الآن، بات من الواضح تماما أن الحكومات يجب أن تتحمل المسؤولية عن تشكيل صناعة الذكاء الاصطناعي. ولن يتسنى لأي جهة، إلا المؤسسات المستقلة والفاعلة، بما في ذلك الهيئات التنظيمية، تقليل المخاطر التي تفرضها هذه التكنولوجيات في حين تضمن أنها تعمل على تعزيز كرامة الإنسان وليس تقويضها. 

ولكن في كثير من الأحيان، استجابت الحكومات لصعود الذكاء الاصطناعي بالاستسلام، معترفة فعليا بأنها لا تفهم هذه الأنظمة بالقدر الذي يسمح لها بالتدخل. على أية حال، يزعم كثيرون من صُـنّاع السياسات أنه من السابق للأوان تبرير اتخاذ أي تدابير ذات مغزى. 

لم تكن هذه هي الكيفية التي تعاملت بها المجتمعات مع الثورات التكنولوجية السابقة. فمن استنفاد طبقة الأوزون إلى الهندسة الجيولوجية والتعديل الجيني، تدخلت الحكومات عندما توفرت أدلة معقولة على حدوث الضرر، أو عندما أصبح احتمال وقوع ضرر جسيم أكبر من أن يُتجاهل، بدلا من انتظار اليقين العلمي التام. وبذلك، تبنت الحكومات في عموم الأمر نهجا قائما على النتائج يركز على التأثير الواقعي على الناس، ويحاسب الشركات على الأضرار التي تتسبب منتجاتها أو تكنولوجياتها في إحداثها. 

يقع على عاتق الحكومات واجب المطالبة بإجراء تقييم صارم للتكنولوجيات الجديدة القوية قبل التسرع في طرحها في السوق. تتولى وكالات مستقلة مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، والوكالة الأوروبية للأدوية، والهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية هذه المهمة بالفعل عندما يتعلق الأمر بالأغذية والأدوية. 

بطبيعة الحال، لا يتوقع أحد من الوكالات الحكومية أن تبتكر أدوية أفضل مما تستطيع شركات الأدوية تقديمه. فدورها يتمثل في التحقق من أن الأدوية التي تنتجها تلك الشركات آمنة وفعّالة. وعلى الرغم من عقود من الزمن من التحذيرات بأن التنظيم من شأنه أن يخنق الإبداع، لم تتسبب الرقابة المستقلة في جعل الصناعة أقل إبداعا أو قدرة على المنافسة. بل على العكس، جعلت اكتشافاتها أكثر جدارة بالثقة. 

مع ذلك، ترددت الحكومة الأمريكية، التي تؤثر قراراتها على سوق الذكاء الاصطناعي العالمي أكثر من أي جهة أخرى، مرارا وتكرارا في تنظيم هذه التكنولوجيات، متذرعة بحجة مألوفة مفادها أن التنظيم يقتل الإبداع. وقد تعزز هذا التردد بسبب النظرة التي ترى المنافسة التكنولوجية مع الصين بشكل متزايد على أنها مباراة محصلتها صفر، حتى برغم أن الولايات المتحدة لا تزال تطور الغالبية الساحقة من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة في حين لا تمثل الصين سوى جزء ضئيل منها. 

تماشيا مع النهج النيوليبرالي الذي هيمن على عملية صُنع السياسات الاقتصادية خلال نصف القرن الماضي، كان من المتوقع في عموم الأمر أن تمتنع الحكومات عن التدخل إلا بعد فشل الأسواق. لكن عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فإن نهج «الانتظار والترقب» قد يكون كارثيا. على سبيل المثال، أظهرت اختبارات شركة Anthropic للنموذج Mythos أن النموذج قادر على تحديد واستغلال نقاط الضعف في مختلف أنظمة التشغيل ومتصفحات الويب الرئيسية. إذا استُـخدِمَت أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة التي تتمتع بمثل هذه القدرات بشكل غير مسؤول أو وقعت في الأيدي الخطأ، فإنها قد تعرض البنية الأساسية الـحَرِجة، والأنظمة المالية، والأمن القومي للخطر على نطاق عالمي. 

في الاستجابة لهذا، قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخرا فرض قيود على وصول بعض الجهات الأجنبية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، مشجعة الدول حول العالم على تقليل الاعتماد على مزودي الذكاء الاصطناعي الأمريكيين والاستثمار في القدرات المحلية. وهذا ليس النوع من التدخل الذي ينبغي للمجتمعات الديمقراطية أن ترحب به. 

في يونيو، ذهب ترمب بهذا المنطق خطوة أبعد، حيث اقترح أن تحصل الحكومة الفيدرالية على حصص في شركات الذكاء الاصطناعي حتى «يستفيد الشعب الأمريكي». وبعد أسابيع قليلة فقط، أفادت تقارير أن شركة OpenAI عَرَضَت على الحكومة الأمريكية حصة تبلغ 5% في الشركة. 

لكن لا ينبغي الخلط بين الملكية الحكومية والملكية العامة. المنفعة العامة هي شيء يستطيع الجميع استخدامه ولا يمكن استبعاد أحد منه، مثل الهواء النقي، أو حديقة عامة، أو منارة. أما حصة الأسهم، على النقيض من ذلك، فتمنح حقوق الملكية والنفوذ على شركة خاصة، تمارسها أي حكومة يتصادف وجودها في السلطة. 

يثير اقتراح OpenAI مخاوف عميقة. أولها يتعلق بالخصوصية. تخيل أن تلجأ إلى مساعد ذكاء اصطناعي مثل Claude Fable بأسئلة لن تطرحها أبدا على أي شخص آخر: كيف تنهي زواجا، أو كيف تخفي ديونا عن أسرتك، أو لمن تُـعطي صوتك. يتعامل الناس على نحو متزايد مع أنظمة الذكاء الاصطناعي كأنها مذكرات ترد عليك. 

تخيل الآن أن الحكومة تمتلك جزءا من الشركة التي تشغل هذا النظام. في رواية 1984، تصور جورج أورويل دولة استبدادية تفرض المراقبة عبر شاشات تلفزيون. أما الذكاء الاصطناعي فيقدم صورة أكثر دقة لمجتمع بائس، حيث لا تبدأ المراقبة بالإكراه بل بالثقة. 

أما الشاغل الثاني فهو مؤسسي. فالحكومات موجودة لضمان أن تعود الأسواق بالنفع على المجتمع، وليس لتعظيم قيمة محافظها الاستثمارية. وإذا أصبحت الدولة مساهما في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، فقد تتعارض تلك الأهداف. فهل يكون صُنّاع السياسات على استعداد للتضحية بقيمة استثمار الحكومة باسم السلامة العامة في الأمد البعيد؟ وحتى لو تصرفت الحكومات بحسن نية، فإن تضارب المصالح البنيوي ــ أو حتى مجرد ظهوره ــ من شأنه أن يقوض الثقة في استقلالية الهيئات التنظيمية. 

علاوة على ذلك، لم ينبثق اقتراح OpenAI عن تصميم مؤسسي مدروس أو مداولات ديمقراطية. ويبدو أنه استجابة مرتجلة لضغوط سياسية فورية، وليس جزءا من استراتيجية متماسكة لإدارة الذكاء الاصطناعي. 

كما علمتنا عقود من الخبرة كيف يبدو التدخل الفعّال: هيئات تنظيمية مستقلة، ومؤسسات محايدة، وحماية من تضارب المصالح، وقيود صارمة على الأبواب الدوّارة بين القطاع العام والصناعة. لا يجوز لنا أن نتخلى عن هذه الدروس على وجه التحديد في وقت حيث تشتد الحاجة إليها. 

بوسع صُنّاع السياسات توجيه أسواق الذكاء الاصطناعي في الاتجاه الصحيح بطرق أفضل كثيرا من الاستحواذ على حصص ملكية. بدلا من أن تتحول الحكومات إلى مساهمين، ينبغي لها أن تستثمر في مؤسسات قوية ومستقلة، وأن تعمل على وضع معايير السلامة وإنفاذها، وتأسيس أنظمة واضحة للمسؤولية القانونية حتى يتسنى محاسبة المسؤولين عن الأضرار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ينبغي لها أيضا أن تُـلزِم شركات التكنولوجيا المتعددة الجنسيات بدفع حصتها العادلة من الضرائب. وفي المقام الأول من الأهمية، يجب عليها أن تعمل على رعاية خبرات القطاع العام اللازمة لمواكبة التقدم التكنولوجي. 

هذه المقترحات بعيدة كل البعد عن كونها راديكالية. فهي الأدوات المؤسسية التي طورتها اقتصادات السوق الناجحة على مدار عقود من الزمن للتوفيق بين الإبداع والحكم المسؤول. بقدر ما قد يكون الذكاء الاصطناعي تحويليا، فإنه لا يتطلب منا إعادة اختراع دور الحكومة. ولكن يتعين علينا استعادة هذا الدور. وبدلا من أن تتحول الحكومات إلى مساهمين، ينبغي لها أن تقوم بما تجيده: تشكيل الأسواق بما يخدم المصلحة العامة. 

 إميليا ستويمنوفا دوه أستاذة مشاركة في الهندسة الكهربائية بجامعة ليوبليانا وعضو مجلس مؤسسة «غلوب إيثيكس»، وشغلت سابقاً منصب وزيرة التحول الرقمي في سلوفينيا. 

 غابرييلا راموس الرئيس المشارك لفريق العمل المعني بعدم المساواة والإفصاحات المالية المتعلقة بالجوانب الاجتماعية؛ وشغلت سابقاً منصب مساعد المدير العام للعلوم الاجتماعية والإنسانية في منظمة اليونسكو. 

 خدمة بروجيكت سنديكيت