أحد القراء الأعزاء أرسل لي الرسالة التالية عبر البريد الإلكتروني، يشكو فيها حاله، وحال الكثيرين غيره، أسوقها ـ بعد التعديل ـ بفحواها، وليس بنصها، يقول فيها: 

«أنا رجل متقاعد من إحدى المؤسسات الحكومية، أبلغ من العمر واحدا وستين عاما، لدي ستة عيال (أربعة أولاد وابنتان)، يعمل منهم ولد واحد في إحدى الشركات بالحد الأدنى للرواتب، أما البقية فيجلسون دون عمل، رغم أن منهم من أنهى المرحلة الجامعية، ولكن لم يوفق في الحصول على وظيفة، كنتُ أحصل على منفعة كبار السن إلى أن تم قطعها عني، بسبب تجاوز الحد الأعلى للراتب المستحق للمنفعة بفارق 70 ريالا تقريبا، ورغم أن مبلغ المنفعة كان ضئيلا، لا يتجاوز 115 ريالا، إلا أنه كان يعينني في دفع بعض الالتزامات كالكهرباء، والماء، وشعرتُ حين تم الإعلان عن (بشرى) استحقاق المنفعة في بادئ الأمر، أن هناك من يحاول التخفيف من الأعباء التي تثقل كاهل المواطن بسبب غلاء المعيشة، والتضخم الذي ضرب كل الأسواق في العالم، غير أنني فعلا أصبتُ بإحباط شديد حين تم الإعلان عن الشروط الجديدة لاستحقاق المنفعة، وأنني خارج قائمة المستحقين لها، كالكثيرين غيري، وما زاد الطين بلّة أنني أغلقت نشاطي التجاري البسيط الذي أعتمد عليه في تأمين لقمة العيش، بسبب اشتراطات وزارة العمل، والضرائب المباشرة، وغير المباشرة، وارتأيتُ أن أريح رأسي، وألّا أدخل في متاهات لا أعلم عاقبتها، وبذلك بقيت وحيدا، أعزل في مواجهة تحديات الحياة التي لا ترحم، وخلال حرب (إيران وأمريكا) زادت الأمور سوءا؛ فالمواد الاستهلاكية ارتفعت قيمتها كغيرها، وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على القوة الشرائية للراتب، حتى بات عاجزًا عن تلبية الاحتياجات التي كان يغطيها في السابق؛ فما كان يُشترى بمائة ريال قبل سنوات، يتطلب اليوم أكثر من ثلاثمائة ريال، في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، ولذلك أجد نفسي مخنوقا من كل جهة، وغير قادر على إعالة أولادي كما كانوا عليه حين كنتُ على رأس عملي، وحين كانت المواد الغذائية، والاستهلاكية في نطاق المعقول، وكنت أشتري الكثير من الكماليات للبيت، والعيال، أما اليوم، فقد أصبح الراتب عاجزًا عن تلبية أبسط متطلبات المعيشة، إذ تلتهمه الفواتير والالتزامات الشهرية؛ من الكهرباء والمياه والاتصالات، إلى وقود السيارة، وصيانة المنزل، ونفقات الأسرة ومصاريف الزوجة والأولاد، وغيرها من المصروفات الثابتة، فضلًا عن الالتزامات الشهرية الأخرى التي لا تتوقف، حتى بات ينفد قبل أن يلبي أبسط متطلبات الحياة. 

ولم أعد ـ وأنا في هذه السن ـ أفكر في احتياجاتي، ولا برفاهية المعيشة، بقدر ما يشغلني التفكير في توفير الحد المعقول لحياة كريمة لأفراد عائلتي. 

أنا هنا لا أنقل معاناتي الذاتية بقدر ما أنقل معاناة الكثيرين، وأعتقد ـ كغيري ـ أن الوقت قد حان لكي ينظر المسؤولون بشكل أكثر رأفة وواقعية إلى معاناة من هم مثلي، وهم كثر، من خلال: إما إعادة النظر في الحد الأعلى لاستحقاق منفعة كبار السن، بأن يتم رفع السقف بما لا يقل عن ثلاثة آلاف ريال على أقل تقدير، أو استحداث نسبة معينة، أو مبلغ محدد، ومعقول لجميع الفئات، كـ (علاوة) غلاء معيشة؛ لأن الواقع السوقي والاستهلاكي الذي نعيشه اليوم لم يعد كما كان في السابق، فالمتغيرات الاقتصادية العالمية تتسارع بوتيرة متلاحقة، وانعكاساتها تطال مختلف جوانب الحياة، ولا سيما أسعار السلع والخدمات وتكاليف المعيشة. ومن ثَم، لم يعد من المنطقي قياس الأوضاع الاجتماعية والمالية الراهنة بمعايير كانت سائدة قبل عشر سنوات مثلا، ولا شك أن المواطن في أي دولة هو الركيزة الأساسية التي يقاس بها مدى تقدم وازدهار ونمو المجتمعات، ومن خلاله يتم جذب الاستثمارات، وتنشيط الحياة الاقتصادية، والتجارية، والاجتماعية لمستقبل أفضل». 

انتهت رسالة المواطن، أضعها هنا، لواقعية طرحها، وشمولية فكرتها، ولأنها تنسحب على فئات كثيرة في المجتمع. 

مسعود الحمداني كاتب وشاعر عُماني