تحولت الحرب الأمريكية الإيرانية إلى حرب استنزاف من خلال الهجمات المتبادلة دون حسم عسكري، فيما تدفع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الثمن من خلال حرب ليس لها علاقة بها بل فُرضت على المنطقة والعالم.

حرب الاستنزاف عمومًا ومن خلال نماذج التاريخ الحديث لا يمكن كسبها رغم الفارق الكبير في المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية بين دولة كبرى هي الأهم عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا واستخبارتيا وبين دولة نامية محاصرة اقتصاديا وتجاريا منذ عام ١٩٧٩. حرب الاستنزاف في العقيدة العسكرية لا تقاس بالقوة الصلبة وحدها، ولكن هناك عوامل موضوعية تتعلق بالوطنية والتاريخ والحضارة والكرامة إذا تعلق الأمر بسيادة الأوطان؛ وهذا الأمر لا ينطبق على إيران وحدها ولكن لكل الدول، ولعل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها قاومت الاستعمار البريطاني عندما هدد وجودها الوطني. ومن هنا، فإن حرب الاستنزاف لا يمكن كسبها، بل تتحول إلى نتائج كارثية على المنطقة والعالم، كما هو الحال الآن حيث مشكلات الطاقة وسلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار، والدخول في صراعات ومشكلات لم يكن لها داع.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية تبقى هي الإطار الصحيح لحل الصراع الأمريكي الإيراني من خلال تطبيق مذكرة التفاهم والتي وقعها الجانب الأمريكي والجانب الإيراني.

إن الحروب والصراعات عموما لا تحل الخلافات بل تعمق الكراهية بين الشعوب وفي ظل مناخ من عدم الثقة والمصداقية تدخل إسرائيل ككيان يشعل الحروب منذ قيامه عام ١٩٤٨، وهناك دراسات في الغرب تتحدث عن عدم إمكانية بقاء الكيان الصهيوني دون حروب سواء داخل فلسطين المحتلة أو اختلاق حروب في المنطقة العربية. إن شن الحرب في الثامن والعشرين من فبراير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبمشاركة الكيان الإسرائيلي كان من الأخطاء الكارثية، وهذا ليس تحليلا شخصيا، ولكن من خلال تحليل عسكري رصين من عدد من القيادات العسكرية الأمريكية، ومع ذلك، كان صوت (الأيباك) واللوبي الصهيوني في دوائر صنع القرار عاليًا ومسموعًا.

وعلى ضوء النتائج التي أفرزتها الحرب حتى الآن، فإن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تعيش مأزقا كبيرًا في ظل الفشل في تحقيق أهداف الحرب، والتي يأتي في مقدمتها تغيير النظام الإيراني وتنصيب نظام موال لواشنطن على غرار ما حدث في العراق عام ٢٠٠٣.

حرب الاستنزاف هي استنزاف حقيقي للموارد والقدرات والعجز في تحقيق الأهداف الاستراتيجية خاصة أن هناك معارضة متصاعدة للحرب في الكونجرس الأمريكي وعلى صعيد الرأي العام وحتى على صعيد كبار الكتاب والمحللين السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية. السؤال الأهم الآن: ما المخرج؟ هل العودة إلى مذكرة التفاهم يمكن أن تكون المخرج للطرفين الأمريكي والإيراني وحتى لدول المنطقة، وهذه الأخيرة تعاني الأمرّين من الهجمات وتأثيرات الحرب. في تصوري، إن مذكرة التفاهم تبقى هي الإطار الصحيح نحو الخروج من المأزق؛ حيث إن التوافق كان موجودا بين واشنطن وطهران.

ومن هنا، فإن المنطق يقول بأن مذكرة التفاهم تخرج أمريكا وإيران ودول المنطقة من مأزق حرب الاستنزاف الحالية، وهي الحرب التي لا يمكن حسمها لأسباب تتعلق بالجغرافيا؛ حيث إن إغلاق المضائق البحرية في المنطقة سوف يسبب أكبر كارثة للاقتصاد العالمي خاصة على صعيد الطاقة والتضخم وخنق سلاسل الإمداد وغيرها من معوقات التجارة.

