مرت ستةٌ وثلاثون عامًا منذ أن شاهدتُ لأول مرة المباراة النهائية لكأس العالم. وعلى الرغم من أنها مجرد مباراة في كرة القدم تجمع فريقين متنافسين، إلا أن تلك اللحظات تتجدد كلما استجدت بطولة كروية عالمية؛ إذ تعيد الذاكرة ترتيب الأحداث التي مررنا بها، فمنذ بطولة عام 1990م وحتى هذا العام، أُقيمت عشر مباريات نهائية، شاهدتُ ثلاثًا منها خارج حدود الوطن، فلكل بطولة ذكريات ومواقف لا تُنسى.
ففي بطولة 1990، المقامة في إيطاليا، تُوِّج المنتخب الألماني باللقب. كنا نعيش في وادي (شعبون)، وهو موطن مؤقت لمُلّاك الإبل. في ليلة خريفية استثنائية، مرّ علينا العم محمد بن سهيل زغون العمري «أبو ناصر» بسيارته (اللاندكروزر) البيضاء، ليصطحبنا إلى مدينة مرباط لمتابعة المباراة النهائية بين ألمانيا والأرجنتين بقيادة الأسطورة الراحل دييجو أرماندو مارادونا (1960-2020). لم نكن نُشجع إلا مارادونا، لكن الحظ خذله وخذلنا معه، وعدنا إلى خيامنا في «شعبون» بحسرات وخيبات.
في مونديال 1994 بالولايات المتحدة، تابعنا النهائي بمركز «فرقة صوب» -وكانت تحمل اسم فرقة جمال عبد الناصر- غمرتنا فرحة عارمة بفوز البرازيل باللقب بعد سنوات من الحرمان من التتويج؛ إذ أجد نفسي دائمًا ميالًا لمنتخبات أمريكا اللاتينية، باستثناء حدث واحد؛ ففي مونديال فرنسا 1998، انحزتُ لفرنسا ضد البرازيل، التي قبلت الخسارة أمام النرويج لمنع تأهل المنتخب المغربي الشقيق بقيادة مصطفى حجي وعبد الجليل حدا إلى الدور الثاني. شاهدتُ ذلك الحدث في مدينة سدح، وكنت حينها قد أنهيت مرحلة الثانوية العامة وأستعد لدخول كلية التربية بصلالة.
حلّ مونديال 2002 في قارة آسيا لأول مرة بين كوريا الجنوبية واليابان، وشاهدت النهائي في مدينة مرباط مجددًا، وسط خيبة فوز السامبا البرازيلية بثنائية في مرمى ألمانيا؛ إذ لا تزال مرارة خروج المغرب من مونديال 98 عالقة في الذاكرة. وفي ذلك العام أنهيت دراسة البكالوريوس في التربية (تخصص دراسات حياتية بيئية).
بعد أربع سنوات، في مونديال 2006 بألمانيا، خيمت الأجواء الأوروبية الصرفة على المسابقة، وتُوِّجت إيطاليا باللقب أمام فرنسا بركلات الترجيح في برلين. كانت هذه المرة الأولى التي أتابع فيها النهائي خارج سلطنة عمان، حيث عشت أجواء الحماس في قلب مدينة تونس أثناء دراسة الماجستير في العلوم الثقافية.
استضافت جنوب إفريقيا مونديال 2010 كأول أرض أفريقية تحتضن الحدث، وحضر الختام الزعيم والمناضل التاريخي نيلسون مانديلا (1918-2013)، متوجًا ملعب «سوكر سيتي» بجوهانسبرغ بإطلالته التي لا تُنسى. تابعت تتويج إسبانيا باللقب العالمي الأول على حساب هولندا من مدينة صلالة. وفي صلالة أيضًا، شاهدت نهائي مونديال 2014 المقام بالبرازيل، حين انتزعت فيه ألمانيا اللقب أمام الأرجنتين، بعد مباراة تاريخية سابقة أخرجت فيها أصحاب الأرض بنتيجة ثقيلة ومذهلة (7-1).
في عام 2018 بروسيا، عشت تجربة فريدة في مدينة هايدلبرغ الألمانية؛ حيث افترشنا العُشب في ساحة مطعم الطلبة بجامعتها العريقة لمتابعة النهائي. أتذكر شعور الحسرة حين تُوجت فرنسا بالبطولة أمام الفريق الكرواتي، الذي كان بحق الحصان الأسود للبطولة.
أما مونديال قطر 2022، فقد كان حدثًا استثنائيًا بامتياز؛ أول مونديال في أرض عربية وفي فصل الشتاء. تزامنت تلك الملحمة النهائية مع وجودي بين مدينتين مغربيتين؛ إذ انطلقت صافرة البداية ونحن في الطائرة المغادرة من مطار أغادير بعد مشاركتي في الدورة السابعة لملتقى أكادير للرواية. وعقب هبوطنا في الرباط، كنا نستعلم عن النتيجة بنهم، ونتابع بقية الأجزاء الشائقة والأشواط الإضافية عبر هواتفنا المحمولة.
أتت البطولة المقامة في أمريكا الشمالية (كندا، والولايات المتحدة، والمكسيك)، لأجد نفسي أتابع أجواءها في مدينة صلالة، برفقة الصديق والروائي الكويتي سعود السنعوسي، القادم للإشراف على تنفيذ حلقة العمل «أساسيات الكتابة الروائية» التي تنظمها الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء، ضمن فعاليات خريف ظفار 2026م. وكانت الفرحة عامرة بتتويج إسبانيا باللقب للمرة الثانية.
تنتهي البطولات بتتويج الفرق الفائزة، أما نحن فنستمر في مراكمة الذكريات وادخارها للحفاظ على حيوية الذاكرة ويقظتها، لتقاوم زحف النسيان وآفاته القاسية.
محمد الشحري كاتب وروائي عُماني