محمود الناظر

في منتصف العشرينات وجدت نفسي ألجأ للعيادة النفسية؛ لأُشخص بما يسمى الاضطراب الاكتئابي المستمر. سأقف بعدها بسنتين أمام مشفى لعلاج الاضطرابات النفسية، لكن لأبدأ هذه المرة تدريبي لأصبح طبيباً نفسياً. وبين الحقبة التي كنت فيها مريضاً وتلك التي بدأت بها عملي في الطب النفسي تغيرت الكثير من آرائي حول طبيعة الاضطرابات النفسية، وطرق تعاملنا معها. أما التغيير الجذري والعميق فقد بدأ مع انتقالي من الطب النفسي إلى دراسة فلسفة الطب النفسي.

لثماني سنوات قبل طلب المساعدة التخصصية تعودت على حمل الكثير من الحزن بداخلي. لم يكن الحزن الأزرق الاعتيادي الذي يأتي ويذهب، بل كان صخرة مجوفة رمادية تموضعت بجانب قلبي. شرحت لي الطبيبة النفسية وقتها بثقة أن اضطراب الاكتئاب ينتج عن خلل في النواقل العصبية في الدماغ، ووصفت لي مضاد اكتئاب هدفه ضبط هذه النواقل.

وكمقيم جديد في المشفى كنت أروي بحماس ما لدي من معرفة عن الاضطرابات النفسية لأي أذن تصغي لي، سواء من محيطي الشخصي أو من مراجعي المشفى، وبحذر كنت أقر بحجم المعرفة التي ما زلت لا أمتلكها.

أما الآن وبعد دراستي لفلسفة العلوم أدركت أن المفهوم العام للخط الفاصل بين ما نعرفه وما نجهله علمياً لا يرسم بهذه السهولة، وأنه ليس خطا على الإطلاق، بل هو منطقة ضبابية ومعقدة تحتاج الكثير من التمعن والتفكر. بشكل خاص، أدركت أن الاعتقاد الشائع - عند الأطباء النفسيين والعامة على حد سواء - بأن اضطراب الاكتئاب ينتج عن خلل في النواقل العصبية هو اعتقاد خاطئ؛ حيث إن الكثير من الباحثين في الطب النفسي وفي فلسفة الطب النفسي يرون أنها فرضية غير مدعومة بما يكفي.

لفهم هذه السردية علينا أن نأخذ خطوات للوراء، ونبدأ بنماذج تصنيف الأمراض في الطب. إن أشيع نموذجين لتصنيف الأمراض هما التصنيف بناء على الأسباب الإتيولوجية للمرض، أو بناء على الآلية السببية الفيزيولوجية وراءه. السبب الإتيولوجي هو العامل الذي يسبب نشوء مرض معين؛ ففي الأمراض المعدية على سبيل المثال السبب هو الإصابة بفيروس أو جرثوم ما. أما الآلية السببية الفيزيولوجية هي الآلية التي تحدث داخل الجسم، وتنتج المرض بغض النظر عن العامل الذي سبب حدوثه، مثل مرض السكري الذي تسببه آلية نقص الإنسولين في الدم. بشكل مبسط؛ النموذج الأول للتصنيف يجيب على سؤال (لماذا حدث المرض؟)، والثاني على سؤال (كيف يعمل المرض؟)، وبناءً على ذلك يُطوَّر العلاج في الأمراض التي تندرج ضمن أحد هذين النموذجين من التصنيف المرضي بما يتوافق مع أساسها السببي.

بالمقابل؛ لا يطبّق أي من هذين النمطين من التصنيف في الطب النفسي، بل يعتمد على نمط ثالث يمكننا القول أنه أضعف علمياً، وهو التصنيف بناء على الأعراض المبلّغ عنها والسلوكيات الملحوظة سريرياً. اعتماد هذا التصنيف هو ضرورة في ظل غياب فهم حقيقي للأسس الإتيولوجية، أو الآليات السببية الكامنة وراء الاضطرابات النفسية. فالتفسيرات السببية البيولوجية مثل تفسير اضطراب الاكتئاب الذي تم ذكره ببداية هذا المقال هي مجرد فرضيات غير مدعومة بأدلة كافية لكي نعتبرها نظرية معتمدة ومتماسكة علمياً على غرار تفسيرات أخرى غير بيولوجية تحاول فهم الأسس النفسية والاجتماعية وراء الاضطرابات النفسية.

لكن معرفتنا بعدم وجود تفسير سببي وراء الأعراض الاكتئابية يطرح تساؤلا منطقيا: كيف نبرر إذاً استخدام مضادات الاكتئاب كعلاج؟ وما الأساس العلمي الذي تم اعتماده؟ علينا هنا أن نفهم تاريخ تطوير هذه الأدوية؛ لكي نحصل على إجابة مناسبة. فقد تم تطوير العلاج هنا بطريقة معاكسة لما هو متعارف عليه بدلاً من تطوير مضادات الاكتئاب كنتاج نهائي بناءً على تفسيرات ونظريات مسبقة للاكتئاب. كما هو الحال المعتاد بالنسبة للأمراض الجسدية؛ تلعب هذه الأدوية دور أدوات بحثية مبنية على فرضيات وهدفها التحقق منها؛ إذ تُستخدم التأثيرات العصبية الملحوظة لهذه الأدوية لاستنباط الطبيعة البيولوجية للاكتئاب، ودعم الفرضيات المتعلقة به. بمعنى آخر؛

تستخدم هذه الأدوية لغرضين في ذات الوقت، كأداة للتحقق من الفرضيات التي تحاول تفسير الاكتئاب وكعلاج للاكتئاب مبني على هذه الفرضيات. وإن تبرير الاستخدام الثاني يعتمد على مدى نجاح الاستخدام الأول، أي ما إذا كانت نتائج استخدام الأدوية تطابق النتيجة العلاجية المتوقعة، الذي بدوره، وببساطة، لم يحصل. يوجد عدد هائل من الدراسات التي تابعت الأفراد المشخصين بالاكتئاب وراقبت مدى الفعالية العلاجية لمضادات الاكتئاب، وأظهرت الدراسات أن الأدوية لم تحقق النتيجة العلاجية المرجوة لدى الأفراد وخاصة على المدى البعيد؛ لذلك لا يوجد دليل علمي كاف لتثبيت الفرضيات البيولوجية للاكتئاب واعتبارها نظريات معتمدة، ولذلك لا يوجد تبرير كاف لاستخدام مضادات الاكتئاب كعلاج.

إذاً الاكتئاب ما يزال حالة غير مفسرة أو مفهومة بشكل عميق، ومضادات الاكتئاب ليس لديها الأثر العلاجي المرجو. كيف علينا أن نتعامل مع هذه المعرفة؟ هنا أود التوقف قليلاً والتعامل مع ردود الفعل المحتملة على ما ذكرته إلى حد الآن. إنني أدرك أن هذه المعرفة، إذا ما نجحت بشرحها وإقناعك بها عزيزي/تي القارئ/ة، قد تدفع البعض لنوبة غضب، لرغبة بالتخلص من مضادات الاكتئاب، وربما لرفض الطب النفسي والتشكيك به، فقد يبدو للبعض ككائن مخادع، ذا جسد هلامي وغير متماسك يخبئ نفسه بعباءة من الجلد المتين. وأدرك أيضاً أن الثقافة السائدة في المنطقة العربية ما تزال تتصارع مع تقبل الطب النفسي ومنحه الشرعية كباقي المجالات العلمية، بالإضافة لطبقة أخرى من عدم التقبل التي تعزى للوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية. فهذا المقال لا يسعى إلى ترسيخ الرفض العام للطب النفسي، بل هو محاولة للنظر إلى هذا المجال بعين تحليلية، وإيجاد الطريقة الأفضل للتعامل مع المعرفة غير المكتملة. فكما ذكرت سابقاً أن الخط الفاصل بين ما نعرفه ونجهله علمياً ليس بهذا الوضوح، والتعريف العام لما يسمى «الحقيقة العلمية» على أنها معرفة مثبتة ومؤكدة بشكل كامل هو تعريف خاطئ يبسّط

العلم ولا يعكس واقعية تعقيده. إن الفاصل بين الفرضية والنظرية هو ليس نقطة إثبات محددة، بل خط متدرج. وعلى هذا المقياس فإن الفارق بين الطب النفسي وباقي المجالات العلمية كالاختصاصات الطبية، والفيزياء، والبيولوجيا... إلخ ليس بكونه غير علمي، بل بكونه حديث الولادة نسبياً. وكحديثي الولادة يجب علينا التعامل معه بحذر بما يتناسب مع خبرته الحياتية. ولكي تكتمل المماثلة يمكننا اعتبار المجالات الأخرى كأفراد بالغين يخطؤون ويتعثرون أيضاً، لكن في نهاية الأمر هم أكثر ثباتاً.

