عمرو أحمد
تئن السيدة المُسنة إثر حركتها وهي تنتقل في غرفة نومها الصغيرة، بعد أن غفت قليلًا بعد شعورها بالإرهاق، تخرج من الغرفة للصالة بخطوات بطيئة وثابتة حتى تصل لأريكتها فترتمي عليها وهي تَلهث. على الطاولة المُجاورة لها مجموعة ضخمة من الأدوية التي تُغطي أمراضها الطبية الكثيرة: سُكري وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الغدة الدرقية، لكن يدها تمتد نحو الدواء الذي أخبرتها الطبيبة بأنه يُعالج مشاكل مفاصلها وما يتعلق بها من مشاكل مختلفة، تعرف السيدة أن لهذه المشاكل اسما هو مرض الروماتويد، وهي أيضًا على علم بأن هذا المرض ينتمي لما يُعرف بأمراض المناعية الذاتية، أي أن مناعتها هي المسؤولة عن مُعاناتها.
في مرض الروماتويد، تُهاجم المناعة الغشاء الزُلالي والأنسجة المُحيطة بالمفاصل، هذه الأنسجة مسؤولة عن تليين حركة العظام في منطقة المفصل، فإن مُهاجمتها تعني أن العظام تحتك ببعضها بشكل مُباشر. يتسبب هذا في ألم يُصاحب الحركة ويجعل التنقل اليومي عذابًا، بالإضافة للأعراض التي لا تقتصر على أنسجة المفاصل مثل تليف الرئة وارتفاع خطر الجلطات القلبية. تخص هذه الأعراض مرض الروماتويد من بين أمراض المناعة الذاتية، لكنه يشترك مع أمراض المناعة الذاتية في الالتهابات المستمرة، والتي تُنتج حالة إرهاق مُستمرة وشعور لا يتوقف بالتوعك، فلا تتوقف المعاناة أبدًا في الحركة والسكون.
ترفع السيدة قُرص الدواء تجاه فمها ثم تبتلعه، الدواء الذي يُعرف علميًا باسم الميثوتريكسات، تعرف السيدة أن هذا الدواء يؤخذ مرة واحدة أسبوعيًا، وفي باقي الأسبوع تتناول الفوليك أسيد. ليست هذه التعليمات سوى لتفادي الآثار السامة لدواء الميثوتريكسات، فهو يمنع الخلايا من الانقسام ويتسبب في موتها، ولذا استخدم في الأصل علاجًا للسرطان. لكن الميثوتريكسات أيضًا يُعطل الخلايا المناعية المتسببة في حدوث الالتهابات، ويؤثر على نشاطها في الالتهاب بالنقص، لذا فإن الميثوتريكسات ينتمي لمجموعة المواد التي تُعرف بمُثبطات المناعة (الإنجليزية: Immunosupressants).
لا يستخدم الميثوتريكسات، بصفته مُثبطًا للمناعة، في الروماتويد فقط، فهو جزء من علاج الأمراض المناعية الأخرى مثل الذئبة الحمراء والصدفية. في كل أمراض المناعة الذاتية الهدف العلاجي هو تخفيف وطأة أعراض المرض وإبطاء تقدمه، ولا علاج قادر على القضاء على المرض تمامًا كما تعرف السيدة عندما أخبرتها الطبيبة بأنها ستستمر على الميثوتريكسات للأبد؛ ليس المرض كيانًا غريبًا مثل عدوى بكتيرية أو فيروس، المرض هو الجسد نفسه، النظام ذاته المسؤول عن القضاء على العدوى البكتيرية أو الفيروس.
