قطعت سلطنة عُمان شوطا بعيدا في بناء المؤسسات التي يحتاجها الإنسان، وأصبح سؤال المرحلة متعلقا بنوعية الإنسان الذي تُسهم هذه المؤسسات في تشكيله. وقد وسعت الدولة خلال العقود الماضية نطاق التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة، وأتاحت للعُمانيين فرصا لم تكن متاحة للأجيال السابقة. أما التحدي اليوم فيتصل بمقدار ما تمنحه هذه المؤسسات للإنسان من قدرة على التفكير والعمل والمبادرة والمشاركة.
يبدأ بناء الإنسان بإتاحة المدرسة والجامعة والرعاية الصحية وفرصة العمل، ثم يمتد إلى ما ترسخه هذه المؤسسات داخله من وعي ومعرفة وثقة واستقلال وقدرة على الاختيار؛ فالشهادة تدل على قدر من التحصيل، والوظيفة تمنح الإنسان موقعا في الاقتصاد والمجتمع، لكن التحدي الأهم يتعلق بقدرة الإنسان على فهم العالم من حوله، واتخاذ القرار وتحمل تبعاته، وإعادة بناء معرفته حين تتغير شروط الحياة والعمل.
تشكلت في التجربة العُمانية علاقة قوية بين المواطن والدولة قامت على توسيع الحقوق الاجتماعية وتوفير التعليم والعمل والخدمات العامة، وقد أدت هذه العلاقة وظيفة تاريخية كبيرة في توحيد المجتمع، وتوسيع فرص الصعود الاجتماعي، وبناء الثقة في المؤسسات. غير أن استمرارها بالمنطق نفسه يضع الطرفين أمام حدود واضحة؛ فقدرة الدولة على توفير كل فرصة بصورة مباشرة لها سقف اقتصادي وإداري كما أن بقاء المواطن في موقع انتظار الحلول يضعف طاقة المجتمع على المبادرة.
وهذا الاتجاه حاضر في تصور عُمان الحديثة للدولة والمجتمع؛ فقد أضاف مشروعها الوطني إلى مهمة تعميم الخدمات، وتطوير الجهاز الحكومي أهداف بناء القدرات، وتنويع مصادر الإنتاج، وتعزيز المشاركة والمسؤولية. وهو تحول تؤكده رؤية «عُمان 2040» التي وضعت الإنسان والمجتمع في صلب أولوياتها، والنظام الأساسي للدولة الذي ربط مستقبل البلاد بمشاركة أبنائها. ويظل الاختبار في قدرة هذا التصور على التحول إلى ممارسة يومية داخل المدرسة والجامعة والإدارة وسوق العمل.
وتبدأ هذه المرحلة من التعليم، لكن غايته تتجاوز المواءمة مع سوق العمل؛ فالسوق نفسها تتغير بسرعة والوظائف التي نعد لها الطلاب اليوم قد تتبدل قبل أن يستقروا فيها. وأهم ما يستطيع التعليم منحه هو عقل قادر على السؤال والبحث والتحليل والتجربة. وحين يعتاد الطالب حفظ الإجابة النموذجية وتكافئ المؤسسة الموظف الحذر أكثر مما تكافئ صاحب المبادرة يصبح الابتكار مطلبا يناقض ما تعلمه الإنسان في المدرسة ومكان العمل.
المشكلة هنا مؤسسية بقدر ما هي فردية؛ فالمبادرة تحتاج إلى مساحة لاتخاذ القرار والمسؤولية تحتاج إلى صلاحيات واضحة ومساءلة عادلة، واقتصاد المعرفة يحتاج إلى ثقافة تقدر المعرفة نفسها عوضا عن الاكتفاء بتقدير الشهادة أو الموقع الوظيفي. والمؤسسات تبني الإنسان من خلال الطريقة التي تعامله بها كل يوم لا من خلال ما تقوله له في التعليمات والوثائق.
ولهذا البناء بعد ثقافي أيضا؛ فالإنسان الواثق من لغته وتاريخه أكثر استعدادا للانفتاح على العالم وأكثر قدرة على فرز ما يأخذه منه. والهوية هنا معرفة حية تساعد على الحكم والاختيار، والقراءة والفنون والنقاش العام توسع الخيال الذي تحتاجه المجتمعات لتصور مستقبل مختلف، ثم تحويله إلى مشروع قابل للتحقق.
ويتصل ذلك بمعنى المواطنة؛ فالمواطن الذي تحتاجه عُمان في العقود المقبلة يتجاوز موقع المنتفع بالخدمات أو الموظف الذي يؤدي مهمة محددة، ليصبح طرفا في حياة عامة مشتركة؛ يحترم القانون والمال العام ويملك رأيا، ويعبّر عنه بمسؤولية، ويرى في النقد وسيلة لتحسين الدولة. والمجتمعات تتقدم حين تستطيع تحويل الاختلاف إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار أفضل.
بناء الإنسان من أكثر مشروعات الدولة تعقيدا؛ لأنه يتشكل ببطء في المدرسة والجامعة ومكان العمل والإعلام والأسرة، وفي علاقة الفرد اليومية بالمؤسسات. وكلما منحت الدولة مواطنيها قدرة أكبر على الفعل وزعت قوتها على المجتمع كله. واختبار المرحلة المقبلة هو مقدار ما تستطيع المؤسسات أن تضيفه إلى قدرة الإنسان العُماني على التفكير والاختيار والعمل والمشاركة؛ فالدولة تقوى حين تتوزع القدرة داخل مجتمعها، وحين يصبح ما بنته حول الإنسان قوةً فاعلةً في داخله.