لطالما ارتبط البحث العلمي بالأكاديميين والباحثين من حملة الماجستير والدكتوراة؛ إذ يمثل الأداة الفاعلة في تحويل المعارف النظرية والقضايا المجتمعية إلى حلول وأفكار واقعية مستدامة معززة لاقتصاد المعرفة، ومساهمة في تحقيق مؤشرات التنمية المستدامة. ويعمل الأكاديمي أو الباحث على اختبار الفرضيات العلمية من خلال تحليل الأدلة والبيانات المتوفرة، مستندا إلى منهجية البحث العلمي القائمة على التحقق والتدقيق. ويهدف بذلك الوصول إلى نتائج موضوعية، إما بتأكيد الفرضيات وإما رفضها، بناء على الأدلة والبراهين العلمية المتاحة.
ومع بدء تنفيذ مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، برزت أولوية البحث العلمي، فاتسع نطاقه، ومجالاته، وشغل حيزا من الاهتمام في العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة؛ الأمر الذي يؤكد مدى حرصها على تعزيز ثقافة البحث العلمي في بيئة العمل لديها.
وتعد وزارة التعليم إحدى المؤسسات الحكومية التي أولت اهتماما كبيرا بالبحث العلمي؛ ويظهر ذلك جليا في سياساتها وبرامجها المرسومة في خططها الاستراتيجية؛ فعلى مستوى التعليم المدرسي يظهر قانون التعليم المدرسي الصادر في عام 2023، وبالتحديد الفصل الخامس منه؛ إذ يتضمن ثلاث مواد، وهي: المادة (70)، والمادة (71)، والمادة (72)، وجاءت جميعها مؤكدة على أهمية البحث العلمي، وممارسته وفق الضوابط في البيئة المدرسية، وتشجيع أعضاء الهيئة التعليمية على توظيفه؛ للكشف عن الفجوات التعليمية، والبحث عن أنجع الوسائل التي يمكن تطبيقها لتحسين العملية التعليمية.
ومن زاوية مقاربة يتجلى دور برنامج البحوث الاستراتيجية في قطاع التعليم الذي تعمل عليه الوزارة منذ عام 2022م حتى الآن بالتعاون مع هيئة البحث العلمي والابتكار كأحد البرامج الداعمة لثقافة البحث العلمي؛ إذ أسهمت الوزارة في دعم وتمويل عددٍ من الأبحاث الاستراتيجية في قطاع التعليم بلغ عددها (13) بحثا استراتيجيا لدراسة أولوياتها في مجالات عدة منها: تطوير المناهج، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم، وبناء وتطوير القيادات التربوية والتعليمية، وبيئات التعلم الآمنة، وغيرها؛ ويأتي ذلك إيمانا منها بأهمية الدور المحوري الذي يسهم به البحث العلمي في كشف الواقع التعليمي، ومحاولة تصحيح ما يعتريه من تحديات وعقبات. وفي إطار تعاونها مع هيئة البحث العلمي والابتكار شاركت الوزارة أيضا في برنامج دعم النشر العلمي في ثلاث دورات متتالية بدءا من العام 2024م؛ ويستهدف هذا البرنامج الأوراق العلمية المنشورة حديثا في قواعد البيانات العالمية والدوريات المحكمة، ويتخذ التقديم في البرنامج مسارين رئيسين، هما: مسار الباحث الفرد، ومسار المؤسسة البحثية.
ومن الجهود أيضا جملة من الدراسات العلمية التي أجرتها الوزارة منذ وقت سابق مع عدد من المنظمات الإقليمية والدولية التي هدفت إلى معالجة بعض القضايا التعليمية، كالدراسة التي أُعدت بالتعاون مع البنك الدولي عام 2011م، تحت عنوان: «التعليم في عُمان: المضي قدما في تحقيق الجودة»، إلى جانب دراسات أخرى نفذتها بالتعاون مع منظمات دولية مثل: يونسكو ويونيسف وغيرهما، وهدفت في إطارها العام إلى تحسين البيئة المدرسية في موضوعات مختلفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتربية على المواطنة العالمية، والتعليم الصديق للطفل وغيرها.
