«عمان»: بالرغم من زخم الأحاديث المتفائلة حول الاقتصاد الرقمي وما يرتبط به من قطاعات قائمة على التكنولوجيا والخدمات الافتراضية، لا تزال الصناعة تمثل، وفق الخبراء، أكثر القطاعات قدرة على إحداث التحول الاقتصادي، فمنذ الثورة الصناعية وحتى اليوم ارتبطت فترات النمو الكبرى بتوسع النشاط الصناعي الذي يسهم بشكل فاعل في رفع الإنتاجية، وتنويع الاقتصادات، وخلق الوظائف، وتعزيز الصادرات، ونقل التكنولوجيا. وحين نتحدث عن الصناعة، فلا نعني أثر التصنيع على إنتاج السلع فقط، ولكن قدرتها على بناء منظومة اقتصادية كاملة تتشابك فيها الخدمات اللوجستية، والتمويل، والبحث العلمي، والنقل، والتعليم، والابتكار، بما يحولها إلى نقطة الارتكاز التي تدور حولها بقية القطاعات.
وتؤكد الأرقام والمؤشرات، وفقًا لتقرير التنمية الصناعية لعام 2026، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، حجم دور الصناعة بصورة لافتة، إذ يستحوذ قطاع التصنيع على 53% من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير، بينما تمتلك الشركات الصناعية 60% من براءات الاختراع الخضراء المسجلة عالميًا خلال عام 2023، كما أن كل فرصة عمل صناعية تولد أكثر من وظيفتين إضافيتين في بقية الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يفسر الأثر المضاعف للاستثمار الصناعي على الاقتصاد الوطني. وليس من المستغرب، في ضوء ذلك، أن يكون التصنيع قد أسهم في نحو 64% من النمو الاقتصادي العالمي خلال الخمسين عامًا الماضية، ليبقى القطاع الأكثر قدرة على قيادة التحولات الاقتصادية طويلة الأجل.
غير أن الصناعة التي يتحدث عنها العالم اليوم ليست هي صناعة القرن العشرين، فالتحدي لم يعد زيادة عدد المصانع أو حجم الإنتاج فحسب، بل بناء صناعة قادرة على المنافسة في اقتصاد منخفض الكربون، يعتمد على الابتكار والرقمنة والذكاء الاصطناعي، ويحقق في الوقت نفسه كفاءة استخدام الموارد والاستدامة البيئية. لذلك، أصبح نجاح السياسات الصناعية يقاس بقدرتها على الجمع بين النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والتحول الأخضر، وليس بمعدلات الإنتاج وحدها.
ويحتل الذكاء الاصطناعي -بلا شك- موقعًا محوريًا في هذا التحول، فبعد أن كان يُنظر إليه بوصفه تقنية متخصصة في قطاع البرمجيات، أصبح اليوم من التقنيات العامة التي تشبه في تأثيرها الكهرباء أو الإنترنت، نظرًا إلى قدرتها على إحداث تحولات في مختلف القطاعات الاقتصادية. ووفقًا لآراء الخبراء الواردة في تقرير التنمية الصناعية، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تطوير منتجات جديدة، بل أصبح أداة لرفع إنتاجية القطاعات القائمة أيضًا. فمن خلال تحليل البيانات الصناعية الضخمة، والتعلم المستمر، ونماذج اللغة الكبيرة، باتت الأنظمة الصناعية أكثر قدرة على تحسين جودة المنتجات، وتقليل الفاقد، وخفض تكاليف الإنتاج، وتسريع عمليات الابتكار. كما تشير التقديرات إلى أن الانتشار الواسع لهذه التقنيات يمكن أن يسهم إيجابًا في تحقيق 79% من أهداف التنمية المستدامة، سواء عبر تحسين كفاءة استخدام الموارد، أو تقليل الانبعاثات، أو تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، أو تعزيز الإنتاجية الاقتصادية.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل الوجه الأبرز للتحول الصناعي، فإن التحول في قطاع الطاقة يمثل الوجه الآخر لهذه المرحلة.
فالصناعة الحديثة لم تعد مطالبة بزيادة الإنتاج فقط، وإنما بإعادة النظر في الطريقة التي تُنتج بها، ومصادر الطاقة التي تعتمد عليها، والأثر البيئي الذي تتركه، فلم يعد الانتقال نحو الطاقة النظيفة خيارًا مرتبطًا بالسياسات البيئية وحدها وأصبح ضرورة اقتصادية وصناعية تمليها اعتبارات التنافسية والأسواق والاستثمار ولهذا، تشهد السياسات الصناعية في مختلف دول العالم تحولًا متسارعًا نحو بناء صناعات منخفضة الانبعاثات، وتطوير تقنيات قادرة على تحقيق النمو الاقتصادي دون زيادة البصمة الكربونية.
