أثار موت الطبيب المصري ضياء العوضي، النقاش حول الأنظمة الطبية التي دعا إليها، وكرّس نفسه للدفاع عنها. رأى كثير من المتابعين بأن هنالك شبهة جنائية في موته في غرفة فندقية في دبي، بينما يقضي إجازته هناك. كان العوضي قد أثار جدلًا واسعًا بسبب ما أطلق عليه «نظام الطيبات» وهو نظام غذائي قدمه بوصفه علاجًا لعدد من الأمراض المزمنة ومنها السكري. حظي النظام بتفاعل واسع من قبل الجماهير، أكسبه ذلك شعبية كبيرة بينهم، مما أدى إلى اتخاذ كثير من مرضى السكري للتخلي عن الأنسولين، الأمر الذي أودى بحياة الكثيرين في العالم العربي.

اتهم الكثيرون هؤلاء الذين اتبعوا نصائحه بالجهل والسذاجة، متجاهلين بذلك سياسات عامة دفعت إلى اتخاذ قرار كارثي كهذا، وهذا ما أحاول الكتابة عنه في هذه المقالة.

يُعدّ عدم الثقة بـ«المؤسسة» ذا أسباب وجيهة في هذا السياق. فهذه المؤسسة التي أخفقت مرارًا في حماية الأفراد، أو تورطت في علاقات معقدة مع الشركات الكبرى والمصالح الاقتصادية، أو تعاملت مع الناس باستعلاء بوصفهم مجرد متلقين للمعرفة لا شركاء فيها، أسهمت بنفسها في إنتاج هذا الشك تجاهها. ولذلك، لا يبدو مستغربًا أن يبحث كثيرون عن بدائل خارجها، سواء في الطب أو الغذاء أو غيرهما.

يتعلق الأمر في الحقيقة بالسياسات النيوليبرالية. فمنذ عقود، دفعت هذه الأخيرة باتجاه الإيمان بفرادنية الأفراد وحريتهم بوصفها القيمة العليا، مقابل انحسار دور الرعاية الاجتماعية العامة التي تقدمها الدولة وتراجع الثقة بالمؤسسات الوسيطة والخبرات الجمعية. وفي ظل خطاب يُحمِّل الفرد مسؤولية صحته ورفاهيته ومصيره الاقتصادي، ماذا يمكن أن نتوقع سوى أن يصبح البحث عن الخلاص فعلًا فرديًا هو الآخر؟ إن اللجوء إلى الأنظمة الغذائية البديلة، أو الممارسات العلاجية الخارجة عن المؤسسة الطبية، لا ينفصل تمامًا عن هذا التحول.

إنها ببساطة، أحد مظاهر السياسات الاقتصادية التي ادّعت طويلًا أنها معزولة عن السوسيولوجيا والسياسة، فيما كانت تعيد تشكيلهما على الدوام. فالنيوليبرالية لم تُنتج أسواقًا جديدة فحسب، بل أنتجت أيضًا ذواتًا جديدة ترى في نفسها المشروع الوحيد الممكن للإنقاذ، وتتعامل مع المعرفة الرسمية بكثير من الشك، ومع الخلاص بوصفه مسؤولية شخصية قبل أي شيء آخر. هذا بالإضافة لتحرر السوق المطلق الذي يجعل أي فكرة كانت قابلة لأن تمر، والمنافسة هي من يثبت جودة هذه الأفكار واختبارها.

وتبرز هنا مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي الوصول إلى المؤسسات الصحية والعلاج نفسه. فالحق في الصحة لم يعد متاحًا بالتساوي للجميع. أنتجت السياسات النيوليبرالية، مرة أخرى، قدرًا هائلًا من التفاوت والطبقية في الوصول إلى العلاج، عبر انحسار دور الرعاية الصحية العامة التي تقدمها الدولة، وتراجع جودتها، وازدياد الاعتماد على القطاع الخاص بوصفه البديل الممكن.

