علياء بنت سعيد السعيدي
في مقالات سابقة تناولتُ أوضاع قطاع الطاقة في كل من العراق وفنزويلا من زاويتين مختلفتين ركزت الأولى على أثر الفساد وضعف البنية الأساسية في تعطيل استثمار الموارد، وتناولت الثانية كيف أعادت العقوبات الدولية تشكيل السيطرة على النفط الفنزويلي، وبين هاتين التجربتين برزت فكرة تستحق التوقف عندها، وهي أن فقدان السيادة على المورد لا يتطلب بالضرورة تدخلًا خارجيًا، ومن هنا تنطلق هذه المقالة لتضع العراق وفنزويلا في مواجهة تحليلية مباشرة «دولة تكبلها العقوبات، وأخرى يستنزفها الفساد» لإظهار كيف يمكن لمسارين مختلفين أن يقودا إلى النتيجة البنيوية ذاتها.
تبدأ القصة في عام 2019 حين فرضت الولايات المتحدة عقوباتها المباشرة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، فانكسر خط الإنتاج عن خط البيع، وصار النفط يخرج من الأرض دون أن يجد طريقًا حرًا إلى السوق العالمية، واستمر هذا الانسداد ست سنوات، وهو المشهد الذي دفعني في نوفمبر 2025 إلى نشر مقالي الأول «الطاقة في زمن الاضطراب» مستشرفًا أن العراق على الجانب الآخر من الخريطة يخفي بين أزماته الداخلية مفتاح تعافٍ محتمل شريطة تفكيك عقدتي الفساد وتهالك البنية الأساسية.
ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى بدأت الأحداث تتسارع بصورة لافتة؛ ففي 3 يناير 2026 نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتسليم السلطة المؤقتة إلى نائبته دلسي رودريغيز. وبعد عشرة أيام فقط نشرتُ مقالي الثاني «سوق النفط... حالة من التوازن المصطنع» أتساءل فيه عما إذا كان سقوط الرجل يعني انهيار المنظومة التي حبست النفط الفنزويلي طوال سنوات العقوبات، أم أن الآلية نفسها ستبقى قائمة بأدوات مختلفة؟وما تلا ذلك بدا وكأنه اختبار عملي لهذه الفرضية؛ ففي 29 يناير 2026 منحت الحكومة الفنزويلية المؤقتة الشركات الخاصة صلاحيات أوسع في الإنتاج والتصدير بما أوحى بأن كاراكاس تستعيد تدريجيًا زمام قطاعها النفطي، لكن بعد شهر واحد فقط تحديدًا في 28 فبراير انفجرت أزمة الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل إيران، واضطربت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز إلى حدٍّ قارب التوقف الكامل في تجسيد عملي لما حذرت منه في المقال الأول: أن الصراع الحقيقي لا يدور حول امتلاك الطاقة، بل حول التحكم في تدفقها.
ثم جاءت الحلقة الأكثر دلالة في 10 يونيو 2026 عندما أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) تراخيص جديدة لتنظيم تداول النفط الفنزويلي غير أن العائدات لم تعد إلى كاراكاس، بل وُجهت إلى حسابات خاضعة لرقابة أمريكية مباشرة لتُغلق دائرة العقوبات شكليًا، بينما يُعاد إنتاجها عمليًا في صورة جديدة تلاشت معها السيادة الاقتصادية.
وبعد ثمانية عشر يومًا فقط في 28 يونيو 2026 وصلت القصة إلى العراق، ولكن من بوابة مختلفة تمامًا؛ فقد أطلقت بغداد حملة اعتقالات واسعة طالت مفاصل الفساد في وزارتي النفط والكهرباء عقب اعترافات وكيل وزارة ضُبطت بحوزته ثروة طائلة مخبأة تحت أرضية منزله. لم تكن هناك عقوبات خارجية هذه المرة، بل دولة تواجه خصمًا نشأ في داخلها.
وهكذا، بين فنزويلا والعراق، تتكشف رواية واحدة بمسارين مختلفين، ففي الحالة الأولى صاغت العقوبات الخارجية نظاما تُدار فيه الثروة من خارج حدود الدولة وفي الثانية أدى الفساد الداخلي إلى النتيجة ذاتها إذ تآكلت قدرة الدولة على إدارة مواردها بنفسها. اختلفت الأدوات، لكن النتيجة بقيت واحدة وهي: حين تفقد الدولة السيطرة على موردها الاستراتيجي، تتراجع سيادتها، سواء جاء التهديد من الخارج أم نشأ من الداخل.
فنزويلا.. حين تتحول العقوبات إلى وسيط دائم
تمتلك فنزويلا أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، المتركزة في حزام أورينوكو الغني بالنفط الثقيل، لكن منذ عام 2019 ومع فرض الولايات المتحدة عقوباتها على شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، تحولت معادلة النفط من مسألة جيولوجية وتقنية إلى معضلة سياسية بامتياز، فلم تعد الأزمة في وفرة الخام أو القدرة على استخراجه، بل في القدرة على تسويقه وتحصيل عوائده بصورة طبيعية.
وخلال سنوات العقوبات لم يتوقف تدفق النفط، بل تغيّرت فقط القنوات التي يعبر من خلالها، فقد اعتمدت فنزويلا على مسارين رئيسيين للالتفاف على العقوبات تمثل الأول في تراخيص محدودة مُنحت لشركة Chevron، استُخدمت أساسا لتسوية ديون سابقة بدلا من توجيه العائدات إلى خزينة الدولة، أما الثاني فتمثل في الأسواق الرمادية؛ حيث كانت PDVSA تصرّف جزءا من إنتاجها إلى الصين عبر وسطاء سريين وبخصومات كبيرة. وفي الحالتين، ظل النفط يتدفق، لكن السيادة على عملية بيعه، كما عوائده، بقيت بعيدة عن يد الدولة المنتجة.
وجاء التحول الأكثر جذرية في 3 يناير 2026، عندما نفذت الولايات المتحدة تدخلا عسكريا انتهى باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك لمواجهة تهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، ورغم أن الحكومة المؤقتة أقرت لاحقا قوانين منحت القطاع الخاص مرونة أكبر، وتبعتها في يونيو 2026 تراخيص أمريكية جديدة لتنظيم تجارة النفط الفنزويلي فإن ما بدا تحررا للقطاع النفطي لم يكن في جوهره استعادة للسيادة الفنزويلية، فقد انتقلت عملية البيع والتسويق إلى آلية جديدة تشرف عليها واشنطن بينما أُودعت العائدات في حسابات خاضعة لرقابتها المباشرة، وهكذا سقط النظام الذي كان يُحمَّل مسؤولية الأزمة لكن البنية التي قيّدت القرار النفطي الفنزويلي بقيت قائمة، بل أصبحت أكثر وضوحا ورسوخا.
العراق.. حين يكون الخصم من الداخل
في المقابل يمثل العراق الحالة المعاكسة تماما لفنزويلا فلا عقوبات دولية تخنق قطاعه النفطي، ولا حصار يحول دون تسويق إنتاجه بحرية؛ حيث يمتلك العراق خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، كما يملك قدرة كامنة على تجاوز عتبة سبعة ملايين برميل يوميا ومع ذلك يبقى جزء كبير من هذه الثروة معطلا، لا بسبب قيد خارجي بل بفعل فساد بنيوي، وتجذر شبكات المصالح وسوء الإدارة.
وتكمن خطورة هذا النمط من التعطيل في أنه لا يحمل عنوانا دوليا واضحا يمكن تحميله المسؤولية، كما هو الحال في العقوبات، بل يتوزع داخل شبكة محلية معقدة تتداخل فيها السياسة بالإدارة والمال، بحيث يصبح استنزاف المورد جزءا من آلية عمل الدولة نفسها.
وكانت أحداث فجر الأحد 28 يونيو 2026 قد كشفت حجم هذه الشبكة، ففي واحدة من أوسع الحملات الأمنية في تاريخ العراق الحديث أغلقت القوات الأمنية مداخل المنطقة الخضراء، ونفذت مداهمات واسعة طالت مؤسسات وشخصيات رفيعة، وانتهت إلى توقيف أكثر من خمسين شخصا، بينهم اثنا عشر نائبا حاليا في البرلمان، إضافة إلى عدد من كبار المسؤولين والمحافظين السابقين. وجاءت الحملة عقب اعترافات وكيل وزارة النفط السابق، عدنان الجميلي، الذي ضُبطت بحوزته أكثر من 85 مليون دولار نقدا، إلى جانب أصول عقارية ضخمة، كان جزء كبير منها مخبأ تحت أرضية منزله وفي مزارع ومخازن مهجورة، ولم تتوقف التحقيقات عند هذه القضية وامتدت إلى وكيل وزارة النفط علي معارج البهادلي، المدرج على قوائم العقوبات الأمريكية (OFAC) بتهمة الإشراف على عمليات تهريب وخلط النفط الإيراني بالعراقي، كما شملت مدير شركة كهرباء وسط العراق علاء سمير، بعد ضبط نحو 76 مليار دينار عراقي في مزرعة خاصة تعود إليه.
