تعلن وزارة التعليم اليوم نتائج دبلوم التعليم العام، وتطوي معها آلاف الأسر العُمانية صفحة طويلة من القلق والعمل والانتظار. وبلغت نسبة النجاح 83.37%. ومع انقضاء قلق النتائج، يبدأ آلاف الطلبة مرحلة اختيار البرامج الأكاديمية في مؤسسات التعليم العالي، وهو اختيار بالغ الأهمية يتصل بسؤال أعمق عن نوعية الإنسان الذي نريد أن تخرّجه جامعاتنا وكلياتنا في السنوات المقبلة. 

وبالاستناد إلى أرقام العام الماضي، توفّر مؤسسات التعليم العالي الحكومية، إلى جانب البعثات الداخلية والخارجية، أكثر من 27.5 ألف مقعد، وهو رقم يعكس التزاما وطنيا واضحا بتوسيع فرص التعليم الجامعي وإتاحة الطريق أمام أكبر عدد ممكن من الطلبة. وهذه سياسة مهمة في مجتمع شاب يتطلع أبناؤه إلى مستقبل أفضل، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة على المؤسسات التي تستقبلهم وعلى الجهات المعنية بمتابعة جودة البرامج المقدمة. 

وتحتل البعثات الداخلية الحصة الأكبر من مجمل المقاعد المتاحة سنويا أمام الطلبة، وهي تؤدي وظيفة اجتماعية وتعليمية مهمة كما تسهم في دعم مؤسسات التعليم العالي الخاصة وتوسيع قدرتها على التطور. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الدعم تُقاس بما تضيفه تلك المؤسسات إلى عقل الطالب ومهاراته واستقلاله العلمي، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقييم تراكمي ودقيق لأداء الجامعات والكليات الخاصة: كفاءة هيئاتها الأكاديمية، وجودة مناهجها، وصلتها بالبحث العلمي، وقدرتها على تخريج طلبة يملكون أدوات العمل والتفكير معا، فالإنفاق على مقعد جامعي استثمار عام وعائده ينبغي أن يظهر في كفاءة الخريج وفي أثره داخل المجتمع والاقتصاد. 

ويتحمل الطالب جانبا أساسيا من هذه المسؤولية، فالانتقال من المدرسة إلى الجامعة دخول إلى عالم مختلف تتوافر فيه المعرفة بكثافة غير مسبوقة وتتيح فيه التقنيات الحديثة وأدوات الذكاء الاصطناعي وصولا سريعا إلى المعلومات. وتُقاس قيمة الجامعة اليوم بقدرتها على تعليم الطالب كيف يبحث ويسأل ويتحقق، وكيف يربط بين المعارف ويبني حجته ويراجع أفكاره حين يكتشف أنها ضعيفة أو ناقصة. 

ولهذا ينبغي أن يدخل الطالب جامعته وهو يرى نفسه مشروع باحث أو مبتكر أو محلل أو مفكر أو ناقد في مجاله. وسيتجه الخريجون إلى مسارات مهنية وعلمية متعددة، غير أن كل مسار منها يحتاج إلى عقلية البحث التي تقوم على الفضول والانضباط واحترام الدليل والقدرة على التمييز بين المعرفة والرأي. ومن دون هذه الأدوات قد يحصل الطالب على الشهادة ويبقى عاجزا عن الإضافة إلى تخصصه أو التفاعل الواعي مع مشكلات مجتمعه. 

أما الجامعة التي تستحق ثقة الدولة والأسر فهي التي تفتح أمام الطلبة مساحة للسؤال والنقاش والتجريب وتمنح الأستاذ الجامعي دوره في توجيه العقول وصناعة الفضول العلمي. وهي كذلك الجامعة التي تنظر إلى سوق العمل بوعي وتحافظ في الوقت نفسه على رسالتها الأوسع؛ فالمجتمعات تحتاج إلى مهنيين أكفاء وإلى باحثين يصنعون معرفة جديدة ومواطنين يفهمون التحولات الكبرى ويشاركون في إدارتها. 

ولا تكتمل قيمة الفرصة الجامعية من دون وعي الطالب بحسن اختيارها ولذلك يحتاج اختيار التخصص إلى قدر من الوعي يتجاوز الانجذاب إلى أسماء التخصصات الشائعة أو البحث عن أقصر طريق إلى وظيفة. على الطالب وأسرته أن يوازنا بين الميول والقدرات وحاجة المجتمع والتحولات التي يشهدها الاقتصاد، وأن يسألا عن محتوى البرنامج وجودته وفرص التدريب والبحث فيه، فهذا الاختيار قد يحدد مسار سنوات طويلة، والقرار الواعي يبدأ بمعرفة الذات ومعرفة المؤسسة معًا. 

يوم النتائج مناسبة للفرح، وهو أيضا لحظة مراجعة وطنية.. نجاح الطلبة يفتح لهم أبواب الجامعات وجودة الجامعات هي التي تفتح للوطن أبواب المستقبل، وبين البابين مسؤولية مشتركة: دولة توفر الفرصة وتراقب جودتها ومؤسسات تصنع بيئة علمية حقيقية وطلبة يدركون أن سنوات الجامعة مرحلة لتكوين العقل الذي سيحمل مسؤولية عُمان في العقود المقبلة.