ولذلك، فإن السخرية ممن يلجؤون إلى أنظمة غذائية بديلة أو ممارسات علاجية خارجة عن المؤسسة الطبية هو تجاهل للشروط الاجتماعية والاقتصادية أي السياسية التي دفعتهم إلى ذلك أصلًا. فليس كل من فقد ثقته بالمؤسسة عدوًا للعلم، وليس كل من بحث عن بديل إنما فعل ذلك بدافع الجهل أو الخرافة. إن كثيرًا من هؤلاء هم أبناء عالمٍ علّمهم، لعقود، أن خلاصهم شأن فردي، وأن عليهم أن يتحملوا وحدهم مسؤولية أجسادهم وصحتهم، في الوقت الذي تراجعت فيه المؤسسات عن كثير من مسؤولياتها تجاههم.

ولعل المشكلة الأعمق تكمن في أننا نتعامل مع العلم كما لو أنه يقف خارج التاريخ والسياسة. فالعلم، هو الآخر، مؤسسة؛ العلم الذي أثبت لنا عبر التاريخ أنه ليس بمنأى عن علاقات السلطة والانحيازات الأيديولوجية والاقتصادية. قال العلم يومًا: إن جماجم السود وأدمغتهم أصغر وأقل تطورًا من جماجم البيض، واستخدم هذه الادعاءات الزائفة لتبرير دونيتهم الإنسانية وشرعنة العبودية والاستعمار. كما شرعن ممارسات تحسين النسل، وشارك في إنتاج تصنيفات عنصرية وجندرية قُدمت طويلًا بوصفها حقائق علمية لا تقبل النقاش.

وليس المقصود من ذلك الدعوة إلى معاداة العلم أو المساواة بين المعرفة العلمية وأي ادعاء آخر، وإنما التذكير بأن العلم لا يعمل في فراغ، وأن مؤسساته ليست بمنأى عن التاريخ والسياسة والاقتصاد. ولذلك، فإن الشك في المؤسسة العلمية بوصفها مؤسسة ليس فعلًا غير عقلاني بالضرورة، بل قد يكون امتدادًا لذاكرة تاريخية طويلة من الانحيازات والأخطاء التي ارتُكبت باسمها.

ولماذا نتحدث عن أمر بعيد؟ لننظر إلى كوفيد فحسب. كم مرة سمعتم شخصًا يقول إن مناعته لم تعد كما كانت بسبب اللقاح الذي أخذه قبل سنوات؟ وكم مرة سمعتم أن اللقاح والفيروس لم يكن سوى مؤامرة حيكت بين شركات الأدوية الكبرى والأغنياء لتحقيق المزيد من الأرباح؟ لا يمكن فهم هذه الادعاءات بمعزل عن أزمة الثقة التي أنتجتها المؤسسات ذاتها.

والأهم من ذلك كله، أن من يقودون هذه الحملات اليوم ليسوا غرباء عن المؤسسة العلمية نفسها، بل هم أطباء وباحثون أيضًا، وهذا ما يمنحهم قدرًا من الشرعية في نظر متابعيهم. فضياء العوضي نفسه كان طبيبًا، وكثير من الأسماء التي تقود حملات التشكيك بلقاحات كوفيد أو غيرها تحمل ألقابًا علمية وأكاديمية. وللأسف، فإن السياسات العامة التي اكتفت بحذف المحتوى أو حظره لا تبدو ذات أثر إيجابي على المدى الطويل. فحين يُحذف المحتوى من الإنترنت، يصبح ذلك بالنسبة إلى كثيرين دليلًا إضافيًا على صحة ما يقوله أصحابه؛ إذ يفسرونه بوصفه محاولة لإسكات الأصوات التي تهدد مصالح السلطة والأغنياء وشركات الأدوية الكبرى. وهكذا، تتحول الرقابة ذاتها إلى مادة جديدة تغذي نظريات المؤامرة بدلًا من أن تضعفها.

حين يرى الناس شركات أدوية تحقق مليارات الدولارات من الأزمات، ومؤسسات سياسية تشرعن الحروب وتطبّع مع القاتل، ودولًا تترك مواطنيها نهبًا للتفاوت الطبقي في الوصول إلى العلاج، فإن الشك لا يبدو فعلًا غير مفهوم أو شاذًا.

أمل السعيدي كاتبة وقاصة عُمانية