بعد أخذ هذه الفكرة بعين الاعتبار يمكننا النظر مرة أخرى إلى المعرفة الحالية عن الاكتئاب، وبشكل خاص عن مضادات الاكتئاب، من عدسة أكثر توازناً وعلمية. فبالرغم من أن الدراسات التي أجريت لمعرفة الأثر العلاجي لهذه الأدوية أفادت أن الأثر ليس بالدرجة المرجوة والكافية لاعتباره علاجياً، أظهرت في ذات الوقت أنه يوجد بالتأكيد أثر إيجابي ما للأدوية في تخفيف الأعراض الاكتئابية في بعض الأحيان. ما علينا فعله إذاً هو إيجاد إطار مفاهيمي يتيح استخدام مضادات الاكتئاب بسعة نستطيع الاستفادة بها من أثرها الإيجابي دون اعتبارها العلاج المعتمد للاضطراب بذات الوقت. هذا تماماً ما تحاجج له الطبيبة النفسية والباحثة جوانا مونكريف. تقترح مونكريف نظرة مفاهيمية جديدة ترى من خلالها أن مضادات الاكتئاب لا تستهدف آلية مرضية بيولوجية، بل تُحدث تغيرات في الحالة الذهنية والجسدية للفرد، والتي قد تُعتبر مفيدة في تحسين الأعراض الاكتئابية. بناءً على هذا الإطار، فإن تأثيرات مضادات الاكتئاب ليست دليلًا على وجود فيزيولوجيا مرضية محددة يتم إصلاحها، بل هي تأثيرات تعتمد فائدتها على تجربة كل فرد على حدى. ولذلك، لا يمكن بسهولة تصنيف تأثيرات الدواء إلى فئتين منفصلتين تماماً: تأثيرات علاجية وأعراض جانبية؛ إذ قد يُنظر إلى التأثير نفسه على أنه مفيد في سياقات معينة، بينما يُعد ضاراً في سياقات أخرى. ففي سياق علاج الاكتئاب، على سبيل المثال، قد يجد بعض الأفراد أن التأثيرات المهدئة أو المنشطة لأدوية معينة مفيدة على المدى القصير، في حين قد يرى آخرون أن هذه التأثيرات نفسها تؤدي إلى تبلد عاطفي أو تعيق التعافي على المدى الطويل. هذا يعني أن تجربة الفرد مع الدواء ومدى استفادته من تأثيراته مجتمعة هو العامل الوحيد الذي يحدد مدى استمرار تناوله أو التوقف عن ذلك، مقارنة مع الإطار المفاهيمي السائد الذي يطلب من الفرد الاستمرار في أخذ الدواء لفترة زمنية محددة مسبقاً، ويتعامل مع «الأعراض الجانبية» بطريقتين فقط، إما بتغيير نوع مضاد الاكتئاب وإما بتغيير الجرعة. لذلك، يمكن القول: إن هذا الإطار يؤدي لتغيير جذري بطريقة ومدة استخدام الأدوية. علاوة على ذلك، بمجرد تحديد التأثيرات المفيدة لدواء ما في الفرد، يصبح من الممكن البحث عن وسائل بديلة غير دوائية لتحقيق نتائج مماثلة، كالعلاج النفسي أو الرياضة أو إحداث تغييرات في العادات الحياتية، مما يتيح تجنب بعض الأضرار المرتبطة بالتعرض للأدوية على المدى الطويل. يعيد هذا الإطار تصنيف مضادات الاكتئاب ضمن فئة المواد ذات التأثير النفسي (Psychoactive Substances) دون التعامل معها كمواد علاجية مختلفة الطبيعة؛ حيث تعرف هذه الفئة على أنها المواد الكيميائية التي تؤثر في وظائف الدماغ، بحيث تحدث تغيير في التفكير أو المشاعر أو السلوك أو القدرات المعرفية، وتشمل النيكوتين، الكافئين، الكحول، المهلوسات، الأدوية النفسية، الخ. بناءً على هذا التصنيف يمكن اعتبار مضادات الاكتئاب مثل الكافئين؛ فإن تناولي لكوب من القهوة في الصباح قد يساعدني على الصحو الذهني والجسدي في حال وجدت نفسي في وسط أسبوع حافل لا يفسح مجالاً للنوم الكافي، لكن يصبح الأمر ضاراً عندما أعتمد على القهوة على المدى الطويل؛ لكي أستطيع أن أصل لحالة الصحو المرجوة بدلاً من اعتمادي على ممارسات أكثر صحية.

إن امتلاكنا معرفة معينة يقترن بها مسؤولية عقلانية لتطبيق هذه المعرفة، وهنا لا أعني، بحال وجدنا أنفسنا أو أحد من محيطنا حبيسي حالة اكتئابية، أن علينا أخذ القرار اتجاه تناول مضادات الاكتئاب أو مدة تناولها بشكل فردي، بل لدينا مسؤولية مشاركة هذه المعرفة مع الطبيب المتابع والخوض بعملية صنع قرار مشتركة ومستمرة ليتلاءم تناول الدواء مع ما يناسب حالتنا الفردية.

تجربة الاكتئاب هي تجربة غريبة ومعقدة ما يزال لدينا الكثير من البحث لنستطيع فهمها، ولعلّ الأسئلة المتبقية هي أكثر بكثير مما لدينا من أجوبة، ومن ضمنها معرفتنا بكيفية التعامل مع هذه التجربة بطريقة صحية. وأما الدواء فهو ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن ما نحن بحاجة إليه، في حدود ما نعرفه اليوم هو فقط إعادة تعريف للدور الذي يشغله برحلة التعافي.

محمود الناظر باحث في مجال فلسفة العلوم