن تستقر أي منظومة بشكل آمن بينما الحرب مندلعة على حدودها، فالحرب كعهدها باب كوابيس ورياح مفاجئة.
هذه المسؤولية ليست جديدة، ولا هي غائبة عن أنظمة المنطقة، لكن يبدو أن غياب الرؤية الموحدة هو ما يعوز دول الخليج، كما أن المغامرات السياسية السابقة لأنظمتها تلقي بظلالها اليوم على الحرب القائمة، لكن الخسارة اليوم محققة ولا شك أنها تتعاظم مع استمرار الحرب كل يوم، بينما من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل عاجزتان عن تحقيق ما ترميان لتحقيقه من هذه الحرب، وكذلك الحال بالنسبة لإيران، التي اتخذت من القواعد الأمريكية في الخليج والأردن ذريعة لتوجيه ضرباتها إليها، بمعنى إرغام دول المنطقة على دخول الحرب حتى وإن نأت هذه الدول بأنفسها عن هذه الحرب منذ البداية.
كل هذا الوضع المتشابك اليوم إنما هو نتيجة من نتائج استمرار الحرب، وينذر بالمزيد من التشابك والتأزم بل واتساع رقعة المواجهة المباشرة، وهذا لو حدث سيكون كارثيًا على الجميع، لأن مثل هذه الحروب المعاصرة لا يمكن حسمها عمليًا في الميادين، سواء ككلفة أو كاشتباكات، وكل ما يحدث هو إطالة خسائرها وأعمارها المرعبة.
حسب التصريحات فإن الكلفة الأمريكية لهذه الحرب بلغت ٣٧ مليار دولار والمتوقع أن تتجاوز الـ١٠٠ مليار دولار حسب وسائل الإعلام الغربية، وبالنسبة لإيران حسب التصريحات منذ شهر أنها تجاوزت ٢٧٠ مليار دولار، وبالنسبة للخليج فإن الخسائر وفق التقديرات تبلغ ٤٠٠ مليار دولار، وهو ما يرفع الكلفة الإجمالية للحرب إلى أرقام فلكية لو أنفقت على الإعمار والبناء في هذه البلدان لأحدثت نقلة نوعية في جودة حياة السكان واقتصادياتها ومستقبلها.
لا مكسب من استمرار هذه الحرب في المحصلة غير إرهاق وإغراق المنطقة كلها في تنور مشتعل، ولا مكسب عملي مباشر أو غير مباشر للمنطقة وأهلها، حتى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مهما افترضنا من حسن أو سوء النوايا، فهذه الحرب بمقدورها إعادة المنطقة قرونًا للوراء، ويمكن أن يستغرق اشتعالها هذا العقد بأكمله وربما الذي يليه كذلك إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
برأيي على أنظمة المنطقة العمل بسرعة ككتلة واحدة من أجل حلول دبلوماسية عاجلة لإيقاف هذه الحرب دون إبطاء، والضغط على كافة الأطراف للالتزام باتفاقياتها التي وقعتها، من أجل أمن واستقرار المنطقة والعالم، بدل الاضطراب والتوتر والمخاطر والخسائر التي يفرضها استمرار هذه الحرب فرضًا على كافة الأطراف، غير التهديد المستمر باتساع رقعة الحرب والمواجهات، إما كذا وإما المقامرة بكل شيء من أجل حرب خاسرة على كل الأطراف، خاصة دول الخليج العربي التي تثبت الأرقام أنها الخاسر الأكبر، فلا منتصر في حرب كهذه في هذا العصر غير الخراب والدمار الشامل.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني