كتبت- غالية الذخري 

يسعى مستشفى خولة إلى توطين جراحات الصرع المعقدة، وقد انطلقت هذه الجراحات في المستشفى بشكلها الدقيق والمنظم منذ بداية العام الماضي 2025م محققة نسبة تحسن وشفاء بلغت 70%، ومع وصول عدد المصابين بالصرع داخل سلطنة عمان ما بين 30 و 35 ألف حالة نجح مستشفى خولة في إجراء الجراحة لـ10 حالات من الحالات المعقدة حتى الآن محققا بذلك فارقا حقيقيا في حياة المرضى.

وتحدث الدكتور سعيد بن محمد المعولي طبيب استشاري طب الأعصاب بمستشفى خولة عن مسببات حدوث مرض الصرع موضحا أنه قد يعود إلى عملية ديناميكية تسمى «Epileptogenesis»، وهي حالة تجعل قشرة الدماغ لا تعمل بشكل طبيعي، وتحوله إلى مصاب بالصرع؛ وبالتالي تولد نوبات صرعية تلقائية ومستمرة. وتعود هذه الحالة لعدة عوامل منها أسباب جينية أو وراثية، وأسباب أخرى مثل الجلطات والتهابات الدماغ والأورام أو الإصابات، وفي حالات أخرى تظل غير معلومة السبب مشيرا إلى أن حجم انتشار المرض يتراوح بين 30 إلى 35 ألف حالة مسجلة في سلطنة عمان، وهو ما يتماشى مع النسبة العالمية التقريبية البالغة 1% من إجمالي السكان.

التشخيص

وأضاف الدكتور المعولي أن رحلة علاج مرضى الصرع جراحيا تمر بمراحل دقيقة؛ حيث يبدأ علاج الصرع بمرحلة التشخيص وهنا يكمن التحدي الأكبر؛ فبعض الحالات لا تكون المسبب الرئيسي للصرع بل بمشاكل أخرى، فبعضها تكون بسبب اضطرابات سلوكية أو اضطرابات في القلب وغيرها، ويتم التشخيص عن طريق دكتور متخصص ويدخل المريض في عدة فحوصات منها التخطيط الدماغي والأشعات المختلفة وغيرها، ومن بعدها يتم تخصيص الحالة وإعطاء الدواء المناسب لها، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة تصل إلى 70% من الحالات تستجيب للأدوية، والحالات التي لا تستجيب لأدوية الصرع تحول للخيار الجراحي، ويدرس الدماغ بشكل دقيق، ويدخل المريض بعدها إلى عدة فحوصات، ويأخذ فترة معينة من الوقت، وبعدها يبلغ المريض بالمسبب الرئيسي لنوبات الصرع مفيدا بأن المريض في المسار الجراحي قد يرقد في المستشفى حوالي 3 إلى 5 أيام لدراسة حالة نوبات الصرع قبل البت في المسبب مع إمكانية الاستفادة من التدخل الجراحي.

مسبب النوبة

من جانبه يوضح الدكتور أحمد بن سليمان العزري استشاري أول جراحة المخ والأعصاب بمستشفى خولة أن قرار التدخل الجراحي لا يُتخذ عشوائيا، بل يخضع لدراسة دقيقة؛ فالمريض الذي تبدأ لديه التشنجات، وتتحسن حالته وظيفيا عبر أدوية التشنج لا يُعد مرشحا للجراحة مشيرا إلى التطور في البروتوكول الطبي؛ حيث يأخذ في السابق المريض نوعين من الأدوية بأقصى جرعة ممكنة دون فائدة قبل التفكير في الجراحة، أما الآن فيكفي ألا تستجيب الحالة لنوع واحد من الدواء، ليدخل المريض مباشرة ضمن قائمة المرشحين للاستفادة من خيار الجراحة مستقبلا إذا ما وُجدت بؤرة أو مسبب واضح يمكن علاجه جراحيا.