وظيفة المناعة القضاء على الأجساد الغريبة، لكن تلك الوظيفة تقتضي أن يكون للمناعة قدرة على «معرفة» هذه الأجساد الغريبة. عند فشل المناعة على التمييز بين الغريب والجسد نفسه، يصير الجسد بمنزلة الفيروس بالنسبة للمناعة، واجب التخلص منه والقضاء عليه وبشكلٍ تام. بالنسبة لمناعة السيدة، ليس الغشاء الزلالي سوى جسد غريب غير مرغوب فيه، إذا اطُّلِع على مفاصل السيدة تلك تحت ميكروسكوب، فسيرى الشاهد خلايا المناعة وهي تفرز إنزيمات هاضمة تُفكك الأنسجة الموجودة بالمفاصل، خلايا الغشاء الزلالي وهي تُحاول مواجهة الفقدان فتتضخم لعشر خطوط من الخلايا بدلًا من خط واحد، خليط الخلايا المُتحللة وهي تُهاجم المناطق المجاورة في العظام، وتجمع ضخم من الخلايا المناعية التي تتحد مُكونةً مستعمرات من الخلايا الضخمة. لا تختلف عناصر هذا المشهد عما لو كانت الصورة لنسيج من الرئة لمريض مُصاب بالسل، العناصر نفسها التي تُمثل صورةً دراميةً من الدمار الخلوي، هذا ومرض السل نتاج عدوى بكتيرية عنيدة. قبل أن تكون هذه الصورة على ما عليه الآن من شكلها القاتم، كان في الأصل وفي البداية مجموعة خلايا مناعية صغيرة عند مفاصل السيدة، أخطأت تلك التعرف على أنسجة المفاصل واعتبرتها جسدًا غريبًا. لكن كيف تُخطئ الخلايا المناعية «التعرّف»؟ «تعرف» الخلايا عن طريق المستقبلات، وهي بروتينات على سطح الخلايا، كما يوحي اسمها تستقبل المُركبات الكيميائية الأخرى، يُمثل ارتباط المستقبلات بالمركبات رسالةً للخلية على اختلاف محتوى هذه الرسالة.
في حالة الخلايا المناعية، وظيفة المستقبلات هي الارتباط بالأجساد الغريبة لتتعرف عليها وتُنشط استجابة الجسم ضدها. في الخلايا المناعية التي تنتمي لما يُعرف بالمناعة الفطرية، تُعرف هذه المستقبلات بالـ«المُستقبلات المميزة للأنماط» (الإنجليزية: Pattern Recognition Receptors أو اختصارًا PRR)، لها شكل يتعرف على «النمط» الذي تعمل الخلية المناعية على استهدافه، فهذه البروتينات أشبه بالصورة العكسية للجسم الغريب الذي تتعرف عليه. عندما ترتبط هذه البروتينات بالجسم الغريب، تُفعل مناعة الجسم التي تقوم بمُهاجمة الأجسام الغريبة مكان العدوى. أشهر أمثلتها بروتينات تُعرف بـ«مُستقبلات نظيرة لبروتين التول» (الإنجليزية: Toll-like receptors)، وقد اكتشف العلماء أنها تتعرف على العدوى الفطرية والأجسام الغريبة المُرتبطة بها. عندما استخلق العلماء ذبابًا لا قدرة له على إنتاج هذا المستقبلات، كان هذا الذباب فريسة للإصابات الفطرية، حد أن جسده بالكامل كان مُغطى بالأجسام الفطرية التي نمت بلا حدود.
تميزة بروتينات PRR الأجسام الغربية بكل بساطة لأنها تحتفظ بنماذج ونُسخ منها، ومنها أنواع كثيرة جدًا مُخصصة لأشكال مختلفة. بكلمات أخرى، يحتفظ الجسد بصور لمختلف البكتيريا والفيروسات والفطريات التي قد يُواجهها ويستخدم هذه الصور باستمرار ليتعرف على الدخائل على الجسم ويُهاجمهم، مثلما تستخدم الشرطة نماذج البصمات لتتعرف على المجرمين. لكن للجسد قدرة محدودة على الاحتفاظ بهذه الصور، فمهما احتفظ وخزن نماذج للأجسام الغريبة التي قد يُواجهها، يَصعب بل يستحيل أن يحتفظ بكل عدوى ممكنة. لهذا فإن المناعة الفطرية تُعتبر خط المناعة الأول، ويليها نوع آخر من المناعة يُعرف بالمناعة المُكتسبة.
في المناعة المكتسبة يُمكن للخلايا المناعية أن تستحدث مستقبلات جديدة لتتعرف على أي عدوى وتواجهها، وهو السبب في اسم المناعة المُكتسبة، لأن الجسد يكتسب مناعةً جديدةً لم تكن موجودة من قبل عكس المناعة الفطرية التي تعتمد على بروتينات PRR الموجودة في الجسم. تعتمد الخلايا المناعية في هذا النوع على أن تأخذ نسخًا من العدوى، وتقوم بعد ذلك باستخلاص هذه النسخ في الجسد لتصنع البروتينات التي تتعرف عليها. مثلما يُستخدم الطين اللدن ليكون صورة عكسية من المفاتيح التي توضع عليه، هكذا يقوم الجسد بتصنيع البروتينات التي تستهدف هذه البروتينات الغريبة الجديدة.