وللمعهد التخصصي للتدريب المهني للمعلمين دور واضح في تعزيز استدامة البحث الإجرائي، وإجراء الدراسات الاستراتيجية، وتنظيم اللقاءات العلمية (السمنارات) لمناقشة الدراسات البحثية واستعراض نتائجها، والجدير بالذكر أن زيادة أعداد المتقدمين لبرامج الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراة) من منتسبي الوزارة ما هي إلا مؤشر يؤكد اهتمامها بالبحث العلمي.
وفي خطوة متفردة وغير مسبوقة تواصل وزارة التعليم دورها في نشر الثقافة البحثية وتعزيز الوعي بها في محافظاتها التعليمية لدى العاملين فيها من خلال تخصيص لجان خاصة بالبحث العلمي على مستوى المحافظات التعليمية، مهمتها النهوض بالحركة البحثية؛ وذلك من أجل اتباع خطوات علمية ومنهجية مدروسة لفهم واقع التعليم وتحدياته واستشراف مستقبله على خطى واضحة وعملية مدروسة.
ومن النماذج الرائدة هنا، نذكر جهود لجنة البحوث بتعليمية شمال الباطنة على سبيل المثال كأنموذج نشط وفاعل في إدارة البحث العلمي، فقد خطت اللجنة خطوات واضحة في التعريف بالبحث العلمي ونشر ثقافته بين أواسط العاملين في السلك التعليمي بالمحافظة، ونفذت المسابقات البحثية، وعززت من شراكاتها مع المؤسسات الأكاديمية من خلال زياراتها إلى جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بصحار، وهيئة البحث العلمي والابتكار الهادفة إلى تبادل الخبرات والاستفادة من الممكنات البحثية المتاحة فيها، وعقدها للملتقيات العلمية في مجال البحث العلمي.
وامتدادا لذلك تأتي المدرسة هي الأخرى كوحدة تعليمية لتشكل مرآة عاكسة لتعزيز ثقافة البحث العلمي؛ من خلال أنشطة تنفذها في ذات السياق، منها: تشجيع أعضاء الهيئة التعليمية على تنفيذ مبادرات قائمة على البحث الإجرائي في البيئة المدرسية، وتنفيذ عدد من المحاضرات والورش التعريفية بخطوات البحث العلمي، كما عززت المدرسة ثقافة البحث العلمي من خلال تطبيق بعض البرامج ذات الصلة كبرنامج «الباحث الناشئ» لدعم وتمكين الطلبة من إجراء البحوث العلمية، وبذلك فهي تمثل الحاضنة الأولى لبناء عقول المستقبل واستثمار طاقاتها.
وعلى مستوى التعليم الجامعي، يتجلى الدور المحوري للجامعات والكليات الخاصة في تعزيز ثقافة البحث العلمي من خلال؛ تدريس مقررات في مناهج البحث العلمي، ودعم الأبحاث وتمويلها، وإقامة المؤتمرات والملتقيات للبحوث العلمية، وبناء القدرات الطلبة الراغبين في الحصول على مؤهلات الماجستير والدكتوراة، وغيرها الكثير.
وعليه؛ فإننا نرى أهمية العمل على تشجيع المؤسسات التعليمية في تعزيز الشراكات البحثية مع الجهات ذات الاختصاص؛ بهدف تبادل الخبرات وتطوير الحلول المبتكرة لمواجهة التحديات التعليمية. فضلا عن توفير برامج تدريبية مستدامة لأعضاء الهيئة التعليمية والأكاديميين في مجال البحث العلمي؛ بما يسهم في بناء قدراتهم وتمكينهم من تطبيق المنهجيات البحثية الحديثة في تطوير البيئة التعليمية وتحسين جودة المخرجات، ورفع المؤشرات.
ختاما؛ إن تبني الوزارة لثقافة البحث العلمي، يمثل ركيزة أساسية للتمكين وبناء قدرات للعاملين فيها.
ولا شك أن هذه الخطى ستسهم في استدامة الإبداع والابتكار في منظومة تعليمية فاعلة لبناء اقتصاد معرفي مستدام يخدم أهداف التنمية المستدامة.
د.هدى الدايري كاتبة وباحثة عمانية