وبيّن الدكتور أحمد العزري أن هدف الدراسة الدقيقة لهذه الحالات والنقاش المهني بين التخصصات المعنية هو عدم التوجه للجراحة إلا إذا ثبت أن إزالة المسبب ستسهم فعليا في تحسين جودة حياة المريض، خاصة أن الاستمرار على الأدوية لسنوات طويلة قد يؤدي إلى تراجع كفاءة بعض أجزاء المخ وظيفيا. ولأن عمليات جراحة الصرع تختلف من حالة إلى أخرى أوضح أن اتخاذ القرار يتطلب نقاشا مكثفا وموسعا بين فريق طبي متعدد التخصصات يشمل فريق باطنية الأعصاب وجراحة الأعصاب بالإضافة إلى مختصين من أشعة الأعصاب، وفيزيولوجيا الأعصاب، والطب النووي، وسيكولوجيا (علم نفس) الأعصاب. ويجتمع هذا الفريق لدراسة الحالة من جوانبها كافة؛ ففي بعض الأحيان يظهر الدماغ في الأشعة بشكل طبيعي وسليم تماما، ولكن يتبين من الدراسة أن المسبب الرئيس للنوبات (البؤرة) موجودة في منطقة معينة في المخ. وفي حالات أخرى يظهر الخلل كتشوه خلقي واضح في الأشعة. وتهدف جراحة الصرع إلى إزالته أملًا في تعافي أو شفاء المريض. وعند الحاجة لتدقيق أكبر -وهو ما يتطلب في بعض الحالات- توضع أقطاب (أسلاك) كهربائية دقيقة في المخ لرصد النوبات، وتحديد بؤرتها ومكانها بدقة قبل التعامل معها جراحيا مضيفا أنه في الحالات التي قد يكون الاستئصال غير مجد بسبب تعدد بؤر الصرع في المخ؛ فقد أضيفت أجهزة جديدة في مستشفى خولة كجهاز تنشيط العصب الحائر، كما يسعى المستشفى إلى توفير جهاز التخثير الحراري في بعض الحالات المستعصية.

مفهوم التعافي

وحول درجة تعافي مريض الصرع قال الدكتور العزري: تعافي مرضى الصرع بعد العملية الجراحية يعتمد على دراسة الحالة الدقيقة لبيان الاستفادة ومداها بعد الجراحة، وإحاطة المريض وأهله بهذه الاستفادة، كمثال بالنسبة لمريض كانت لديه نوبات بشكل يومي، وأصبح بعد العملية لديه نوبة كل شهر؛ فهذا يعتبر تحسنا كبيرا في حالة المريض، كذلك للمريض الذي يعاني من حالات صرع عامة مستمرة، وتتحول بعد العملية إلى نوبات جزئية يصبح هدفا في بعض الحالات. وهناك حالات قد يختفي فيها الصرع تماما بعد العملية؛ فليس بالضرورة اختفاء نوبات الصرع تماما هو المعيار لنجاح هذا النوع من العمليات الجراحية؛ فالهدف هو التحسن الملحوظ في الأداء الوظيفي للمريض وفي عدد نوبات الصرع وشدتها، وتقليل الأدوية في مثل هذه الحالات. وفي الحالات التي يستأصل فيها المسبب الرئيس للنوبات أو البؤرة تصل نسبة الشفاء إلى درجة عالية، وهنا تكمن أهمية الدراسة الدقيقة لهذه الحالات.

النقلة النوعية

وعن النقلة النوعية التي شهدها قسم جراحة المخ والأعصاب في المستشفى للتعامل مع حالات الصرع المستعصية قال الدكتور أحمد العزري: هناك تطور ملحوظ ومستمر في جراحات الأعصاب خلال السنوات العشر الماضية من حيث تطور في الكادر الطبي وفي الأجهزة المستخدمة مشيرا إلى أن جراحات الصرع في السابق لم تكن تعمل بالشكل المدروس، ومنذ بداية العام الماضي 2025م بدأت هذه الجراحات تجرى بشكلها المدروس والمنظم، وقد بلغ عدد الحالات المستعصية التي دخلت الجراحة منذ بدء الخدمة 10 حالات، وأصبحت بعض هذه الحالات تعمل بشكل روتيني، ونعمل على أن يتم علاج أغلب هذه الحالات داخل سلطنة عمان وبكفاءة بحيث لا تكون هناك حالات تستدعي الإرسال للخارج في المستقبل القريب.

وبيّن العزري أن الدراسة الدقيقة للحالات قبل التوجه للتدخل الجراحي والنقاش حول نوع التدخل الجراحي هي لب جراحات الصرع وأساس نجاحها، وهذا ما تم التركيز عليه في برنامجنا لجراحات الصرع، وقد بدأ هذا البرنامج من حوالي سنتين، وكانت المرحلة الأولى هي الوقوف على أماكن العجز في منظومة علاجات الصرع الجراحية في سلطنة عمان، ودراسة طرق تمكينها ليكون مستشفى خولة هو المتخصص للتعامل مع هذه الحالات، وبمتابعة حريصة من وزارة الصحة، ورسم تصور لمراحل تطوير هذه الخدمة التي تضمنت مد شبكة تعاون مع التخصصات في المستشفى السلطاني ومستشفى جامعة السلطان قابوس والمستشفى العسكري، ترتب عليها الشروع في عمل وحدة متكاملة لدراسة مرضى الصرع في مستشفى خولة، وتوفير الكادر الطبي والفني والتمريضي، وتوفير الأجهزة المطلوبة لهذه الوحدة وغرف العمليات الجراحية، واستضافة مختصين من المملكة العربية السعودية لتنظيم حلقات تتعلق بالتمكين الجراحي، وتمكين المتخصصين في أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفية وأشعات الطب النووي بالإضافة إلى إيجاد دورات لتمكين الفنيين في هذه التخصصات الداعمة.

