خرجت غزة من صدارة الأخبار لكن الموت لم يخرج من شوارعها، انصرفت الكاميرات إلى الحروب الجديدة في المنطقة وإلى الصواريخ العابرة للحدود والمضائق المهددة وأسواق الطاقة القلقة، فيما بقي الفلسطينيون في القطاع يدفنون أبناءهم تحت هدنة يفترض أنها أوقفت الحرب. تغير ترتيب الأخبار ولم تتغير وقائع الحياة اليومية في القطاع، الغارات ما زالت تغتال الحياة، وأصبحت الجنازات من أكثر مشاهد الحياة اليومية اعتيادا، والآباء عاجزون عن توفير الماء والغذاء والأمان لأطفال نشأوا بين الخيام والركام.

خلال الأيام الماضية وحدها ضربت غارة مشيعين في مخيم النصيرات، ثم قُتل أطفال ومدنيون في هجمات أخرى. ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، استشهد أكثر من 1100 فلسطيني معظمهم مدنيون، واستمرت الضربات بصورة شبه يومية. هذه الأرقام تضع العالم أمام حقيقة يصعب تجميلها: الاتفاق خفّض مستوى الحرب الواسعة لكنه لم يمنح سكان غزة أمنا يمكن تسميته سلاما.

تراجعت غزة في نشرات الأخبار لأن الحروب الأخرى أكثر صخبا وأوسع أثرا على حسابات الدول الكبرى، غير أن الانتباه الإعلامي لا يقيس المعاناة ولا يجوز أن تصبح حياة الفلسطينيين رهينة جدول الأزمات الدولية. حين تُقتل أسرة بعيدا عن البث المباشر تبقى الجريمة كاملة، وحين يفقد المخيم ماءه أو دواءه من دون مؤتمر صحفي يظل ذلك وجها من وجوه الحرب.

المأساة في غزة لم تعد محصورة في القصف، فمعظم السكان يعيشون في خيام أو مبان متضررة داخل مساحة ساحلية ضيقة وسط نقص حاد في المياه وخدمات الصرف الصحي والدواء. وتحصل أغلبية الأسر التي شملتها تقديرات الأمم المتحدة على كميات شديدة الانخفاض من المياه فيما يعيش مئات الآلاف قرب النفايات ومياه الصرف. وقد تحولت الهدنة بالنسبة إلى كثيرين من وعد بوقف الموت إلى إدارة بطيئة له؛ فالغذاء ما زال محدودا، والمعابر تعمل وفق قيود متغيرة والمرضى ينتظرون الإجلاء والعلاج خارج القطاع والإعمار يتراجع إلى ترتيبات جزئية ومؤقتة.

هنا تبدأ مسؤولية الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار المنبثق من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين. فتلك الدول لم تدخل هذا الاتفاق بصفة شهود على ورقة، لقد قدمت نفسها ضامنة لتنفيذه، والضمان يحمل التزاما سياسيا وأخلاقيا يتمثل في وقف الهجمات وحماية المدنيين وإدخال الغذاء والوقود والدواء وفتح المعابر وتنفيذ الانسحابات المتفق عليها ومنع الترتيبات المؤقتة من التحول إلى واقع دائم يقسم غزة ويجعل الإغاثة بديلا عن الحرية.

تقع المسؤولية الأكبر على واشنطن، لأنها تملك من أدوات الضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلية ما لا تملكه أي دولة أخرى، ولأن الخطة تحمل اسم رئيسها. لا يكفي أن تحافظ الإدارة الأمريكية على الاتفاق باعتباره إنجازا دبلوماسيا في البيانات بينما يتآكل مضمونه الغارات والقيود والتوسع في السيطرة على الأرض. قيمة الاتفاق تُقاس بالحياة والأمل اللذين يعيدهما إلى سكان القطاع.

وتظهر الهوة بين التعهدات والتنفيذ بوضوح في التراجع من خطة لتعافي غزة كلها إلى مشروع تجريبي محدود قرب رفح. إن إعادة الإعمار استعادة لمجتمع حُرم من شروط الحياة وضمان لحق الناس في البقاء على أرضهم وتقرير مستقبلهم. وأي صيغة تعزل مجموعة صغيرة في مساحة خاضعة للرقابة وتترك غالبية السكان في الخيام ستعيد تنظيم الكارثة بدلا من إنهائها.

أما العالم الذي يصف نفسه بالحر فعليه أن ينقذ معنى هذا الوصف، فالصمت أمام موت أصبح مألوفا يتحول إلى قبول بتدرج خفي في قيمة البشر حيث تحظى بعض المآسي بالقمم الطارئة وتُدفع مآس أخرى إلى هامش الشاشة.

غزة تحتاج اليوم إلى عودة السياسة والضمير معا، وعلى الضامنين أن يتحركوا قبل أن تتحول الهدنة إلى غطاء لحرب أقل ضجيجا وأكثر استدامة. فخروج غزة من العناوين لا يعني أن المأساة انتهت، إنه يعني فقط أن العالم اختار أن ينظر إلى مكان آخر.