وأنا أتجول -هذا الصيف- في شوارع أسكتلندا البريطانية، ومدنها الريفية، ومرتفعاتها الباردة -التي عرفتها زمنا طويلا قبل هذه الزيارة منذ دراستي العليا فيها- جال في خاطري أن أعيد فهم الإنسان الغربي -الأسكتلندي على وجه الخصوص والغربي بوجه عام- فصادفتني في يومي الأول وقفة سلمية توعوية لمجموعة من الأسكتلنديين معظمهم من كبار السن يوجهون الناس فيها إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية ويعرّفونهم بالقضية الفلسطينية والظلم الذي لحق الشعب الفلسطيني على يد الكيان الصهيوني الغاصب مستندين إلى الحقائق التاريخية والراهنة وشواهدها. وبما أنني اعتدت أن أرى مثل هذه المشاهد -التي تعكس دعم القضية الفلسطينية- في أسكتلندا منذ زمن طويل، فإنني سأعرّج في مقالي هذا على صور أخرى تعكس ماهية الإنسان الغربي ومجتمعاته وثقافته التي أضفت عليه ملامحه الشخصية والجمعية والحضارية، والتي يمكننا عبر إعادة قراءتها أن نكتشف ذلك الإنسان المختلف عنا عرقا وثقافة، ولكنه يتصل بنا عبر الإنسانية ومكوناتها الأخلاقية التي تحاول دوافع الثقافات والاقتصاد والسياسة أن تزعزعها، وهذا ما ينعكس في بعض صور الكراهية والعنف والحروب.

لذلك أرى لفرص الاقتراب من الآخر -من دون الحاجة إلى التزحزح عن المكونات الثقافية والدينية واللغوية والأعراف الاجتماعية، أو تقديم التنازلات- ضرورة تسمح للإنسان أن يكتشف عالما إنسانيا أوسع من نطاقه المجتمعي والثقافي الخاص؛ فيمنحه مهارة التعايش والقبول. وأرجو عبر هذا المقال أن أوجّه القارئ العربي إلى منحى آخر لقراءة الإنسان الغربي وفهمه عن طريق المشهد الإنساني والثقافي، وبعيدا عن المشهد السياسي الذي لا يمكن أن يمثّل جميع المجتمعات الغربية وأفرادها.

إن حاولنا أن نجد بعدا نقارن بواسطته بين العربي والغربي؛ فإنه سيكون بعد الثقافة، ولا أنكر أن هناك بونا شاسعا بين الثقافتين -العربية والغربية- والتي أثّرت في تشكيل الإنسان العربي والإنسان الغربي؛ فيتسم العربي بثقافته المحافظة -في غالبها- المرتبطة بقيمه الدينية والاجتماعية، وساهم ذلك في تشكيل نموذج إيجابي من زوايا كثيرة أهمها قوة الارتباط الأسري والمجتمعي وتفعيل المؤشر الأخلاقي المرتبط بمبدأي الثواب والعقاب، ولكننا -في المقابل- نلمح جانبا سلبيا نتج عن الهيمنة الواسعة للثقافة ذات الأبعاد المتناقضة في المجتمع العربي وتحديدا ثقافة الخرافات والموروثات التراثية الزائفة التي امتزجت في المكون الثقافي الإسلامي عبر مراحل زمنية متعددة منها تسرّب الروايات الإسرائيلية وعبثها، والقطيعة مع المنهجية العقلية، وحقب الاستعمار التي عاثت في الثقافة الإسلامية فسادا ممنهجا؛ فكلها -مع منهجية الارتباط الثقافي وهيمنته المفرطة- أفرغت سمومها في تشكيل مجتمع متواكل خائف من إعمال العقل والتفكير متعصب لرأيه ومذهبه كاره للآخر -بما فيهم بني جنسه ودينه ممن يختلفون عنه مذهبا أو عرقا-، ورغم البروز الكبير لهذا النمط السلبي؛ فإنه لا يمكن أن نعمم هذا الوصف على كل الأفراد والمجتمعات العربية خصوصا أننا نلحظ مؤشرات تقلص هذا النوع من الثقافة وتأثيراتها السلبية بفضل جهود كثير من العلماء والمصلحين ويقظتهم المستمرة، ومع اتساع دائرة المعرفة في الأوساط العربية وتصاعد الصحوة القرآنية وقدرتها على إعادة تشكيل الوعي العربي والإسلامي. بما أن موضوع مقالنا عن الغربي ومجتمعه، سأترك العربي وملامح شخصيته الجمعية لحديث مستقل يأتي في أوانه. وبما أن حديثنا عن تأثير الثقافة؛ فإن الغربي هو الآخر نتاج ثقافته، وثقافة الغربي -بغالبها- مرتبطة بمبادئ غير دينية، وأراها أقرب وصفا إلى أن تكون فلسفية تؤمن بالعلم والحرية نتاج قرون من مخرجات الفلسفة الغربية بمختلف اتجاهاتها التي شكّلت ما نسميه بالثقافة الغربية، والتي يستحسن بعضنا أن يصفها بالثقافة المتحررة، وفهمها كثير منا بأنها ثقافة تفتقد البعدين الأخلاقي والإنساني، وهنا نقع في مغالطة في فهمنا للثقافة الغربية.

لست بصدد أن أجعل من الثقافة الغربية مثالا رائعا يحتذى به، ولكنني في المقابل لست ذاهبا إلى تجريد هذه الثقافة من بعض مناقبها؛ فيحتاج الأمر إلى نظرة موضوعية متوازنة.

ولكي أكون منصفا؛ فإن الإنسان الغربي -في غالب مجموعه الكلي- يقدّس العلم دون سواه من العناصر الأخرى، ويطمئن إلى المنهج المعرفي التجريبي الذي يقرر بواسطته حقائق الأشياء، ويراه أساسا في حياته؛ فتنعكس هذه النزعة في جامعاته وأبحاثه ومصانعه المتقدمة وفي عمارته وفنونه المبهرة، وهنا نحتاج إلى أن نعود بالزمن إلى الوراء لنشهد مشهدا مماثلا في الثقافة الإسلامية -قبل عدة قرون- التي فاقت الثقافة الغربية اهتماما بالعلم خصوصا عبر قدرتها المذهلة بمزاوجة العلم والدين، وهذا ما فشلت فيه الثقافة الغربية التي لم تجد لها سبيلا إلى مثل هذه المزاوجة لأسباب يدركها كثير منا ولا يتسع مقالنا إلى تناولها، وهذا ما جعل الدين -في الثقافة الغربية- في أدنى القائمة ويعنى بالخاصة من رجالات دينهم.

من السهل أيضا أن يلفت انتباهنا -في المجتمعات الغربية- إنتاجها الأدبي والفلسفي الكبير ومخرجاتها من كتب ومطبوعات، والتي تعكس تأثيرا آخر أفرزته الثقافة الغربية المقدّسة للعلم والمعرفة؛ ففي كل مدينة أزورها، كنت أسعى لزيارة مكتباتها الخاصة -المعنية ببيع الكتب- والعامة - سواء كانت الحكومية أو الأهلية-، ويذهلني عدد الكتب وتنوع موضوعاتها ومعارفها؛ فدفعت بنفسي إلى الاقتراب من قراءة الأدب الغربي -الإنجليزي والأمريكي- طمعا في اكتشاف الثقافة الغربية عبر الأدب وقراءته المباشرة بجانب القراءات السابقة والمستمرة في العلوم والفلسفة الغربية والتأملات في العمران الغربي وملامح الشخصية الغربية بأفكارها وسلوكها.

