حوار ـ سالمة الفارسي
من «سر الموريسكي» بدأت القصة حين قرأت الرواية كانت لا تزال تجربتي الأولى مع هذا الكاتب، وكعادتي أحب أن أكتب مراجعات عن الكتب التي أقرأها عامة، ولكن كان لا يزال ثمة تساؤل يدفعني ويدور في ذهني، وقلت في مراجعتي عن الرواية إن مثل هذه الرواية تحتاج إلى تركيز، وحتى إلى خلفية تاريخيّة رصينة لفهمها، فكيف نسج الروائي محمد العجمي الخيال مع التاريخ بهذا اليسر، قادني الفضول والتساؤل للتعرف على الكاتب الذي عندما بحثت عنه تهت في تصنيفاته الكثيرة من المفكر، والروائي، الفيلسوف، المعلم، بل والمبرمج.
جاء هذا الحوار لكسر هذا الفضول، التقيت مع «العجمي» ودار بيننا الحوار بدءا من شخصه إلى الرواية العمانية، مرورا بالفلسفة، فهو كاتب يتجاوز التصنيفات، وموظف يرفض أن تقيد الوظيفة إبداعه، وعاشق للفلسفة يجد في الرواية مساحة لا يمنحها المقال.. صوت عماني يؤمن أن الفكرة هي من تختار شكلها لا الكاتب.
محمد العجمي بين مسميات عدة: الروائي، المعلم، المبرمج، والناقد كيف تختار أن تعرف نفسك؟
أعرف نفسي أولا أبا لثلاثة أطفال، وموظفا بالدرجة الأولى، عملت في أكثر من وظيفة لأكثر من ست وعشرين سنة، من معلم رياضيات إلى مشرف تربوي، ثم قدمت استقالتي وانتقلت إلى هيئة حكومية، أما الآن فأعمل في مجال علوم الحاسب والتحول الرقمي، وأحرص على ممارسة البرمجة كي لا أفقد المهارة، بدأت مشواري الأدبي من ٢٠١٢ وقبل ذلك كانت لدي أعمال مبتدئة، كما لا أصنف نفسي كأديب، والأدب بالنسبة له فهو عبارة عن منتج ومن الممكن أن يتوقف في أي لحظة.
ثمة صورة رومانسية تقول إن الكاتب الحقيقي ينبغي أن يتفرغ ويتحرر من قيد الوظيفة، هل تعتقد حقا أن الوظيفة عبء على الإبداع كما يشكو كثيرون؟وما رأيك بقول إن ارتباط الكاتب العربي بوظيفةٍ ثابتة أفقره أدبيا؟
الأمر مرتبط بتجربة الشخص ذاته، والحقيقة أن ثلاثة بالمائة فقط من الكتاب يستطيع أن يعيش من حقوق النشر خاصته، وفي المنطقة العربية خاصة قلة فقط من الممكن أن يعيشوا مما يكتبون فعلا، وفيما يخص «الكاتب الجائع» فإن هذا المصطلح يوحي بعدم الاستقلالية، وفي حقيقة الأمر إن كتابة الأدب هو شعور لحظي، بل وأكثر اللحظات شعورا بالاستقلالية، فيمكن إسقاط الجوع المعنوي إلى هذه الظاهرة أكثر من كونه جوعا ماديا، فالكتابة هي نتاج تجارب، وأشير إلى روايتي «سر الموريسكي» التي كانت نتاج الإغلاق في فترة «كورونا» وهي بالنسبة له كانت حالة من التفرغ.
لديك كتابان فكريان قبل أن تولد الرواية، كيف تقارن بين الكتابة الفلسفية والكتابة الأدبية؟
أنا استمتعت في الكتابة الأدبية أكثر مما استمتعت في الكتابة الفكرية، في الكتابة الفكرية كنت أشعر أنني أؤدي وظيفة لكن في الكتابة الأدبية فأنا «نحات»، كما أن جمهور الكتابة الفكرية قليل مقارنة بجمهور الأدبية، و في الرواية فإن التركيز يكون حاضرا على أدق التفاصيل والفكرة يجب أن تكون مكتملة كما لا تعطي القارئ كل شيء بشكل مباشر، بل يجب أن تحيطه بالصوت والصورة والرائحة، كما أنني أفرض على نفسي شروطا قاسية مثلا في تجربتي سر الموريسكي مررت بعشر مجلدات لتاريخ حلب.
حين تصل الشخصية إلى لحظة تختلف فيها مع قناعاتك أو تدفع الرواية إلى مسار لم تكن تخطط له، كيف تتعامل مع هذه المسافة بينها وبينك، وهل تسمح لها بأن تنتصر على رؤيتك إذا اقتضى منطق العمل ذلك؟
أنا بعيد عن شخصياتي تماما، وأمنحها حرية مطلقة في الحركة داخل النص، وأحيانا إذا وجدت فصلا أجد نفسي فيه فإنني أحذفه كاملا، في تجربتي مع رواية «الفطر» التقيت مع طبيب في القلب لأكمل أحد المشاهد.
أحيانا أنت تكتب عن أشخاص حولك، وأحيانا أخرى تؤلف وهنا يأتي دورك الجوهري والأمر أشبه بمسرح العرائس أنت تتحكم فيها، لكن إذا ما تحدثنا عن التاريخ فأنا آتي من مخزوني والعديد من الشخصيات أنا مررت عليها في التاريخ وبالتالي فأنني أكتب عنها.