وتشير التقديرات إلى أن تحقيق هدف حصر ارتفاع درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية يتطلب خفض الانبعاثات العالمية بنسبة 43% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 2019، مع الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050. غير أن المسار الحالي لا يزال بعيدًا عن هذه الأهداف، حيث تشير السيناريوهات إلى أن العالم يتجه نحو ارتفاع في متوسط درجة الحرارة يبلغ نحو 2.3 درجة مئوية، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الالتزامات المناخية والواقع الفعلي.
ورغم التحول نحو الطاقة المتجددة، فإن الطلب العالمي على الطاقة سيواصل الارتفاع خلال العقود المقبلة مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع الصناعي. فمن المتوقع أن يرتفع إجمالي الطلب العالمي على الطاقة من نحو 98 مليار برميل مكافئ نفطي في عام 2025 إلى ما يقارب 134 مليار برميل مكافئ نفطي بحلول عام 2050، وهو ما يعني أن العالم لن يحتاج إلى طاقة أقل، بل إلى طاقة أكثر نظافة وكفاءة. وفي المقابل، يُتوقع أن ترتفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في الاستهلاك النهائي للطاقة من 8% في عام 2025 إلى نحو 31% بحلول عام 2050، وهو تحول يعكس إعادة هيكلة تدريجية لمنظومة الطاقة العالمية أكثر مما يعكس استبدالًا كاملًا للوقود التقليدي.
وفي قلب هذا التحول يبرز الهيدروجين منخفض الانبعاثات بوصفه أحد أكثر الخيارات الواعدة للصناعات الثقيلة التي يصعب إزالة الكربون منها، مثل صناعات الحديد والصلب، والإسمنت، والكيماويات، والنقل البحري والجوي. وتشير التقديرات إلى أن الهيدروجين منخفض الانبعاثات قد يوفر نحو 14% من إجمالي استهلاك الطاقة النهائي عالميًا بحلول عام 2050، وهو ما يجعله عنصرًا رئيسًا في الاستراتيجية العالمية لتحقيق الحياد الكربوني، وليس مجرد مصدر جديد للطاقة.
لكن الانتقال إلى اقتصاد صناعي أكثر استدامة لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط أيضًا بتوزيع القدرات الصناعية بين الدول. فخلال العقود الماضية، لم تتطور الصناعة بالسرعة نفسها في جميع أنحاء العالم. ففي الوقت الذي نجحت فيه اقتصادات عديدة في آسيا في توسيع قواعدها الصناعية والانتقال تدريجيًا إلى الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، شهدت مناطق أخرى، ولا سيما أجزاء من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، تباطؤًا في النمو الصناعي، بل واجهت بعض الاقتصادات ظاهرة إزالة التصنيع قبل أن تتمكن من استكمال مراحل التنمية الصناعية التقليدية.
ومن هنا، لم يعد قياس القوة الصناعية يعتمد على عدد المصانع أو حجم الإنتاج وحده، بل أصبح يقاس أيضًا بقدرة الاقتصاد على إنتاج المعرفة، وتطوير التقنيات، وامتلاك سلاسل الإمداد، والتحكم في الصناعات المستقبلية. ولذلك، يشهد العالم اليوم سباقًا متسارعًا للاستثمار في أشباه الموصلات، والبطاريات، والهيدروجين الأخضر، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الاقتصاد الدائري، باعتبارها الصناعات التي ستحدد موازين القوة الاقتصادية خلال العقود المقبلة.
ولهذا، فإن مستقبل الصناعة لن يُحسم فقط داخل خطوط الإنتاج، بل في المختبرات، والجامعات، ومراكز الابتكار، والسياسات الحكومية القادرة على بناء منظومات اقتصادية مرنة تستجيب للتحولات العالمية فالدول التي ستنجح في العقود القادمة لن تكون بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر الموارد الطبيعية، وإنما تلك التي تستطيع تحويل المعرفة إلى إنتاج، والابتكار إلى صناعة، والصناعة إلى مصدر دائم للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وفي هذا السياق، تصبح السياسة الصناعية أكثر من مجرد سياسة اقتصادية؛ إنها رؤية متكاملة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس قادرة على مواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.
**media[3453644,3453646]**