من الإجحاف ألا أقرّ بوجود الحس الإنساني والأخلاقي لدى الإنسان الغربي؛ فكم من مواقف -التي يصعب تعدادها- شهدت فيها التعاطف والسكينة وروح المساعدة والصدق والأمانة منها تفهّم معظم من تفاعلت معهم لخصوصياتنا الثقافية وما تقتضيه من حاجات مثل مراعاة أوقات الصلاة، وتوفير الأماكن المناسبة لأدائها في الجامعات والمطارات وغيرها، وإلى جانب تفهّم متطلبات الطعام الحلال. وفي رأيي فإن مردّ ذلك عائد إلى جزئيات من الثقافة الغربية الموجبة لضرورة انفصال الفرد من القيود الخارجية المرتبطة بدوافع الرغبة والرهبة، ورغم ما يعتري الثقافة الغربية من خواء إيماني وديني؛ فإن فيها مظاهر أخلاقية مهمة مثل قيم الحرية -رغم نزعته شبه المطلقة والتي أسقطت المجتمع الغربي في فخ تقبّل الفردانية المفرطة- وقيم الأمانة -باستثناء الجانب السياسي وأصحابه الذي تداخل بعضه مع المنطلقات الصهيونية-؛ فمن الصعب أن أجد غربيا يكذب عليّ مدفوعا بالرهبة أو طمعا في منفعة، ومن النادر ألا أجد غربيا صريحا يوافق لسانه ما في قلبه؛ فلا يتظاهر أو ينافق أو يجامل في رأي ومسألة، وأذكر كم خضت نقاشات مع من أصفهم بأرباب العقول من الغربيين؛ فكانت تلك صفات جلية فيهم. ما يؤكد على ذلك أن لو صادف أن أحدهم أحب الإسلام واعتنقه؛ فإنه -في غالبه- يكون مخلصا في اتباعه وارتباطه بالإسلام خصوصا من فهم منهم القرآن فهما أخلاقيا وإيمانيا يرى فيه سمو الأخلاق قولا وتطبيقا وسمو الإيمان شعورا ويقينا.

لا أريد أن أروّج للغربي وثقافته بأنهما نموذج مثالي يمكن الاحتذاء به؛ فكما ذكرت فإن هذه الثقافة -بجانب ما تملكه من إيجابيات- تئن تحت وطأة إخفاقات كثيرة ناتجة عن غلبة المادية وفقدانها التوازن، ولكنها لم تخلُ من عناصر جيدة مثل التي أوضحناها آنفا، أسهمت في تكوين الإنسان الغربي، وكشفت عن كثير من أجزائه الإيجابية التي نحتاج أن نراها ونفهمها؛ للاقتراب من الإنسان الآخر المختلف عنا -دينا وعرقا وثقافة- والتعايش معه، وتقريب فهمنا لأنفسنا عبر فهمنا لغيرنا، ولندرك ما يعترينا وثقافتنا من ثغرات نحتاج إلى سدّها، ولا أرى علاجا أنجع من العودة الصادقة إلى المنطلقات الأولى لثقافتنا الإسلامية المتمسكة بقرآنها والمتدبرة لآياته، والقادرة على إعمال العقل في فهم المنقول، والمحبة للعلم دون أن تضعه في خصومة مع الدين، واحترام الإنسان المختلف والقدرة على التفاعل معه، ومناهضة الجهل والخرافة وتعطيل العقل والكراهية. على كل حال، أتصور أن قراءة المشهد الغربي -إنسانا وثقافة- بحاجة إلى توسّع أكبر مما تسمح به سطور هذا المقال، ولعلنا نجد في مستقبل الأيام سبيلا إلى مشروع كتابي يلخّص وجهة النظر بالشأن الغربي عبر منهج المشاهدات والتجارب على غرار كتاب «العرب: وجهة نظر يابانية» للكاتب الياباني «نوبوأكي نوتوهارا» الذي استلهمت شيئا من عنوان كتابه؛ لأصوغ عنوان مقالي.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني