الجغرافيا في التاريخ البعيد والحديث كان لها كلمتها في الصراعات والحروب الإقليمية والدولية، ولا تزال الذاكرة التاريخية تحتفظ بمشاهد الصراع الخطير بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق حول خليج كوبا في عقد الستينيات، أو ما سمي آنذاك بأزمة الصواريخ، وهو الحدث الذي كاد أن يؤدي إلى حرب نووية.

هناك قناة السويس التي بسببها دارت الحرب خلال العدوان الثلاثي الفرنسي البريطاني الإسرائيلي ضد جمهورية مصر العربية، وتدخلت واشنطن وموسكو، وانتهى العدوان، وكان ذلك الحدث الاستراتيجي مقدمة لتلاشي الإمبراطورية البريطانية، كما تمت الإشارة إلى ذلك في مقال سابق.

مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وخليج عدن تتصدر المشهد السياسي الإقليمي والدولي خلال الحروب والصراعات الأخيرة، وهما حرب اليمن الكارثية التي اندلعت عام ٢٠١٥ ولا تزال آثارها وملامحها متواصلة والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران؛ حيث برزت المضايق البحرية كأوراق استراتيجية كبيرة كما هو الحال في مضيق هرمز الذي تحول إلى معركة استراتيجية كبيرة سوف تحدث تحولات في القادم من الأيام. مضيق هرمز تحديدًا كان مساره متاحًا للملاحة البحرية والتجارة، والسؤال الأساسي هو من تسبب في التصعيد وإشعال الحرب سواء حرب العشرين يومًا بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر؟ ومن الذي أشعل الحرب مجددًا يوم ٢٨ فبراير الماضي بين الأطراف مجددًا، وهي الحرب التي أدت إلى مشكلات كبيرة على صعيد الملاحة البحرية، وعلى صعيد الاستقرار والسلام في المنطقة؟

هذا سؤال مهم في تصوري. إن الكيان الصهيوني يقود كل تلك المخططات والحروب لأهداف تخدم خططه التوسعية بل إن تلك الحروب لا تخدم المصالح الأمريكية نفسها، لا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد الاستراتيجي، بل تلقت الولايات المتحدة الأمريكية الكثير من النتائج السلبية، لعل في مقدمتها فقدان هيبة الدولة الأهم في النظام الدولي الأحادي، كما فقدت ثقة الحلفاء في الناتو، وفي الخليج العربي، بعد أن فشلت واشنطن في الدفاع عن بعض تلك الدول وفق الاتفاقات العسكرية؛ بل إن الضرر الأكبر لهيبة الدولة الأمريكية هو الهجوم الإيراني المباشر على عدد من قواعدها العسكرية في المنطقة، علاوة على ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية، وتصاعد التضخم، وخروج ملايين من الشعب الأمريكي ضد الحرب.

إذن التقييم الموضوعي يقول إن الحرب في المنطقة لم تكن واقعية، وتم جر الإدارة الأمريكية إليها وفق حسابات إسرائيلية غير دقيقة، كما تشير إلى ذلك مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية علاوة على تدني شعبية الرئيس الأمريكي ترامب حسب استطلاعات قياس الرأي، كما أن الشكوك تتواصل حول فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم؛ حيث إن خسارة الحزب الجمهوري لتلك الانتخابات وسيطرة الحزب الديموقراطي على مجلسي النواب والشيوخ سوف تكون كارثة سياسية لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب، وتجعله في مواجهة أمام الديمقراطيين.

وفي ظل مواجهات الحرب الحالية بين واشنطن وطهران وفي ظل إغلاق مضيق هرمز والتهديد من قبل أنصار الله الحوثيين بإغلاق باب المندب فإن العالم سوف يكون أمام كارثة اقتصادية وتجارية على صعيد الملاحة البحرية. الدبلوماسية العمانية بذلت ـ ولا تزال ـ جهودا كبيرة على صعيد خفض التصعيد وجمع الفرقاء للتوصل إلى صيغة توافقية منها تنفيذ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي وقعت من الطرفين.

كما أن بقاء الملاحة البحرية حرة وفق القانون الدولي هو أمر لا بد من تنفيذه في ظل مناخ من الهدوء، وليس عبر شن الضربات المتبادلة.

كما أن الحرب لن تؤدي إلى تحقيق السلام، بل سوف تشعل العداء. وفي تصوري أن الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تعيد حساباتها في مسألة استخدام القوة الصلبة لتحقيق الأهداف السياسية؛ حيث إن إرادات الدول والشعوب ينبغي أن توضع في الحسبان، ويبقى الحوار العماني الإيراني هو الأساس في التوصل إلى آلية إدارة مضيق هرمز على اعتبار السيادة المشتركة.

الحرب الكارثية التي تمزق المنطقة آن لها أن تتوقف. وعلى دول مجلس التعاون الخليجي أن يكون لها كلمة فارقة حتى مع الحليف الأمريكي؛ لأن الدول الست متضررة اقتصاديا وتجاريا على صعيد سلاسل الإمداد وارتفاع التضخم.

من هنا، فإن الحفاظ على مصالح الدول الوطنية يستدعي الحوار، وهو أداة موضوعية صحيحة لأن الولايات المتحدة الأمريكية ـ في تصوري ـ أصبحت لا تعرف ما تريد من الحرب، وهي تواجه ضغوطا داخلية معقدة خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم.

لقد كان شن الحرب في المنطقة حماقة غير مسبوقة وكان المحرض الأساسي هو الكيان الصهيوني الذي يستفيد من التناقضات العربية والإسلامية ومن الخلافات، ويتحدث عن مخططات التوسع الجغرافي في المنطقة العربية والإسلامية.

إن دول المنطقة أمام مرحلة فارقة، وعليها تقييم الأوضاع ومصالحها بشكل دقيق وموضوعي، والمعركة في مضيق هرمز وربما في باب المندب سوف يكون لها تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة.

وكما أشير دوما، لا يمكن تغيير الجغرافيا؛ فحالة الحرب تفرض أمورًا غير منطقية في كثير من الأحيان؛ خاصة وأن الصراع هو بين الدولة الأقوى في العالم وبين دولة نامية شعرت في لحظة ما بأن مصيرها الوجودي مهدد وأن الجميع يستهدفها، وهذا من أخطر السلوكيات في موازين العلاقات الدولية.

من هنا، فإن الحل الأمثل والواقعي لدول المنطقة ـ بما فيها إيران والعراق ـ هو إيجاد منظومة أمنية وعلاقات تعاون ديبلوماسي وتجاري وثقافي يعيد للمنطقة تعاونها على مدى عقود من الجوار على ضفتي الخليج، وهذا قدر الجغرافيا. أما قضية التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها فإن المشهد الأخير الذي أظهرته الحرب يعطي صورة لا تحتمل الكلام أو التحليل، حيث الأضرار كبيرة ووصلت إلى الاعتداء على السيادة. إن الخطوة الأهم هي إنهاء الحرب من خلال تفعيل مذكرة التفاهم، وعودة المفاوضات، والتوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني؛ وهنا، تحدث معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية عن وجود مفاوضات معقدة لإيجاد آليات ونقاط التقاء بين الأطراف، كما أن على إدارة الرئيس الأمريكي ترامب أن تدرك بأن تحقيق الأهداف السياسية من خلال القوة العسكرية قد فشلت، والقوة الناعمة هي التي تنتصر في نهاية المطاف، وهو الأمر الذي تؤكد عليه الدبلوماسية العمانية بقيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ من خلال اتصالاته المتعددة وزياراته لدول العالم، والتي كان آخرها إلى دولة أوروبية مهمة وهي الجمهورية الفرنسية.

كما أن مسقط دوما تفتح آفاقا للحل الدبلوماسي رغم تعقيد المواقف؛ ومع ذلك، فإن منطق الدبلوماسية والحوار سوف يفرض نفسه، لأن الحروب والصراعات ليست هي الحل الأمثل لتحقيق الغايات. إن خفض التصعيد والحرص على الاستقرار والسلام هو صوت لا بد لدول المنطقة أن تبلغه لواشنطن بشكل صريح؛ فهناك خسائر كبيرة لدول المنطقة من تواصل الحرب، والخيار الأوحد هو الدبلوماسية والتفاوض كما حدث في اتفاق الملف النووي الإيراني عام ٢٠١٥ الذي كان اتفاقا جيدا، وكان بالإمكان الإبقاء عليه أو تعديل بعض بنوده وتجنيب المنطقة كارثة الحرب وعدم الاستقرار. وسوف تواصل بلادنا سلطنة عمان دورها المحوري في إيجاد آليات تؤدي إلى مواصلة الحوار وإنهاء الحرب وتنفيذ بنود مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة