عندما شنت أمريكا وإسرائيل الحرب على إيران قبل نحو خمسة أشهر أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهدف من الحرب على إيران هو تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية، وإسقاط النظام، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. ويومها وجه الرئيس ترامب نداءً لعناصر الحرس الثوري الإيراني إلى إلقاء السلاح مقابل منحهم حصانة، وإلا فإن البديل هو «الموت المحقق»! 

ورغم نجاح الضربات الأمريكية الإسرائيلية في اغتيال قادة عسكريين ومسؤولين إيرانيين كبار على رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي وتدمير منشآت حساسة، إلا أن شيئاً من الأهداف التي حددتها تل أبيب وواشنطن وأعلنها الرئيس ترامب لم يتحقق حتى الآن. 

فقد فشلت الضربات الأمريكية الإسرائيلية ليس فقط في تغيير النظام في طهران، وإنما فشلت في مجرد خلق أجواء وظروف مناسبة تصبح معها عملية الإطاحة بالنظام الإيراني ممكنة. وذهبت نداءات الرئيس ترامب لعناصر الحرس الثوري الإيراني بإلقاء السلاح أدراج الرياح، بل كان الناتج عكسياََ لما أراده ترامب حيث ازداد نفوذ الحرس الثوري داخل النظام، وطغى على نفوذ بقية مراكز القوى المتعددة الحاكمة، وهو حالياً يعتبر الطرف الأكثر معاداة لأمريكا، والأكثر تشدداََ في التمسك بخيار الحرب. 

كذلك فشلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في تدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية؛ حيث استطاعت هذه الصواريخ الوصول للعمق الإسرائيلي، وألحقت أضراراََ فادحة بالبنية التحتية العسكرية والمدنية الإسرائيلية، وما تزال إيران تمتلك القدرة على توجيه هذه الصواريخ نحو أهدافها بنفس الكفاءة والفعالية التي كانت عليها في الأيام الأولى من الحرب. 

وفشلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإزالة مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وهو الهدف الرئيسي المعلن من الحرب. 

لم تستطع أمريكا حتى الآن تحقيق أي تقدم على أرض الواقع، وكل ما هنالك وعود متكررة ظل يطلقها الرئيس ترامب في كل مناسبة بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ولكن حتى الآن لم توضح الإدارة الأمريكية كيف سيتم ذلك على وجه التحديد: بالقوة العسكرية أم بالمفاوضات، أم بكليهما؟ وقد جربت كلا الخيارين بلا جدوى حتى الآن. 

ولما كان النصر في الحروب منوطا بتحقيق الأهداف فإنه وبلغة كرة القدم ومباريات بطولة كأس العالم التي ما تزال عالقة في الأذهان فإن النتيجة حتى الآن هي خسارة واشنطن أمام طهران بثلاثة أهداف دون مقابل، والطريف أن هذه الأهداف الثلاثة سجلتها واشنطن في مرماها بنفسها!! 

ولا أحد يدري كيف ستنتهي المواجهة بين الطرفين؟ وما الوقت المتبقي لنهايتها؟ وما إذا كانت واشنطن قادرة على تغيير النتيجة لصالحها؟ وهل من الممكن لطهران المحافظة على هذه النتيجة حتى النهاية؟ كلها أسئلة الإجابة عليها تتطلب وجود معطيات وحيثيات هي غير متوفرة في الوقت الراهن في ظل حالة السجال الحربي المستمرة، وفقدان بوصلة الأهداف لدى الطرفين. 

لكن ما هو واضح لا لبس فيه أنه قد حدث تحول كبير بمقدار 180 درجة في الأهداف الأمريكية من الحرب التي ابتدرتها على إيران؛ فبعد أن كانت الأهداف المعلنة في البداية هي تغيير النظام، وتدمير القدرات الصاروخية، والقضاء على البرنامج النووي الإيراني تحولت تلك الأهداف بقدرة قادر إلى هدف وحيد حتى الآن، وهو ما أعلنه المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، وأكد عليه الرئيس ترامب اليوم الأربعاء وهو «مواصلة تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز». 

إذن فإن كل ذلك الحراك العسكري والدبلوماسي الذي بذلته واشنطن منذ أن أطلقت الرصاصة الأولى في هذه الحرب يتقلص الآن وبعد مرور نحو خمسة أشهر عليها، وينكمش في هدف واحد، وهو الحد من قدرة إيران على مهاجمة السفن في مضيق هرمز، وشتان ما بين هذا الهدف وتلك الأهداف السابقة؛ فقد كانت السفن التجارية قبل الحرب تمر مرور الكرام وبسلام وأمان عبر المضيق لا يُعرقل مرورها شيء، ولا يخشى البحارة على سفنهم إلا العواصف والأنواء، ولم يكن مضيق هرمز مدرجاََ في قائمة الأهداف الأمريكية يومها. 

