ترجمة: أحمد شافعي

ضحى أمريكيان آخران بحياتيهما خدمة لبلدهما. فقد لقيا مصرعهما في هجمة إيرانية على قاعدة جوية أردنية وأصيب العديد من الجنود الأمريكيين فضلا عن مفقود واحد. ومن حق الأمريكيين أن يعرفوا لماذا مات هذان الجنديان، وكم من أبنائهم وبناتهم سوف يخاطر بهم الرئيس ترامب في هذه الحرب الاختيارية.

وقد لجأ الرئيس إلى مخزون إجاباته المعهودة. فقال في اتصال هاتفي يوم السبت مع وسيلة إعلام يمينية تدعى (نيوز نيشن): «إنه أمر محزن للغاية»، وأضاف: «إننا نكره أن نرى ذلك يحدث. ولكنه كان في خدمة بلدنا». وكل وفاة عسكرية هي وفاة في خدمة الأمة. فصحيح طبعا أن الأمريكيين الستة عشر الذين لقوا حتفهم حتى الآن في هذا الصراع إنما لقوه لأنهم تطوعوا لارتداء الزي العسكري الخاص بجيش الولايات المتحدة ولاحتمال مخاطر جسيمة بالنيابة عن إخوانهم المواطنين، فالخدمة العسكرية ـ حتى في السلم ـ تنطوي على مخاطر جوهرية.

ولكن هذين الأمريكيين لقيا حتفهما بسبب إشراكهما في حرب، وعلى مدى أشهر لم يقدم ترامب تفسيرا شاملا للسبب الذي يجعل إدارته تأمر أفراد الجيش الأمريكي بالمخاطرة بحياتهم. أو أنه، لمزيد من الدقة، طرح العديد من التبريرات في العديد من اللحظات على مدى الأسابيع العشرين الماضية من الحرب.

وفي هذه المرة، بحسب نيوز نيشن، قال ترامب: إن هدفه المركزي في هذه الحرب هو «عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي». في حين أن إيران لا تمتلك سلاحا نوويا ولم تكن قريبة أصلا من الحصول عليه حينما أطلق ترامب هذا الصراع. وقد زعم ترامب منذ ذلك الحين أن طهران على «بعد أسبوعين» من صنع قنبلة، وهو تأكيد لا يدعمه تحليل جدي أو جهة مخابراتية في الولايات المتحدة أو غيرها.

غير أن البيت الأبيض أصدر في الليلة التي بدأت فيها الحرب تصريحات مسجلة للرئيس بدا فيها أن لترامب هدفا أساسيا من الحرب يتمثل في تغيير النظام.

وقال للشعب الإيراني: إن «ساعة حريتكم الآن في متناول اليد» وإنهم بعد انتهاء حملة الولايات المتحدة الأمريكية سوف «يتولون» حكم أنفسهم.

قال: إن «الحكم سوف يكون لكم» لكنه كما فعل في حالة تصريحات أخرى، تراجع قائلا إنه لم يكن لديه أدنى اهتمام بالإطاحة بنظام الحكم في إيران، أو قال في حالات أخرى إنه في الحقيقة أطاح فعليا بالنظام بقتله الكثير من القادة الإيرانيين (وواضح أن هذا الأمر يختلف عن - تغيير النظام -).

كان ترامب متفائلا بشأن تغيير النظام الإيراني. وبتشجيع من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قوله إن حكم الملالي سينهار أمام الضرب الأمريكي ـ وهذا مزعم وصفه مدير المخابرات الأمريكية جون راتكليف بـ«الهزلي» ووصفه وزير الخارجية ماركو روبيو بـ«الهراء»، بحسب ما أفادت صحيفة نيويورك تايمز ـ بعث الرئيس ترامب القوات الأمريكية لتعترض طريق إيران بدافع مما أطلق عليه لاحقا «الحدس الغريزي». (ومن جانبه ابتهج وزير الدفاع بيت هيجسيث بفكرة الهجوم).

وكان بوسع ترامب أن يبرر تخليص العالم من النظام الحاكم في إيران لتسعين مليون نسمة، لكن الرئيس لم يجد طوال هذه الفترة ما يدعوه إلى توجيه خطاب واحد للشعب الأمريكي أو الكونجرس حول السبب الذي جعله يزج بالولايات المتحدة في حرب، وبالاقتصاد العالمي في فوضى، وبالشباب الأمريكي في الخطر.

في الوقت نفسه، تعددت أهداف الحرب، وها هي الولايات المتحدة الآن تحاول إطفاء نيران هي التي أضرمتها. فقد فشل تغيير النظام، وسرعان ما فعلت إيران ما توقع الجميع إلا ترامب وهيجسيث أنها ستفعله، فأغلقت مضيق هرمز وهاجمت أصدقاء الولايات المتحدة في الخليج. وسرعان ما تركزت الأهداف الأمريكية على تجريد إيران من قدراتها العسكرية وفتح المضيق، ففشلت هذه الجهود هي الأخرى.

واضح أن إيران تحتفظ بمخزون من الصواريخ والطائرات المسيرة، وأن ترامب نفسه عدل عن محاولة القضاء على التهديد الصاروخي فقال في استخفاف حينما سئل عن الصواريخ الإيرانية في الشهر الماضي: «لا بد أن يكون لديهم البعض منها، لأن الآخرين لديهم البعض منها». (ويبدو أن أحد هذه الصواريخ هو الذي قتل الجنديين الأمريكيين أخيرا في الأردن). في الوقت نفسه أظهر الإيرانيون مرارا أن المضيق لا يفتح إلا بإرادتهم، وهو وضع ما كانوا ينعمون به في ذلك الممر المائي قبل أن يبدأ ترامب الحرب. ويبدو أن الرئيس يعتقد بطريقة ما أنه قادر على إعادة الأمور إلى نصابها باستعمال المزيد من القوة العسكرية.

فها نحن الآن وقد لقي أمريكيان مصرعهما، بينما الثالث مفقود. لكن ترامب يبدو عاقدا العزم على تعريض حياة المزيد للخطر. فقد سأل مستشاريه مجددا ـ بحسب بعض التقارير ـ عن إمكانية الاستيلاء على أرض إيرانية، فأثار بذلك تكهنات بأن الولايات المتحدة تجهز قواتها لعمليات برية، وإذا أصدر ترامب هذه الأوامر، فسوف يموت مزيد من الأمريكيين.

وإذا ما صدرت الأوامر للقوات الأمريكية بالاستيلاء على أرض إيرانية، فبوسعهم أن يفعلوا ذلك، وقد تعني هذه العملية وقوع خسائر بشرية كبيرة، لكن إذا ما خصص الأمريكيون قوات كافية فبوسعهم احتلال جزيرة خرج والأرض المحاذية في الساحل الإيراني.

ولكن، مرة أخرى، لأي هدف؟ كيف يبدو شكل «الانتصار» في هذه المرحلة؟ وحتى في حال غزو القوات الأمريكية لإيران وإثباتها أنها المسيطرة على مضيق هرمز، فسوف تكون هذه نجاحات عملياتية قصيرة المدى تبقي جنودا أمريكيين في أراضي أمة معادية.

(ومهما يكن ما يجري، سوف يعتمد تعافي الاقتصاد العالمي على شركات الشحن والتأمين العالمية ممن لن يطمئن رؤساءها بتصريحات ترامب أو خطب هيجسث في أعقاب عملية برية أمريكية).

لكن لعل ترامب لا يتبنى هذه الخطط، وفي هذه الحالة فإنه يراهن مرة أخرى ـ بحياة الأمريكيين ـ على أن قصف إيران وتحويلها إلى أنقاض سوف يحقق له ما يريد.

ويبدو أن ما يريده هو إيران طيعة توافق على السلام مع الولايات المتحدة وتفتح المضيق وتتوقف عن مهاجمة بلاد المنطقة وتتعهد بعدم تصنيع أسلحة نووية.

ولم تنجح الضربات العسكرية حتى الآن في تحقيق هذه الأهداف، ولم يقدم ترامب تفسيرا لسبب اعتقاده بأن ضربات جديدة سوف تفلح هذه المرة. والأسوأ أن الإيرانيين ربما فقدوا قائدهم الأعلى (فلم يتغير شيء إلا أن أحد أبنائه حل محله)، لكن النظام يبدو الآن في وضع سياسي واستراتيجي أقوى مما كان عليه في الليلة التي بدأت فيها الحرب.

لا يبدو أن ترامب يدرك أن إيران أقدر من أمريكا على احتمال الألم. وليس موت اثنين إضافيين ـ كما يصفه ترامب ـ محض «أمر محزن للغاية». لقد قاد الرئيس أمريكا إلى حرب كبيرة. والجنود الأمريكيون يتعرضون للقتل والإصابة، وقبل أن يلقى فرد آخر في الجيش الأمريكي مصرعه، يجب أن يرجع إلى الإعلام، ويقف أمام الكونجرس، ويفسر ما يفعله في إيران وبكم من الأنفس الأخرى سوف يخاطر.

توم نيكولس محرر في مجلة ذي أطلنطيك ومشارك في نشرة أطلنطيك ديلي