وعلى ضوء ذلك، فإن المصلحة العامة تكمن في أهمية وقف الحرب والعودة للدبلوماسية والتي تعد الإطار الصحيح للوصول إلى توافق سياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال البناء على مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين بواسطة باكستان وقطر وجهود سلطنة عمان، وهي الطرف الأكثر خبرة بالملف النووي الإيراني منذ أكثر من عقدين.

ولا يزال الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥ مرجعًا، وهو الاتفاق الذي جنّب منطقة الخليج العربي كوارث الحرب التي نرى شرارتها الآن في المنطقة.

إن حرب الاستنزاف تضغط على الطرفين الأمريكي والإيراني؛ حيث تقترب الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم، ويصعب على الحزب الجمهوري أن تنطلق تلك الانتخابات المفصلية وحرب الاستنزاف بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مشتعلة؛ ومن هنا، فإن الوصول إلى تسوية سياسية هو الخيار الأوحد للحزب الجمهوري، خاصة مع تصاعد الضغط الشعبي الأمريكي بسبب ارتفاع أسعار البنزين، علاوة على تزايد معدلات التضخم في بلد تعد الرأسمالية هي أساس الحياة؛ حيث يقاس كل شيء بالمال ويقاس نجاح أي رئيس أمريكي بمدى الرفاهية والانتعاش الاقتصادي الذي يحققه للشعب الأمريكي.

على صعيد إيران ـ ومع وجاهة صمود الشعب الإيراني الأسطورية ـ فإن تواصل الحرب يضغط على حياة الناس في بلد يعاني اقتصاده الكثير من المتاعب منذ عام ١٩٧٩ كما أن تباين وجهات النظر بين السياسيين والعسكريين يجعل الأمر أكثر صعوبة.

ومع ذلك، فإن التحركات والجهود الدبلوماسية سوف تجعل الأمور تتجه إلى إيجاد تسوية، خاصة إذا أيقن الطرف الأمريكي تحديدا بأن حرب الاستنزاف ليست في صالح الداخل الأمريكي، كما أنها ليست في صالح الداخل الإيراني.

وعلى ضوء ذلك، فإن المخرج من المأزق هو العودة إلى المفاوضات وإلى مذكرة التفاهم والانطلاق نحو الاتفاق الشامل والعادل والمنصف والذي يعيد للمنطقة وشعوبها الأمن والاستقرار بعيدا عن الحروب والصراعات التي تقضي على أحلام الأجيال، وعلى ازدهار المنطقة والعالم. إن تمدد الحرب جغرافيًا سوف يدخل منطقة الشرق الأوسط في فوضى عارمة، خاصة إذا تم إغلاق الممرات البحرية ودخلت أطراف أخرى في الحرب وتم استحضار الحروب الصليبية من جديد من خلال الصراع الإسلامي مع الغرب المسيحي، وهذا أخطر تصور يمكن توقعه.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية لا بد أن تواصل جهودها بهدف الابتعاد عن أي تصورات أو احتمالات أيديولوجية؛ فالحروب تبدأ محدودة الأطراف والجغرافيا، ولكنها بمرور الوقت تتحول إلى خطط واستراتيجيات وأطراف يهمها إشعال الفتنة الكبرى، كما هو الحال مع الكيان الصهيوني الذي لا يريد للمنطقة أن تهدأ أو يعم السلام والاستقرار هذا الجزء الحيوي من العالم.

ومن هنا، لا بد من احتواء حرب الاستنزاف الحالية؛ حتى لا تتحول إلى حرب كبرى يصعب السيطرة عليها أو وقف تمددها في جغرافيا منطقة الشرق الأوسط.

عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة