أكثر من 5 آلاف حالة وفاة. هذا ما نشرته رويترز في التاسع من هذا الشهر في إحصاء لضحايا موجة الحر في ألمانيا. في أحد النهارات كانت درجة الحرارة في برلين تتجاوز مسقط. وتوقعات بموجة أخرى قادمة هذا الأسبوع. 

اجتاحت موجة الحر- التي تسببت بهذا العدد الهائل من الضحايا - أوروبا في الفترة من 20 إلى 28 يونيو. ومع كل موجة حر، يحتد النقاش حول ما إذا كانت الحكومة الألمانية تتخذ ما يكفي من سياسات، وتخصص ما يكفي من ميزانيات لمجابهة التغير المناخي، لاسيما وأن البلاد تسعى للوصول إلى الحياد المناخي بحلول 2045. مع هذا، فقد سحبت مليارات اليوروهات من مخصصات حماية المناخ لسد العجز في ميزانية 2027. 

علا صوت العاملين في القطاع الصحي وقطاع الرعاية، فمعظم الضحايا (أكثر من 4 آلاف) هم ممن تتجاوز أعمارهم 75 سنة. معظم المستشفيات الألمانية تفتقر للتكييف، حتى في غرف العمليات وغرف العناية المركزة، والحال نفسه في دور العجزة. 

ثمة شهادات من طواقم الجراحة تصف تعرقهم أثناء العمليات، في بيئة يُفترض أن تكون شديدة النظافة والتعقيم، ومرضى مخدرون تضطر أجسادهم للتعامل مع درجات الحرارة العالية وهم في ذلك الوضع الحرج. 

يفرض الواقع معضلة صعبة. 

من جهة، تفرض الأزمة اتخاذ إجراءات تكبح التغير المناخي، ولأن التغير المناخي واقع بالفعل، والحرارة في ازدياد، يضطر الناس إلى اللجوء للمكيفات على نحو يُفاقم المشكلة. خصوصاً مؤسسات الرعاية والبيوت التي تحتوي أفرادا من الفئات الهشة: الأطفال الصغار، المسنون، والمرضى. 

لماذا لا يعبأ العالم بما يكفي بالتغير المناخي، ونحن نشهد آثاره؟ 

وفق خدمة «كوبرنيكوس» لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي، فإن يونيو هذه السنة هو الأشد حرارة على الإطلاق في أوروبا الغربية. 

يُدرك العالم أننا عالقون في دائرة مفرغة، فارتفاع درجات الحرارة يدفعنا للتبريد، التبريد يؤدي لرفع الحرارة أكثر، ولا يبدو أن هناك أي نوايا جادة لإيجاد حلول جذرية لا تضاعف المشكلة. 

فقد هُجرت الطرق والمعارف التقليدية لتبريد البيوت والأحياء. واليوم، يذهب 10٪ من استهلاك الطاقة الكهربائية العالمي لصالح تبريد المباني. 

لا يستطيع الجميع تحمل تكاليف التكييف؛ ولأن المكيفات تؤدي لرفع الحرارة في المناطق المحيطة، يعني هذا أن الذين لا يستطيعون التبريد يعانون فوق ذلك من تسبب القادرين عليه في تسخين محيطهم. 

في سياق العدالة المناخية، يقترح الخبراء أن نُقارب المسألة عبر تبريد الخارج لا الداخل، أي أن نبدأ في التفكير أولاً بتبريد المناطق الحضرية لا البيوت، نعني المشاعات العامة التي يستخدمها ويستفيد منها الجميع، وذلك عبر زيادة المساحات الخضراء. 

تُعرف مدينة ميديجين الكولومبية بأنها مدينة الربيع الأبدي، غير أن الحياة الحضرية، وحقيقة أن الطرق والمباني الإسمنتية تمتص وتحتفظ بالحرارة هدد ربيع المدينة. استجابت الحكومة المحلية مع ارتفاع الحرارة وتدني جودة الهواء بالتشجير. 

وبالفعل نجحت المدينة في خفض الحرارة بمعدل درجتين خلال ثلاث سنوات فقط عبر ردهاتها الخضراء. 

وتشير التوقعات إلى أنها قد تخفض درجات الحرارة حتى خمس درجات خلال العقود المقبلة. 

المعمار هو جانب آخر من وسائل التبريد الطبيعية. إن مجرد طلاء البيوت بالأبيض قد يخفض الحرارة من درجتين إلى خمس درجات. 

ملاقف الهواء، أو البراجيل (أبراج متصلة بالمباني تستخدم للتهوية والتبريد) تنجح في خفض الحرارة حتى 10 درجات. 

تقنية وظفتها جامعة قطر في تصميمها المعماري. 

وجميعنا يعلم عن تقنيات التبريد في العمارة العمانية، وعن الفارق الذي يصنعه استخدام الطين بدل الإسمنت كمادة أساسية في البناء على تبريد المباني. 

غير أن مبادرات توظيف المعارف والتقنيات التقليدية في التبريد تبدو كاستثناء، كعمل تجريبي، ولا تنجح في أن تُطبق على نحو تجاري واسع. 

مشاريع التعمير اليوم تنسخ نموذجاً واحداً للبناء: أدوار للسماء وواجهات زجاجية؛ إنه يسمح بدخول الضوء، ويمنح إطلالات أجمل. 

الزجاج ببساطة يحول أي غرفة تتعرض للشمس إلى فرن، مع هذا فثمة إصرار على استخدامه، وهو يُرى كنموذج عصري: هذا ما يجب أن تكون عليه المدن، ونادراً ما يتم تحدي هذا النموذج المعماري. كشخص قادم من بلاد تلتهب صيفاً، ما تزال مقاومة الحرارة هنا في برلين - بالرغم من غياب التكييف - أمرًا مقدورا عليه بفضل الشوارع المشجرة، المساحات المائية، وربما أيضاً طقسانية موجات الحر، فلأن الحر المتطرف لا يستمر إلا أياماً كل صيف، تُصبح موجات الحر مناسبة. 

لا يتحدث الناس خلال موجات الحر إلا عنها وعن النجاة منها. يُخططون يومهم بحيث يقضونه قرب البحيرات والمسابح وتحت أشجار الحدائق والغابات. 

يتسامح أرباب العمل (إن كنت محظوظاً) مع انخفاض الإنتاجية، بل أن تنظيمات السلامة تُحتم على صاحب العمل (حتى العمل المكتبي) أن يوفر وسائل تبريد، أو يوقف العمل تماماً. 

لكن ثقافة العمل اليوم تقدم العمل تحت أي ظرف على خيار أن يتوقف الإنتاج لفترة مقابل حفظ الطاقة أو حماية الكوكب. إنها تفصلنا عن الطبيعة، وتمنعنا من التفاعل معها، فالضوء موجود طوال الليل، والجو مكيف للعمل حتى في أشد ساعات الظهيرة. 

من المؤسف أن كل المعارف، وكل التقنيات الطبيعية للتبريد لا تهمل فحسب، بل أنها تضيع من يدنا، وذلك لصالح كفاءة خط الإنتاج الذي يرى في الإبداع عدواً له. 

نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم