شغفني عشق المكان في مكتبة المدرسة، فظننت أنني لا أستطيع أن أبغي عنه حولًا، ولا أن أختلي بكتاب في مكان آخر. لكن مع مرور الأيام علمت أن هذا الركن القصي الذي أعشقه سيغيب عني في يوم ما، وأنه يُشير إليّ كي أنتقل بعشقي إلى فضاءٍ أرحب.
قلت لنفسي: سوف أجد أماكن أخرى، لكن سيظل هذا الركن هو الحب الأول؛ فحسبه أنه المكان الذي بدأ فيه كل شيء، واحتوى دهشتي الأولى.
ورغم أني شعرت بشيء يتحرك معي خارج تلك الجدران، وأن المكان لم يعد وحده قادرًا على استيعاب ما يتكون داخلي، إلاّ أنه ظل النافذة الأولى التي جعلتني أطل على العالم من خلال الكتاب.
حين خرجت من المكتبة تعلمتُ أن الكتاب لم يعد محصورًا في ذلك الركن، بل صار رفيقي في كل مكان، يرافق حقيبتي كشيء مهيب.
كنت أضعه بحرص، وأتعامل معه كأنه روح تشعر، ومع الوقت لم يعد الكتاب شيئًا أعود إليه، بل شيئًا لا يغادرني أصلًا.
بدأت أفتح الكتاب في البيت، وكما كنت أختار في المدرسة مكانًا قصيًا، اخترت لنفسي ركنًا منزليًا، وكنت أنتظر الضوء بذات الشغف القديم، لكن هذه المرة تحول الكتاب إلى رفيق دائم لا يفارقني.
أصبحت القراءة جزءًا من حياتي اليومية، وفي اليوم الذي يشغلني عنها شاغل أو عارض، كان ينتابني شعور حاد بالافتقاد؛ ومن هنا بدأت أفكر في تأسيس مكتبتي الخاصة، وأن أمتلك الكتب، لا أن أكتفي بقراءتها.
لم يعد يرضيني أن أستعير الكتاب ثم أتركه، بل شعرت بحاجة ماسة إلى مأوى خاص يجمعنا. شيئًا فشيئًا بدأت فكرة المكتبة الصغيرة تلوح في الأفق؛رفّ في البيت، ثمّ رف آخر، كتاب هنا، وكتاب هناك. كل كتاب كان يدخل إلى البيت كان يحمل أثرًا مختلفًا كأنه يضيف طبقة جديدة إلى عالم يتكون ببطء.
لم تكن المكتبة مشروعًا خططت له، بل كانت نتيجة طبيعة لتحول داخلي؛ فالكتاب لم يعد زائرًا، بل غدا مقيمًا.
كنت أشتري الكتب حين أستطيع، وأستعير ما أعجز عن شرائه، وأبحث عنها في في كل صوب. عرفت أسماء المؤلفين، وعناوين الإصدارات، ولم أعد أختار بعشوائية، بل صار يقودني نوع من الانجذاب الواعي.
ومع كل كتاب جديد كانت علاقتي بالعالم تتغير قليلًا لم تعد علاقتي بالكتاب علاقة خارجية، بل غدت رابطة داخلية تعيد تشكيل أعماقي في كل مرة.
لم يعد الركن القصي مركز التجربة الوحيد، لكنه كان المخاض لحضوري مع الكتاب ومرافقتي له؛ لذلك ظل حاضرًا في وجداني وذاكرتي.
غدا الكتاب حضورًا دائمًا يرافقني حتى في اللحظات التي لا أقرأه فيها؛ أصبح شيئًا أعيشه، لا مجرد وسيلة أو نافذة.
وحين أعود بذاكرتي إلى تلك النافذة الأولى، أُدرك أنها كانت مرحلة الاكتشاف التي أوصلتني إلى مرحلة المرافقة من القراءة إلى العيش، من الكتاب كشيء إلى الكتاب كوجود.
كنت في نهاية كل يوم حينما أضع الكتاب جانبًا أشعر أنه لم يغلق تمامًا كأن صفحاته تظل مُشرّعة في داخلي تنتظر لحظة العودة التالية؛ لا كقراءة جديدة، بل كامتداد لما بدأ منذ الخطوة الأولى.
وهكذا فهمت أن رفيقي الورقي لم يعد مجرّد زائر يتردّدُ عليّ بين حين وآخر، بل صار جزءًا من الطريق الذي أسير فيه كل يوم، حتى ولو لم يكن في يدي.

**media[3455507]**