ترجمة قاسم مكي 

يتصاعد التقلب الجيوسياسي وتتصاعد معه الحرب الاقتصادية. لقد ظل سلاح النفط تقليديا طريقة مفضلة لإيذاء اقتصاد الخصم. لكن مؤخرا يبدو إنه فقد بعض بريقه.

يصعب باطراد متابعة التناوب بين إغلاق مضيق هرمز وفتحه. غير أن احتمال انخفاض إمدادات النفط وارتفاع أسعاره لم يكن له سوى تأثير محدود على الاقتصاد العالمي. فمعدلات التضخم المعلَنة لم تتصاعد. وظلت توقعات النمو حميدة نسبيا. ويبدو أن مصدر التقلب في الأسواق المالية شيء آخر. قد يكون التضخم الجامح متوقعا. لكنه ما عاد يؤطَّر كظاهرة يقودها ارتفاع أسعار النفط.

لماذا رد الفعل الهادئ هذا؟ باختصار لأن سوق النفط الحديثة والمتكاملة أفضل كثيرا في امتصاص الصدمات مما هو متصوَّر في العادة. وأيضا لأن النفط صار عبئا أخف بقدر كبير على الاقتصاد العالمي مقارنة بما كان عليه الحال في الماضي.

جاءت الأزمة الأخيرة في وقت ملائم. فإنتاج النفط العالمي تخطّى الاستهلاك. والمخزونات بما في ذلك الاحتياطيات الاستراتيجية للصين وكميات النفط غير المسجلة والمودعة في الناقلات كانت ضخمة. كما ساعد التحول السريع في تدفقات التجارة العالمية بما في ذلك استخدام خطوط الأنابيب التي تتجنب هرمز في التخفيف من أثر الصدمة في بدايتها على الأسعار.

تستمر هذه الحلول البديلة. وتضاف إليها إمدادات أخرى في شكل زيادات إنتاج تدريجية في أماكن أخرى وسعة خطوط الأنابيب الجديدة وإعادة تشكيل طاقة التكرير والمعالجة عالميا.

مع ذلك يتطلب اضطراب بهذا الحجم الكبير في عرض النفط ردَّ فعل من جانب الطلب. فحسب وكالة الطاقة الدولية هبط الطلب بما يقارب 5 ملايين برميل في اليوم في الربع الثاني من هذا العام. وهو ما يساوي حوالي 5% من إجمالي الاستهلاك العالمي للنفط.

لم يتسبب في هذا الانخفاض توقف للنشاط الاقتصادي. لذلك يمثل تدني الطلب في الوقت الحالي تحسنا في الكفاءة التي يُستخدم بها النفط لإنتاج السلع والخدمات. وذلك في مقابل الركود الذي يقلل الطلب على النفط.

كثافة النفط والتي تقيس العلاقة بين استهلاك النفط والناتج المحلي الإجمالي بالبراميل مقابل الدولار هي المقياس الأوسع نطاقا الذي نملكه لقياس إنتاجية أو كفاءة استخدام النفط. (بمعنى كم جزءًا من البرميل يلزم استهلاكه لإنتاج ما قيمته دولار واحد - المترجم.) 

تاريخيا، تحسنت كثافة استخدام النفط بقدر هائل وباطراد منذ اضطراب سوق النفط في السبعينيات. هذا التحسن المستمر مهم لأنه يعني ضمنا أن الزيادات في الأسعار يجب أن تكون أعلى بكثير لكي يكون لها نفس الأثر الاقتصادي الضار الذي يمكن أن ينشأ عنها بدونه.

لذلك على سبيل المثال يلزم أن تكون أسعار النفط اليوم المعدلة بالتضخم ومكاسب الكفاءة أعلى بحوالي أربعة أضعاف لكي تعكس لنا الصدمة التي أعقبت الثورة الإيرانية في عام 1979. (لكي يكون لصدمة النفط الحالية نفس حجم أثر صدمته على الاقتصاد الكلي للعالم في تلك الفترة- المترجم.) وذلك احتمال بعيد جدا حقا وسبب رئيسي لعدم تفاعل الاقتصاد بقدر أكبر مع التغيرات في سعر النفط التي شهدناها بالفعل في أعقاب حربي أوكرانيا وإيران.

في النطاق الحالي للأسعار تعني المستويات الأقل لكثافة استخدام النفط مخاطر ركود أو زخما تضخميا أقل مما يقلل من حاجة البنك المركزي إلى التحرك لمواجهة الزيادات في الأسعار. تظهر لنا النظرة إلى التحسينات التي طرأت سلفا على كثافة النفط كيف يمكن أن تكون عملية التوازن هذه معقولة في الواقع. يشير الجمع بين البيانات الفعلية للنصف الأول من عام 2026 مع توقعات الناتج المحلي الإجمالي والطلب على النفط للنصف الثاني من العام نفسه (من البنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية) إلى وفورات كفاءة ممكنة. فالناتج المحلي الإجمالي المتوقع في هذا العام سيحتاج إلى نفط أقل بحوالي 3.6 مليون برميل في اليوم مما لو ظلت كثافة استخدام النفط دون تغيير من عام 2025. 

لكن ليست كل الأمور وردية. فانخفاض كثافة استخدام النفط يعود أيضا إلى إزالة البراميل التي يسهل الاستغناء عنها من النظام العالمي لاستهلاك الطاقة (النفط الذي يستخدم بطريقة تنطوي على هدر أو الذي يمكن إحلاله بسهولة). ومن المرجح أكثر أن تكون باقي البراميل ضرورية للاقتصاد. وإذا ارتفعت أسعار النفط إلى النطاق الذي يحد من الطلب يمكن أن يكون الضرر مدمرا. ولن يعود مقاسا بفقدان القوة الشرائية للمستهلكين ولكن بتكاليف تضرر الأنشطة الاقتصادية للمنتجين.

إذا وضعنا في حسابنا النفط الذي لا زال ينساب في ذروة العمليات العسكرية عبر خليج هرمز وأضفنا إليه النفط الذي يضخ عبر أنابيب النفط والزيادة في الإمدادات من خارج الخليج والسحوبات المستدامة من المخزونات النفطية والتعديلات الأخرى ستتراوح فجوة العرض والطلب (العجز) بين 5 ملايين إلى 7 ملايين برميل في اليوم خلال باقي هذا العام. وستقلص وفورات كفاءة استخدام الطاقة التي تحققت سلفا هذه الفجوة إلى ما بين 1.5 مليون برميل و3.5 مليون برميل في اليوم.

هذا هو الحجم التقريبي للنفط الذي ستلزم تغطيته إما بانخفاض الطلب أو زيادة الصادرات عبر المضيق أو بهما معا لسد النقص الحالي في السوق العالمية.

ليس من الصعب نقل هذه الزيادة فوق الحد الأدنى من شحنات النفط التي تعبر المضيق حاليا، كما يسمح هذا الوضع بمجال واسع للمراوحة الحالية بين الحرب والمفاوضات. في الواقع لدى طرفي الحرب (الولايات المتحدة وإيران) هامش كبير للمناورة قبل أن تفلت الأمور ويتضرر اقتصاد العالم من تداعياتها.

لسوء الحظ لا يدعو هذا للابتهاج. فالعواقب المحدودة للحرب حتى الآن يمكن أن تكون «وصفة» لمزيد من الاضطراب إذ شجعت على ركوب المزيد من المخاطر في المستقبل.

الخطورة هي أن الاقتصاد الأقل تأثرا بتقلب سعر النفط يخاطر بجعل الساسة أكثر تهورا.

قد تحتفي الأسواق بمرونة الاقتصاد الحالية. لكن هذا لا يعني تحلي هؤلاء الساسة بالحكمة التي تجنبهم الضغط على اقتصاد العالم بما يفوق الحدود الجديدة لقدرته على تحمل نقص الإمدادات الخليجية.

كريستوف رول باحث أول غير متفرغ في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولمبيا  

الترجمة عن الفاينانشال تايمز