تفتح تصريحات وزارة التعليم حول ملف الحافلات المدرسية بابًا واسعًا للنقاش الاقتصادي والاجتماعي، خاصة بعد الإشارة إلى أن إسناد هذا الملف لشركة نقل كبرى «خصخصة القطاع» سيضاعف التكلفة السنوية لتقفز إلى نحو 180 مليون ريال عماني.
هذا الرقم الضخم يعطينا حقيقة أن الخصخصة الكاملة للمرافق الخدمية غالبًا ما ترفع التكاليف إلى حدّ الإرهاق المالي، وهو ما لمسناه في قطاعي الكهرباء والمياه.
تشغّل الوزارة ما بين 17 ألفًا إلى 20 ألف حافلة عبر التعاقد المباشر مع أصحاب الحافلات من المواطنين بتكلفة تقارب 80 مليون ريال عماني. ومع الجهود التي تبذلها الوزارة مؤخرًا لتعزيز أمن الطلبة عبر تطبيقات ذكية مثل برنامج «درب السلامة» لتفادي الحوادث المؤسفة، فإننا بحاجة ماسة إلى التفكير خارج الصندوق؛ لدمج محورين لا يقلان أهمية؛ وهما الجودة العالية، والترشيد المالي.
إنّ الوصول إلى نقل مدرسي آمن ومريح لا يتطلب بالضرورة ميزانيات مرهقة، بل يمكن تحقيقه عبر حزمة من الحلول التنظيمية والذكية التي توفر وفورات مالية قد تتراوح ما بين 15 إلى 19 مليون ريال سنويًا، وذلك وفق بعض المقترحات؛ منها الاستثمار الإعلاني المنضبط «وفر متوقع 4 - 5 ملايين ريال»، حيث يمكن فتح الباب أمام شركات الاتصالات، والبنوك، ومصانع الأغذية العُمانية لوضع إعلانات تجارية منضبطة ومحددة على الهيكل الخارجي للحافلات، بما يتناسب مع الهوية التربوية لها. هذا المقترح كفيل بتحويل أسطول الحافلات الضخم إلى مساحات استثمارية متحركة تدر عائدًا يسهم في دعم الميزانية.
ثانيا: عقود التكتلات والجمعيات التعاونية «وفر متوقع: 6 - 8 ملايين ريال» حيث يعتمد الوضع الحالي على آلاف العقود الفردية مع المواطنين. والبديل الأنجع هو تشجيع وتسهيل اندماج ملاك الحافلات في كل ولاية تحت مظلة مؤسسات صغيرة ومتوسطة، أو جمعيات تعاونية محددة. هذا التكتل يمنح الملاك قوة شراء جماعية تتيح لهم الحصول على قطع الغيار والإطارات، والزيوت وعقود الصيانة والتأمين بأسعار الجملة المخفضة. وبذلك، تستطيع الوزارة التفاوض على عقود أكثر توازنًا وترشيدًا، مع ضمان ثبات واستدامة الدخل الصافي لمالك الحافلة.
ثالثا: العمل على الحوكمة الرقمية وتقليص الهدر «وفر متوقع 3 ملايين ريال» وذلك عبر تفعيل حوكمة ذكية ومدروسة للمسارات من خلال البوابة التعليمية، حيث يمكن معالجة تداخل الفترات وتقليص الهدر اللوجستي. هذه الخطوة ستمنع تسيير حافلتين شبه فارغتين لنفس الحارة، ودمجهما في حافلة واحدة تمر على البيوت المتقاربة بشكل متسلسل وذكي، مما يوفر الوقود، والوقت الكلي للرحلة، ويحافظ على سلامة البيئة.
وأخيرا التمويل التضامني في مناطق الامتياز «وفر متوقع 2 - 3 ملايين ريال» من باب المسؤولية الاجتماعية، يحق للمجتمع إلزام شركات النفط والغاز والمعادن الكبرى العاملة في مناطق الامتياز بالمحافظات الصحراوية والبعيدة، بتحمل تكلفة عقود النقل المدرسي لطلبة تلك المناطق بالكامل. هذا الإجراء يرفع عبئًا ماليًا سنويًا عن الوزارة، ويُشرك القطاع الخاص في تنمية المجتمعات المحلية التي يعمل بها.
إنّ نجاح الوزارة في إضافة محوري الجودة والترشيد إلى جانب النقل الآمن سيجعلها الرابح الأكبر؛ إذ ستحقق بهذه الوفورات المالية نقلًا متطورًا ومريحًا وممتعًا للطالب، ليصبح جزءًا من ذكرياته المدرسية الجميلة. حين أعود بذاكرتي إلى أيام الطفولة مع النقل المدرسي، أستحضرها بكثير من الضيق؛ فلم تكن الحافلات مكيفة، ولم يكن يتوفر مقعد لكل طالب. وإذا ما تأخرت لدقائق عن صعود الحافلة، كان عليّ أن أتحمل عناء الوقوف طويلًا وسط حشد من الطالبات المنتظرات لمقعد شاغر، حتى يتم توصيل الأفواج الأولى إلى منازلهن. وكان يوم عيدي الحقيقي هو ذلك اليوم الذي قرر فيه والدي -رحمه الله- أن يقلّني إلى مدرستي بسيارته المريحة والمكيفة. أطفالنا اليوم يستحقون رحلة مدرسية يومية كريمة ومريحة، وبأفكار مرنة وذكية، يمكننا تحقيق ذلك دون أن نثقل كاهل ميزانية الدولة بريال واحد إضافي.
د. طاهرة اللواتي إعلامية وكاتبة