المضاعفات المحتملة

وعن المضاعفات المحتملة بعد العملية أوضح أن الأمر يعتمد كليا على نوع الجراحة والمكان المستأصل من المخ، ويطلع المريض ويناقش بكل شفافية حول الاحتمالات الواردة للمضاعفات والتحسن المرجو من العلاج الجراحي مؤكدا في الوقت ذاته أن هذه المضاعفات إذا ما حدثت يتم التعامل معها بمهنية وتخصصية.

مخاوف المرضى

وعن مدى تقبّل المرضى للتدخل الجراحي، أفاد بأن الأغلب يرفض إجراء العملية في البداية، ويرجع ذلك إلى الخوف منها باعتبارها جراحة كبرى بالإضافة إلى قلة الوعي بطبيعتها، ومع ذلك تبدأ قناعة المريض عندما يوضح له أن نسبة الشفاء تصل إلى 70%، مما يضمن تحسنا كبيرا في جودة حياته، خاصة أن الجراحة تُجرى بدقة متناهية وعلى يد كادر طبي متمكن، مضيفا أن نقطة التحول الحقيقية غالبا ما تحدث بعد عودة المريض إلى منزله ومعاودة نوبات الصرع له مجددا، وهنا يدرك المريض أهمية الجراحة كحل جذري للتخلص من هذه النوبات، لتبدأ مرحلة التفكير الجدي والموافقة التي تستغرق عادة من زيارة إلى زيارتين للمستشفى.

وأضاف أنه يتم العمل حاليا على تكثيف التعاون بين مستشفيي جامعة السلطان قابوس والسلطاني والمدينة الطبية لنشر الوعي بين المراجعين حول هذا الحل الجراحي الآمن، مشيرا إلى انضمام كادر طبي عماني متخصص في الصرع قريبا في المستشفى.

التقنيات المستخدمة

وعن أبرز التقنيات الحديثة المستحدثة قال الدكتور العزري : أصبحت لدينا وحدة متكاملة لمراقبة الصرع، ومستشفى خولة في عمل متواصل وحثيث لافتتاح الوحدة جديدة خلال هذا العام؛ حيث توفر هذه الوحدة دراسة عن قرب لطبيعة النوبات، ودراستها بشكل مستمر خلال فترة ترقيد المريض، وتوفير تقنيات أشعة متقدمة مثل أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفية، ووجود كادر متخصص في أشعات الأعصاب، والتعاون مع المستشفى السلطاني لتوفير أشعة الطب النووي المخصصة لمرضى الصرع، واستخدام تقنية الملاحة العصبية وقت العملية التي ترشد الجراح بنظام حاسوبي ثلاثي الأبعاد خلال العملية لتحديد مكان استئصال البؤرة بدقة عالية، وعمل التخطيط الدماغي خلال العملية لبيان حدود الأجزاء التي يتم إزالتها جراحيا للتحكم في بؤر الصرع، والخطة القادمة خلال الأشهر القادمة بزراعة الأقطاب (الأسلاك) داخل الدماغ لدراسة بؤر نوبات الصرع قبل الشروع في إجراء عملية الاستئصال، كما وفر مستشفى خولة خدمة جديدة وهي غرس جهاز تنشيط العصب الحائر، وستتم زراعة بعض هذه الأجهزة خلال الأشهر القليلة القادمة بعد تحديد المرضى المستفيدين من هذه الأجهزة مشيرا إلى أنه مع الأجهزة الحديثة ارتفعت نسب الدقة ونجاح هذه العمليات وقلت نسبة المخاطر.

واستعرض الدكتور سعيد بعض القصص الملهمة لحالات مصابة بنوبات صرع شديدة؛ حيث أشار إلى مريض في الأربعينيات من عمره كان يعاني من 4 نوبات صرع يوميا، وبعد خضوعه للجراحة استعاد حياته وبدأ يتعلم قيادة السيارة وأصبح عائلا لأسرته، فتحول من شخص كان عبئا على أسرته إلى شخص يمارس حياته بشكل طبيعي.

التوسع البحثي

وأشار الدكتور سعيد العزري إلى أن المستشفى أجرى دراسات بحثية تقارن بين وضع جراحة الصرع قبل إدخال الأنظمة والخدمة الجديدة وبعده.

وحول مستقبل جراحة الصرع في سلطنة عمان في ظل التوجه نحو رقمنة القطاع الصحي واستخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص الجراحي أكد الدكتور أحمد العزري أن تطور التكنولوجيا جعل دقة التشخيص أوضح وأسرع؛ حيث إن قراءة تخطيط الدماغ أصبح أسرع من قبل، فقد يلخص تدخل الذكاء الاصطناعي تخطيط يوم كامل في نصف ساعة أو ساعة بالإضافة إلى تطور الأجهزة التي زادت من دقة وأمان هذه الجراحات.