بحسب وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث في جلسة استماع أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ الثلاثاء الماضي؛ فإن تكلفة الحرب الأمريكية على إيران تبلغ 37.5 مليار دولار حتى الثلاثين من سبتمبر المقبل مطالباََ الكونغرس بحزمة تمويل إضافية تبلغ 67 مليار دولار، وتقول تحليلات شبكة «إن بي سي نيوز»: إن التكلفة الفعلية الشاملة قد تصل في نهاية المطاف إلى ما بين 80 و 100 مليار دولار، لكن لا أحد يدري متى تكون «نهاية المطاف»؛ فالعلاقة طردية ما بين التكلفة والمدة التي تستغرقها العمليات الحربية فكلما طالت المدة ارتفعت التكلفة. 

كل هذه التكلفة الباهظة من أجل تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية العابرة بمضيق هرمز، ويبدو حجم المفارقة غريباََ؛ فما تحقق حتى الآن هو «صفر كبير» في مقابل تكلفة ضخمة، هذا مع العلم بأن النجاح في تحقيق هذا الهدف يكتنفه الغموض وتحيط به حالة من عدم اليقين؛ فالسيطرة على المضيق تتطلب السيطرة على الأراضي الإيرانية بنشر قوات برية وقبل ذلك انهيار تام للنظام، وهو ما يبدو احتمالا بعيد الحدوث بالنظر لواقع الحال ميدانياََ. 

ويبدو الموقف الأمريكي في الحرب الآن كحال من يسير على بحيرة من جليد آخذ في الذوبان؛ فكلما تقدم في السير زادت وتيرة الذوبان، وباتت العودة إلى الوراء أخطر من المضي قدماََ إلى الأمام؛ ولهذا السبب فمن المرجح أن تأخذ أمريكا بخيار الاستمرار في هذه العمليات العسكرية كأفضل خيار سيئ من بين خيارات أخرى أكثر سوءاََ. 

على الأرجح ستأخذ أمريكا بخيار مواصلة الحرب وتكثيف الضربات على أساس سياسة الأرض المحروقة التي تقوم على التدمير المنهجي للبنية التحتية والموارد الحيوية ومنشآت الطاقة وطرق النقل والاتصالات... إلخ، وهي قد بدأت بالفعل في اتباع هذه السياسة، وذلك من أجل انتزاع نصر عسكري تسوقه للداخل الأمريكي، وتبرر به هذه التكلفة الباهظة المأخوذة من دافع الضرائب الأمريكي، ومن ثم تخرج من المأزق بنصر مصنوع، أما البرنامج النووي والصواريخ الباليستية ستكون الإجابة حينها جاهزة، وهي أن الضربات قد قضت قضاءً مبرماََ على القدرات الصاروخية، وعلى قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي. 

وهذا السيناريو تحكمي ويقوم على افتراض أن جُعبة الجانب الإيراني خالية من أي مفاجآت ومعادلات تقلب موازين القوى وتعرقل خطط الجانب الأمريكي، وهو افتراض لا يمكن تصور حدوثه؛ فقد اعترف وزير الحرب الأمريكي بأن إيران ما زالت تمتلك قدرات عسكرية، وأنها أخفت جزءاً آخر من الذخائر داخل منشآت مغلقة وتحت الأرض، وأنه لا يمكن القضاء على كل زورق سريع أو كل رشاش على متن زورق سريع أو كل صاروخ كروز في الترسانة الإيرانية بحسب تعبيره. 

إن ما قاله السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي بشأن الحرب على إيران لخص المشهد ووصف الموقف الأمريكي الراهن بدقة بقوله: إن إدارة ترامب أساءت إدارة الصراع مع إيران، وأن التصعيد الأمريكي الأخير أدخل واشنطن في مأزق عسكري واقتصادي، وحذر من تداعيات كارثية ستنتج عن ذلك. 

وصدق من قال: «يمكنك بدء الحرب متى شئت، لكن لا يمكنك إنهاؤها متى شئت»، وأضيف من عندي لذيل هذه العبارة الذهبية «وكيفما شئت». 

الركابي حسن يعقوب كاتب سوداني