لكن مثلما أن المناعة المُكتسبة تمنح الجسد قدرةً على مُواجهة أي عدوى ممكنة، فهي أيضًا تُضيف تعقيدًا ضخمًا في وظيفته، كيف للمناعة أن تُفرق بين الأجساد الغريبة التي تخترق الجسم والأنسجة التي تكون هذا الجسم؟ بكلمات أخرى، كيف تعرف المناعة أن ما تُحاربه هو فعلًا عدوى مضرّة وليس الجسد ذاته؟ تتعلم المناعة ألّا تُهاجم الجسد وأنسجته العادية، وتُسمى هذه الظاهرة «التسامح المناعي الذاتي» (الإنجليزية: Immunlogical self-tolerance).
أثناء نمو الخلايا المناعية في الأنسجة الليمفاوية، وقبل أن تصير تلك الخلايا «بالغةً» لها القدرة على مواجهة العدوى، تتعلم الخلايا أثناء نموها – مثلما أن الخلية تعرف عن طريق المستقبلات، فإن تعلم خلايا المناعة يتضمن تنشئة المستقبلات على سطحها، إذا حدث ونشأت إحدى الخلايا المناعية بمستقبل «فاسد» يرتبط خطأً بخلايا الجسد، يقوم الجسد بتصحيح هذا المستقبل، أو قد يقوم بقتل الخلية المناعية من أساسه، وهكذا يضمن الجسد أن المناعة تتسامح مع وجوده. حتى وإن تغيرت تلك الخلايا بعد بلوغها وخروجها من الأنسجة الليمفاوية، فإن الجسد له طُرق أخرى لمواجهة الخلايا المناعية قبل أن تقدر على مُهاجمة أنسجته.
لكن الأنظمة البيولوجية ليست كاملة ولا تتمنع على الزلات أو الأخطاء، قد يحدث عرضًا أن تُفلت خلية مناعية رغم كل الحواجز والخطوط التي وضعها الجسد، وتبدأ بمُهاجمة أنسجة الجسم. ما زال سبب حدوث هذا الاختراق أمرًا غير مفهوم من الناحية العلمية تمامًا، فهناك مؤثرات جينية وعوامل بيئية وثُلة من العوامل المُعقدة التي تتداخل مع بعضها لتنتج لحظة الضعف تلك التي تتوه فيها الخلايا وتُخطئ التعرف على جسدها. لم يكن مرض السيدة استثناءً، عندما كانت في الثلاثينيات من عمرها، شذّت مجموعة من خلاياها المناعية وبدأت باعتبار الأنسجة الزلالية جسمًا غريبًا، عند هذه اللحظة حدث ما يُعرف بـ«كسر التسامح الذاتي» (الإنجليزية: self-tolerance breach)، وهي الخطوة التي يعتبرها العلماء مفصليةً في تطور مرض الروماتويد. لكن أعراض الروماتويد لا تزال غير ملموسة بعد، وستشعر به السيدة لاحقًا في الأربعينيات من عمرها، بعد أن تبدأ الخلايا المناعية في التكاثر حول منطقة الالتهاب، وتجذب الخلايا المناعية الأخرى، ومع مرور السنين، تُكون منطقةً متروسة بالالتهاب عند المفاصل.
مؤخرًا زاد إحساس السيدة بالإرهاق وألم المفاصل، ومع إحساسها بأن حالتها تتدهور قررت الطبيبة أن تُضيف لعلاجاتها دواءً جديدًا، صنف آخر يُساعد الميثوتريكسات في عمله. اسم الدواء الجديد باريسيتينيب، دواء كابح للمناعة مثله مثل الميثوتريكسات، لكنه ينتمي لأجيال جديدة من الأدوية المُطورة خصيصًا لتستهدف فئات بعينها من الخلايا المناعية، فلا عجب أن هذه الأدوية تُكلف أثمانًا باهظة. لكن الدواء الذي يكبح المناعة يُضعف مناعة السيدة، ويزيد فُرص تعرضها للعدوى، وعند نقطةٍ ما من حياتها، تدهور مناعتها تمامًا وتترك الجسد مستباحًا لأي عدوى كانت، لتأتي عدوى بكتيرية تتسبب في التهاب رئوي حاد يؤدي لموتها.