شخصيا لا أكتب إلا إذا كان لدي فكرة أو رسالة وممكن أن أصيغها كمقال فكري، وأحيانا ممكن أن أصيغها على شكل رواية، روايتي «الفطر» كانت في البداية عبارة عن مقال، كما تركت المقال فكرة طويلة، وتشير الرواية إلى فكرة ما بعد الإنسانية والاندماج مع الآلة فهو في الأصل مقال فلسفي، وبالنسبة لي كان هناك تحد فيما يخص الكتابة عن المستقبل فهي نقيض الكتابة عن الماضي لسبب وجود المعطيات الكثيرة في الآخر.
حين تقرأ الرواية العُمانية من الداخل ما السمة التي تعتقد أنها تمنحها صوتها الخاص بين الروايات العربية وكيف تشكل هذا الصوت عبر التجارب المتراكمة؟
بداية هل هناك أدب عماني فعلا؟ وإذا ما تحدثت عن الأدب العماني فإنني أخشى أن أكون شاهد زور حقيقة، لعدم اطلاعي الواسع، ولكن الأدب في نهاية الأمر له وظيفة واحدة، تتجاوز التصنيفات وعملية التصنيف هنا تقتضي مسألة الفهم والخصوصية وحدها، كما أن هناك «ثيمات» مفقودة في الأدب العماني، وأخرى حاضرة وبقوة مثلا «ثيمة» الصحراء مفقودة، أما الجبل والبحر فحاضران جدا، هناك بعض الخصائص تمنح ميزة وخصوصية للأدب تسمح لنا أن نطلق عليه أدبا عمانيا وهذه هي ما تلفت انتباه الآخر، على صعيد البيئة العمانية ربما لا نحتاج إلى هذه التصنيفات لكن من هم من الخارج فهو مثلا قد يضع عناوين للقراءة والتعرف، والتاريخ هو ما يركز على الأدب العماني ومعاناة الماضي مثل «سيرة الجوع» عند بشرى خلفان والحرب عند «محمد اليحيائي»، كما أن محمد اليحيائي لديه مقولة جميلة وهي «كل الأدب تاريخ»، فالتصنيفات لغرض الفهم وليست تصنيفات جامدة.
كيف تقرأ مستقبل السرد الروائي في ظل الذكاء الاصطناعي وعالم النماذج اللغوية الكبيرة؟ هل نحن وصلنا فعلا إلى اللحظة التي لم نعد نحتاج فيها إلى ذاكرة لكي نكتب رواية؟
أنا أفضل الشراكة بين الكاتب والذكاء الاصطناعي، فمثل هذه الأدوات ممكن أن تساعدك في بعض عمليات الوصف، وكذلك الآراء والأمر أشبه بعمليات الانتقال مثل تلك الانتقالة من الورق إلى آله الكتابة، وإذا ما عملت بهذه الشراكة فستتفوق على أقرانك ممن رفضوا، ولكن في نهاية الأمر هذا ليس شرطا، فكذلك هناك الاستغلال والاجتهاد
-لا تبدو كتاباتك معنية بإرضاء جميع القراء أو مهادنة توقعاتهم، أي قارئ تتمنى أن يجلس أمام نصوصك؟
وظيفة الكاتب ليست تلقين القارئ أو تبشيره، أما الرسائل التي تحملها الشخصيات فإنها تكون ناعمة وتلقائية، وإلا تحول الأدب لشيء آخر تماما، فأنت يجب أن تمتع القارئ، هذه هي الوظيفة الأساسية.
أما الكتابة فهي مثل النحت يجب أن تتفرد بها، أما إذا ذهبت لأجل إرضاء الجمهور سيضيع فنك، وهناك حالات يريد الكاتب فيها أن يرضي نفسه.
ما يهمني أثناء الكتابة هي مسألة الفكرة، «سر الموريسكي» كانت حوارا بين الشرق والغرب، وإحداهما حضارة مسيطرة، هذه هي جوهر الرواية، فأنا تهمني الفكرة الجوهرية. الفكرة تأسرني والقارئ يأتي تباعا فالمهم أن يوجد الاكتمال، كما أهتم بوجود القارئ التجريبي، وهم من الأصدقاء والمحيط القريب، أما التلقي فهو محض صدفة، وبالطبع أتخيل نفسي أنا القارئ فخير من ينقدك هو نفسك.
لماذا لا تزال من القلائل الذين يحتفظون بمدونة شخصية في زمنٍ هجر فيه كثيرون التدوين إلى المنصّات السريعة؟
المدونة هي «أرشيف خاص بك، ملكك» لكن في المنصات الأخرى فهي ملكهم، من الممكن أن يحذفوا ما لا يشبههم، كما تشعر بأنك مقيد، المدونة هي بيتك، كما أن جميع الشظايا المتنوعة في المنصات الحديثة لا تعكس من أنت حقا، أو قد تأتي بصورة مغالطة عنك، لكن المدونة تمكن الشخص من أن يتعرف عليك بقرب وصورة كاملة، كما تتكلم عما تريده، في منصات التواصل الاجتماعي فأنت تفرض نفسك على الآخرين، أما في المدونة فتتطلب عملية بحث مفصلة عن الشخص نفسه لا يمكن أن تكتشفها صدفة.
في زمن أصبحت فيه الصورة الشخصية للكاتب جزءا من تسويق الكتاب، ما الذي يجعلك تتمسك بمسافة واضحة عن الحضور الإعلامي؟ وما الرهان الذي تضعه على النص وحده في الوصول إلى قارئه؟
أسلوب الحياة ببساطة، أما كيف فإنني شخصيا أعتمد على ما يمدني بالقيمة، لا أحصل عليها من الجمهرة ولكن من الداخل، الإعلام أداة وليس غاية، وأنا لم أقرر يوما أن أغيب، بل قررت ألا أظهر إلا حين يكون لديّ ما يستحق.