تعال نحرق الأدب وكل الفنون. لنفعل ذلك، ما المشكلة؟ لا أقصد طبعًا «الحرق» الذي هو بالنار، إنما الحرق الذي يعرّفه قاموس ويبستر بأنه «معلومات تتعلق بحبكة فيلم أو برنامج تلفزيوني، من شأنها أن تفسد على المشاهد عنصر المفاجأة أو التشويق». لماذا لا نعترف بمتعة نجدها رغم الحرق؟ ومن تجاهل أن جزءًا من التشويق هو أن تكتشف كيف حدث ما تعرفه؟ ليست المتعة دائمًا في أن تكتشف ما لا تعرفه. يحاول هذا المقال الدفاع العلني عن شرعية «الحرق» الفني، دون أن يكون ذلك وصمة. 

في الأسابيع الماضية شرفت بحضور ندوة لإطلاق رواية فلت لسان مقدمها فأعلن وفاة إحدى الشخصيات، مما استجلب أصوات السخط من الجمهور. ولم تكن تلك هي المرة الأولى مع هذا المشهد. وطالما سمعت هذه الاتهامات بحرق عمل فني، حتى راسلني بعض الأصدقاء محتجين على نقاش تلفزيوني لروايتي الأخيرة رأوا أنه أفسد عليهم العمل بحرق نهايته. أزعم أن جزءًا من انتشار هذا المزاج العام سببه عدم اعتياد الناس الدفاع عن الحرق. وذلك أمر أجده في أعين المستمعين عادة حين أبرر لماذا لا يزعجني هذا التصرف، بل أجده في أحيان أخرى ممتعًا. 

تبدأ حججي بالاعتراف الشخصي، أنني في عهد الطفولة عندما كانت قمة الثقافة أن تقرأ للعبقري المؤثر محمود سالم ألغاز مغامريه الخمسة (التي طبعت كل الكتب ذات القطع الصغير الموجهة لليافعين والشباب باسم اللغز) أو مترجمات لما يفترض أنه روايات لأجاثا كريستي. وتعتمد الأخيرة ذات الحبكة المعقدة واللغة المترجمة المركبّة بغلظة وغير المعتادة مقارنة بكتابات محمود سالم وصحبه من منشورات دار المعارف المصرية على عنصر الكشف المفاجئ للجاني في نهاية الرواية. يحدث ذلك عادة بعد مونولوج مسرحي طويل يؤديه المفتش هيركيول بوارو (أو نحوه في غيرها من روايات الجريمة) لنكتشف أن القاتل هو فلان بعد أن شككنا تقريبًا في كل الأسماء. كنت طفلًا في العاشرة أو نحوها عندما كنت أقرأ بداية الكتاب لأفهم القصة والشخصيات و«الجو العام»، فأعرف أنها جريمة قتل اللورد فلان، والمتهمون هم وريثه الوحيد وخطيبته وابنة الجنايني وضيف وزوجته وابنهما، وطبعًا رئيس الخدم. ثم أقفز مباشرة إلى الصفحات الأخيرة لأعرف من هو القاتل، وأرجع بعدها متمهلًا لأتذوق حلاوة كيف تنسج الرواية الوهم وتشتت الانتباه عن المجرم وتضع أمامك الأدلة وسط كوم من الإشارات غير المهمة. الآن ترى الشبكة واضحة وهي تنسج أمامك، والمتعة لا تختلف عن متعة الكشف الذي طال انتظاره، بل أزعم أنها تزيد؛ فالآخر، ولا أقصد تبخيسه، قد يعتريه عامل خيبة الأمل بعد تشويق طويل، فتأتي النهاية متعجلة مرتبكة كأنما أدركها الفجر في مكان مشبوه. وذلك أمر، أزعم، أنه يغيب عن المعرفة المسبقة بالنهاية، إذ تجد متعتك في تفاصيل الوصول إليها أيا كانت، وقليل ما تفسدها قفزات غير منطقية، وإن وجدت فأنت لم تخسر لأنك عرفت البداية والنهاية والأخطاء، فلماذا تصرّ على إكمال عمل فيه ثغرات؟ 

إحدى حججي الأخرى (التي يفيض بها كمي، وجمعتها على تردد خشية بطش المزاج العام) هي واحدة من الروايات «التي تحمل مكانة رفيعة» حسب وصف سلمان رشدي، وهي «قصة موت معلن» لجابرييل جارسيا ماركيز. 

تبدأ الرواية المذهلة بجملة واضحة: «في اليوم الذي كانوا سيقتلونه فيه، استيقظ سانتياغو نصار في الساعة الخامسة والنصف صباحًا..» (ترجمة: صالح علماني). نعرف الآن، منذ صافرة البداية، أن سانتياغو نصار سيقتل. إن لم تكن قرأت الرواية ولا تعرف ذلك، فأنا الآن أخبرك: سانتياغو نصار سيقتل في ذلك اليوم. رغم ذلك تحتفظ الرواية (ذات الصبغة البوليسية) «بشاعرية جمالية غريبة لافتة» وتقدم تحقيقًا «يستنطق جوهر القدر وكنهه»، وما بين علامات الاقتباس من مقال سلمان رشدي عن الرواية في صحيفة نيويورك تايمز 1983. لا يفقد القارئ متعته لحظة واحدة طوال الرواية القصيرة، ويظل مشهد مقتل سانتياغو نصار (ها أنا أؤكد لك أن سانتياغو نصار قد قتل) من أكثر المشاهد صدمة في الأدب الحديث. أنت تعرف أنه قادم، أنت تخشى أنه قادم، أنت تراه قادمًا، أنت تتمنى ألا يصل، لكنه يحدث. من قرر أن هذا ليس ممتعًا؟ فليقرأ قصة موت معلن، ثم نتحدث. 

أنواع نادرة من الفنون، وربما علينا أن نعترف أيضًا أن معها قطاعًا من الجمهور وليس كلهم، تحتاج منك وتحب الجهل التام، أو تعتمد كلية على المفاجأة التي تقلب كل شيء رأسًا على عقب. لعل النموذج الأشهر لذلك مسرحية «مصيدة الفئران» لأجاثا كريستي التي اشتهرت كأطول مسرحية مستمرة العرض في التاريخ، وكان أحد الممثلين يخرج في نهاية العرض ليطلب من المشاهدين الحفاظ على السر، وعدم «حرق» المسرحية بالكشف لغيرهم عن القاتل. ورغم حلاوة المفاجأة في نهاية المسرحية (التي كتبت في البداية كمسرحية إذاعية استجابة لإعجاب الملكة ماري بأعمال كريستي) إلا أنني شخصيًا لا أجد فارقًا كبيرًا بين دهشة المفاجأة في النهاية وبين المعرفة المسبقة بأن «...» هو القاتل؟ (فلندع لكارهي الحرق شيئًا هنا). وقد قرأت القصة المترجمة، المأخوذة عن المسرحية الإذاعية وتحولت إلى عرض مسرحي طويل دون معرفة مسبقة بالقاتل، لكني قرأتها مرة أخرى بعد ذلك ووجدت المتعة. وتلك حجة أخرى، ليست التجربة الشخصية ولكن ما أزعم أن الملايين اختبروه. 

كتب شكسبير مسرحياته في أوائل القرن السابع عشر، فمن يزعم اليوم أن معرفة نهاية أي من مسرحياته يجعلها غير ممتعة؟ من يزعم أن إعادة قراءة عمل أو مشاهدته تنفي المتعة؟ ذلك قارئ لا يقرأ إلا كل جديد، لا أدري هل أحسده أم أرثي له. هل قرأت أو شاهدت عملًا تاريخيًا من قبل؟ هل تنتظر فيلم «الأوديسة» لنولان غدًا؟ هل تتوقع أن ينجو أخيل هذه المرة؟ هل فوجئت بمقتل حمزة بن عبد المطلب في فيلم الرسالة؟ هل تفقد لوحات مايكل أنجلو روعتها بعد رؤيتها أول مرة؟ هل يؤذيك معرفة أن أحمد عبدالجواد سيموت بعد أن تكمل قراءة الجزء الأول من الثلاثية؟ 

هل ينكر العالم أن الروايات الناجحة حين تتحول إلى أفلام تجذب جمهور القراء وتحقق نجاحات؟ أليس هذا اعترافًا بأن الحرق لا يؤثر على متعة أخرى مثل مشاهدة ما تخيلته من قبل؟ 

لا يزعم هذا المقال أن الحرق في المطلق لا يؤثر على أي عمل فني، ولا يدعو لتعميمه وإجبار الناس عليه، لكنه يزعم أن هناك متعًا أخرى أرحب وأنضر مقامًا من تلهف المعرفة ودهشة الكشف، مثل متعة تذوق ما تحب وتعرف، ومتعة إعادة اكتشاف تفاصيل ما تظن أنك تعرف. لا تطلب هذه الكتابة إلا الاعتراف بحقنا في الوجود تحت شمس الأدب، نحن من لا يؤذينا الحرق، بل لعله يسعدنا. 

كان الأقدمون إذا اختلفوا في المذاهب الدينية قالوا: بيننا وبينكم الجنائز. 

فربما بيننا وبين المنكرين قراءة قصة موت معلن، أو أي عمل تاريخي، أو لو امتلكوا البال الرائق: إعادة مشاهدة مسلسل لن أعيش في جلباب أبي. 

حمور زيادة كاتب صحفي وروائي سوداني