(1)
تتجلى عظمة الإبداع المرئي والفن السابع في قدرتها على إثارة مشاعر وخيال الملايين في كل أنحاء الدنيا إذا استوفى العمل كل شروط الإبداع الفني والتقني، واستطاع أن يستحوذ على قلوب المشاهدين ويشغلهم، ويثير حماسهم قبولا واختلافا، مناقشةً وجدلًا، قراءةً ومراجعةً.
هذا ما انطبق حاليا على فيلم "أوديسي" للمخرج الكبير كريستوفر نولان؛ الذي تشغل أفلامه الناس وتجعلهم دايما بين مؤيد ومعارض. نولان يقدم أحد أفضل أفلامه كتابة وإخراجًا، والأهم من ذلك نجاحه الأصعب في تقديم النوع السينمائي بإبداع، وأخذ عمل كلاسيكي عظيم إلى عالم أفلامه وأسئلته واهتماماته، كما يقول الناقد الكبير محمود عبد الشكور، إنه فيلم كبير عن ملحمة كبرى بإتقان فني وتقني تعودناه.. هذا وحده نجاح كبير جدا في وقت يصعب فيه الوصول إلى مثل هذه الحالة باقتدار واكتساح!
فمنذ الخامس عشر من الشهر الجاري، ومع بدء عرض الفيلم في دور السينما بالعالم أجمع؛ والأصداء لا تتوقف، والجدل يزداد اشتعالا، والتعليقات والمنشورات تنسال وتتدفق على وسائط السوشيال ميديا، وبخاصة الفضاء الأزرق؛ لكني -وقد شاهدت الفيلم واستمتعت به غاية الاستمتاع، وأرى أنه حقق معادلة فنية يصعب تحقيقها (سأتكلم عنها لاحقا)- أرى حشدا من المكاسب والمنافع الثقافية والمعرفية والفنية المباشرة التي تمخضت عن عرض الفيلم والنجاح غير المسبوق (على مستوى الإيرادات بشكل مباشر)؛ أحاول أن أوجزها فيما يلي:
أولا: أعاد الفيلم إلى دائرة الضوء والاهتمام والجذب والبحث موضوع الأساطير في الأدب والأساطير اليونانية بالأخص، وبالتحديد "الإلياذة" و"الأوديسة"، وهو موضوع سيظل دائمًا وأبدًا المنجم الأول لكل المهتمين بالآداب والفنون والإبداع، فـ "الأسطورة" هي دماء الأدب وروحه التي تمنحه الحيوية والجاذبية ومتعة التلقي. وكل من اتصل بالأدب أو النقد أو الدراما يعرف أنها تعني في الأصل اليوناني: "قصة شعرية خرافية، أو معتقدات خرافية، والأسطورة عند المجتمعات البدائية: تعبير عن الحقيقة المطلقة، وتكتسب قدرًا من القُدْسيَّة، وهي -في تصوُّر تلك المجتمعات البدائية- تُعدُّ واقعية، عكس ما نتصوره فيها الآن، وهي أنها: خرافة، مع هذا فإنها لم تفقد دلالتها العقلانية، وطاقتها الرمزية.
وبوجه عام يمكن القول إن أساطير كل حضارة قديمة؛ مثل: الحضارة المصرية (الفرعونية)، والحضارة البابلية والآشورية، والحضارة اليونانية (الإغريقية)، والحضارة الرومانية.. إلخ، تحمل سمات الشعب الذي أبدعها، وطبائعه، وعقائده؛ ومن ثَمَّ: سنجد الطابَع الأخروي (أي الاهتمام بمُجرَيات الحياة بعد الموت) يغلب على أساطير مصر القديمة، في حين يشغل الصراع على السُّلْطة، وشرعية الحكم على الأساطير اليونانية، كما سيظهر أثر البيئة الزراعية، والغابات في أساطير (بابل وآشور) بما يعني أن واقع الحياة الاجتماعية، ومواجهة الإنسان للطبيعة، كان لهما أثر قوي في تشكيل مادة الأسطورة، وتحديد غاياتها.
(2)
ثانيا: نجح الفيلم نجاحا منقطع النظير بكل عناصره (التمثيل، الديكور، الملابس، الموسيقا.. إلخ) في أن يشعل الفضول وخاصة بين الشباب في البحث عن هذا المنجم أو هذا الكنز واكتشافه والتعرف عليه من جديد (أو التعرف عليه لمن لم يعرفه أو يكتشفه من قبل). اشتعلت محركات البحث في كل الدنيا لمعرفة المزيد عن الأوديسة، وبطلها المعجز "أوديسيوس"، ورحلته الخيالية أو المجازية ورمزيتها سواء ما يتصل به هو ذاته أو بابنه ووريثه في البحث والرحلة "تليماكوس" أو بزوجته "بينلوبي" التي صارت مضرب الأمثال في الوفاء والإخلاص والتضحية والرفعة والسمو، وكيف مثلت تلك الملحمة المادة الخام للشعراء والكتاب والمبدعين في كل العصور لاستلهام أعمالهم، وتوظيف عناصر الملحمة في تلك الأعمال التي تخطت أو تجاوزت الإبداع الأدبي الخالص لتتجلى أيضا في النحت والعمارة والتشكيل والرسم والموسيقى.. إلخ.
ثالثًا: أعاد الفيلم -بشكل مباشر أو غير مباشر- اكتشاف النسخ السابقة من الأعمال السينمائية والدرامية التي استوحت "الإلياذة" و"الأوديسة"، أو استلهمتها أو جسدتها؛ فاكتشف الجمهور مثلا أن هناك خمس نسخ على الأقل لأفلام ومسلسلات جسدت "الأوديسة" خلال الفترة من منتصف القرن الماضي وحتى سنة 2010. وفوجئ الجمهور وأنا منهم بوجود نسخة العام 1954 من بطولة الممثل الشهير كيرك دوجلاس، فضلا على نسخة العام 1997، هذا على سبيل المثال وليس الحصر.
في تقديري فإن من أهم وأجمل بل أروع ما أثاره عرض الفيلم؛ اتساع دوائر النقاش حول المغزى الفلسفي والمعرفي لنسخة نولان من الأوديسة أو البحث عن أوجه للتوظيف السياسي أو الأيديولوجي للفيلم، أو إثارة موضوعات ومفاهيم بعينها والبحث عن جذورها ومساراتها ولفت الانتباه لحمولتها الأيديولوجية.. على سبيل المثال؛ مفاهيم ومصطلحات: "الصوابية السياسية"، "الأفروسينتريك"، "التأويل السينمائي"، "الطنين" أو "الدوي الإعلامي".. إلخ.
(3)
ينطلق نولان من تصور بسيط جدا: الارتحال إلى زمن الأساطير بغية البحث عن إجابات لأسئلة الراهن، لأسئلة الوجود والحرب والسلام والقيم والمبادئ التي تحاصر إنسان هذا الزمان.
يفعل مثلما فعل الشاعر القديم "هوميروس" الذي شرع قيثارته فنرحل معه إلى زمن الأساطير والأبطال. كل حجر هنا له حكاية. وكل حكاية حفرت لها ذكرى في وجدان الإنسان. فلا يوجد بلد أخذت عنه الإنسانية معالمها الأساسية مثل "اليونان". الديمقراطية والفلسفة والألعاب الأوليمبية والمسرح، وكل الفنون التي تسعى إلى الكمال.
تبدو أثينا مدينة خالية من "الرومانسية". لم يعد هناك شيء من سحر الأساطير القديمة. لا الآلهة يتجولون على قمة "الأولمب" ولا أبطال التراجيديا يعانون من سقوطهم الفاجع. إنها ليست حتى عاصمة أوروبية إذا استندنا للموقع الجغرافي. ولكنها خليط من مدن أوربا والعالم الثالث. لم يبق من هذا التاريخ القديم إلا شذرات متفرقة. بقايا المعابد على قمة الأكروبولس. بعض الأعمدة الرومانية الساقطة بالقرب من ميدان "السيندجما" وحي "البلاكا" الذي يعود بطرازه التركي إلى بدايات القرن الثامن عشر.
ربما كانت هذه الإحاطة الجغرافية والفضاء المكاني "المرجع" سببا في استدعاء الرأي القائل بأن طروادة كانت شرقية أكثر من إسبرطة وأثينا، وكأنها سلف للعالم اللي أصبح اليوم العالم "التركي"، فاعتبار هيلانة شرقية أو أفريقية ممكن يكون محاولة للتأكيد على أن كل ما له علاقة بطروادة هو "الآخر" اللا غربي" وبقية اليونان هو "الأنا الغربي".. ولكن دعنا نكن حذرين، يجب ألا نطلق وصف "التركي" على أي شيء يوناني، وإن كان فنجانا من القهوة!
(4)
أعود إلى فيلم "أوديسي" لنولان، فيلم طويل يمتد لثلاث ساعات تقريبا؛ مشاهد إبهار بصرية مذهلة، اختيارات المواقع الطبيعية لتصوير المشاهد خاصة الجزر اليونانية الصخرية والغابات المتناثرة على عديد شواطئها، كل ذلك أضفى على الفيلم بهجة مضاعفة وقيمة توثيقية أشبه بما تقدمه أفلام "ناشونال جيوغرافيك".
تعمد نولان كسر السرد الخطي المنتظم؛ وعمد عمدا إلى التنقل بين الأزمان، العودة إلى الماضي "فلاش باك" والاستباق.. ما بين العودة واللحظة الآنية، ما بين التذكر الخارجي والداخلي، ما بين صوت الماضي وصوت الحاضر وصوت الضمير وصوت الذات.. وسط كل هذا البحر المتلاطم من المشاعر والذكريات والاستدعاءات والمواقف تحتشد المشاهد وتظهر الشخصيات، ونبدأ في التماس الخيوط التي سنتتبعها على مهل وبتأن شديد.. من اللحظة التي يحتشد فيها الخطاب وطالبي الزواج من بينلوبي الجميلة، زوجة أوديسيوس، ملكة إيثاكا العظيمة، وحتى طرح "تليمياكوس" ابن بينلوبي وأوديسيوس لسؤال البحث عن والده الذي لم يعد من حرب طروادة رغم انتهائها منذ عشر سنوات.. الكل عاد إلا "أوديسيوس".. فلماذا لم يعد؟ ولماذا أصبح مجهول المصير؟ وهل هو حي يرزق أم مات وابتلعته الأمواج؟

**media[3462896]**