ومع اتساع التحقيقات تحدثت التقارير عن ملفات تشمل تهريب الدولار وتمويل فصائل مسلحة بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، وهو ما دفع مجلس القضاء الأعلى إلى إصدار قرارات بحجز عقارات ومركبات ومصوغات ذهبية ضمن أكبر ملفات الفساد المالي المرتبطة بقطاعي الطاقة والمال، وربط مراقبون توقيت هذه الحملة بزيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي المرتقبة إلى واشنطن في منتصف يوليو 2026، في ظل ضغوط أمريكية لإصلاح قطاعي الطاقة والمال غير أن أهمية هذه الوقائع لا تكمن في توقيتها السياسي بقدر ما تكمن في دلالتها البنيوية فهي تكشف أن غياب العقوبات لا يعني بالضرورة حضور السيادة الاقتصادية. فالثروة النفطية تتدفق إلى الأسواق العالمية، لكن جزءا معتبرا من قيمتها يتبدد داخل شبكات الفساد قبل أن يصل إلى خزينة الدولة.
الانهيار ذاته... من مسارين مختلفين
عند وضع التجربتين جنبا إلى جنب، يتضح أن الاختلاف يكمن في الوسيلة لا في النتيجة، ففي فنزويلا يفصل قيد خارجي الدولة عن عوائد مواردها، بينما يحقق الفساد في العراق الفصل نفسه من الداخل وفي الحالتين، لا تتمثل الأزمة في ندرة المورد بل في العجز عن تحويله إلى سيادة اقتصادية حقيقية تنعكس على التنمية والبنية الأساسية وبناء الدولة.
ومع ذلك، يبقى بين الحالتين فارق جوهري في ديناميكية الإصلاح، ففنزويلا لا تملك وحدها قرار إنهاء الوصاية المفروضة على قطاعها النفطي بعدما أصبح جزء كبير من هذا القرار مرتبطا بتوازنات جيوسياسية دولية، أما العراق فيمتلك –نظريا على الأقل– أدوات الخروج من أزمته عبر قضاء مستقل ومؤسسات أكثر شفافية وإرادة سياسية تتجاوز المعالجات الموسمية ومن هنا ينبع مبرر التفاؤل الحذر فما يصنعه الداخل يمكن، من حيث المبدأ، أن يعالجه الداخل أيضا.
غير أن هذا التفاؤل يظل مشروطا باستدامة الإصلاح، فالتجربة العراقية القريبة حافلة بحملات مكافحة فساد انتهت إلى التسويات أو التسييس بعد انحسار الزخم الإعلامي لذلك يبقى السؤال مفتوحا: هل تمثل هذه الحملة بداية تحول مؤسسي حقيقي يقتلع جذور الفساد، أم أنها استجابة ظرفية فرضها السياق السياسي والضغوط الخارجية؟ الإجابة لن تقدمها المؤتمرات الصحفية ولا شاشات التلفزة، بل ما ستنتهي إليه التحقيقات وأحكام القضاء.
وأخيرا، تكشف المقارنة بين العراق وفنزويلا أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يكفي لصناعة السيادة، فالدول لا تفقد السيطرة على ثرواتها فقط عندما تُفرض عليها العقوبات بل قد تفقدها أيضا عندما يُختطف قرارها الاقتصادي من الداخل، وفي الحالتين يبقى النفط يتدفق إلى الأسواق العالمية، بينما تنفصل الدولة تدريجيا عن عوائده وعن قدرتها على توظيفه في التنمية وبناء المؤسسات.
ولهذا، فإن جوهر السيادة لا يكمن في ملكية المورد وإنما في امتلاك القرار المتعلق به: قرار إنتاجه، وتسويقه، وإدارة عائداته، وتوجيهها لخدمة المجتمع. فإذا انتقل هذا القرار إلى قوة خارجية، أو استولت عليه شبكات المصالح والفساد، أصبح المورد نفسه شاهدا على تآكل سيادة الدولة، لا على قوتها. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية في أسواق الطاقة لم تعد تدور حول من يملك النفط تحت الأرض، بل حول من يملك سلطة اتخاذ القرار فوقها.
علياء بنت سعيد السعيدي متخصصة في علوم هندسة الطاقة والمعلوماتية