ليس الباريسيتينيب السبب الوحيد أو المسؤول عن موت السيدة، بالعكس،أدى استخدامه بدايةً لشعور السيدة بالتحسن فيما يخص أعراض الإرهاق والتعب. لكن مثلما تجمعت وتصادفت مجموعة العوامل التي أدت لإصابتها بالروماتويد من أساسه، تصادفت مجموعة من العوامل، كإنهاك جسدها نتيجة لقلة تناولها للطعام، وتدهور مناعتها الذي بدأ قبل أخذ الدواء، لتكون هذه العوامل مُتسببةً مع بعضها في موتها. لكن حالة السيدة تُظهر النتيجة النهائية في أكثر صورها المتطرفة لما يحدث عند استخدام مثبطات المناعة: تعطيل المناعة عن دورها الطبيعي في مهاجمة العدوى.
في بعض الأمراض المناعية قد تكون تلك الحالة المتطرفة أمرًا أكثر انتشارًا، في مرض التهاب الأوعية الدموية الناتج عن نشاط الأجساد المضادة (الإنجليزية: ANCA-associated vasculitis) تُهاجم المناعة الأوعية الدموية بما فيها تلك التي تغذي الأعضاء المهمة مثل الكلية والرئة، فيؤدي هذا إلى حالة التهاب حادة على مستوى الجسد، وكذلك نقص الدم الواصل لهذه الأعضاء. نظرًا لطبيعة المرض الشرسة، فإن العلاج يتضمن استخدامًا مكثفًا لمثبطات المناعة: السايكلوفوسفامايد، الريتوكيسماب، وكذلك الكورتيزول، كل هذه الأدوية تُثبط المناعة لدرجة ضخمة. والنتيجة النهائية أن رئة المريض تُترك عرضةً لأنواع خطيرة من العدوى، أنواع على غرار فطر نيوموسَيْتِس جيروفيسي.
في حالة المناعة الطبيعية بجسدٍ صحي، يعيش فطر النيوموسَيْتِس في الرئة ولا يُسبب أي نوع من الأمراض، لكن لما تتدهور المناعة وينقص عدد خلاياها يستغل الفطر ذلك وينمو مُسببًا التهابًا رئويًا، لهذا فإن هذا النوع من العدوى يُعرف بالعدوى الانتهازية (الإنجليزية: Oppurtunisitc infictions). عُرف ذلك النوع من التهاب الرئة واشتهر مع انتشار الوبائي لفيروس نقص المناعة البشرية المُكتسب، لأن تلك الحالة المرضية تقضي على مناعة الجسد تمامًا وتتركه عرضة لأنواع لا تضر طفلًا مناعته طبيعية، لكن قادرة على أن تُهلك جسدًا بشريًا بالغًا.
لهذا فإن البروتوكولات العلاجية لمرض التهاب الأوعية الدموية الناتج عن نشاط الأجساد المضادة تضمن اجراءً وقائيًا، وفيه يُستخدم نوع من المضادات الحيوية خصيصًا ليكافح فطر النيوموسَيْتِس قبل أن ينمو للدرجة المسببة للالتهاب الرئوي. نفس الإجراءات الوقائية حاضرة في مرض الإيدز – الناتج عن فيروس نقص المناعة البشرية المُكتسب – وكذلك في بعض حالات زراعة الأعضاء، ما العامل المشترك بينهم كلهم؟ نقص المناعة. وكأن الدائرة تُلف من أول وجديد، مناعة الجسد الطبيعية عاجزة أو تُهاجم الجسد لا تُدافع عنه، فتدخل المركبات المستحدثة والصناعية على الخط لتعوض هذه المناعة.
لكن المضادات الحيوية بدورها ليست سوى مركبات كيميائية تنتجها كائنات أخرى لتدافع عن نفسها، البنسيللين وسيلة دفاع فطر البنسيليوم ضد البكتيريا. يُمكن تجاوزًا اعتبار هذا نوعًا بدائيًا من المناعة، أيام ما كانت الكائنات تُنتج مركبات مُخصصة تستهدف نطاقًا محدودًا من الكائنات، في حين أن المناعة المتطورة لها القدرة على استهداف عدد لا حد له من الكائنات. في كفاءة هذه المناعة التي تطحن الأجساد الغريبة طحنًا وتُحافظ على استقلال الجسد في عالم مليئ بالكائنات المستغلة، قد يحدث فتضل الخلايا الطريق ويصير الغريب هو الجسد ذاته، لكن المناعة لن تكف عن أداء وظيفتها بنفس الكفاءة، ما زالت تطحن الأجساد الغريبة طحنًا، وستبذل كل طاقتها للقضاء على هذا الغريب حتى ينتفي من الوجود تمامًا.
عمرو أحمد كاتب وصيدلاني