دخل مضيق هرمز خلال الأيام الماضية مرحلة تتجاوز تعطل الملاحة وتهديد السفن إلى خلاف أعمق حول القواعد التي تحكم العبور نفسه، من يقرر حق السفن في المرور؟ ومن يحدد مسارها؟ ومن يملك فرض الشروط أو الرسوم؟ ومن يتولى الحماية؟ وحين تغيب الرؤية وتصبح رهينة من يملك القوة تفقد الملاحة شروط سلامتها.

تراجعت حركة ناقلات النفط والغاز خلال الأيام الثلاثة الماضية إلى أدنى مستوياتها منذ أسابيع وأطفأت الكثير من السفن أجهزة التتبع وعادت مخاوف أسواق الطاقة مرة أخرى. وفي المجال السياسي ظهرت رؤيتان تتنازعان المضيق، في توقيت انهارت فيه الثقة بالتفاهمات المؤقتة وعادت الهجمات والردود العسكرية إلى الواجهة: إيران تتمسك بدور يمنحها سلطة أوسع في تنظيم المرور وتحديد شروطه، والولايات المتحدة تتحدث عن فرض الحماية وإدارة العبور واسترداد كلفته.

تكشف هذه اللحظة حدود الأمن الذي يمكن أن يصنعه الردع وحده، تستطيع القوة العسكرية مرافقة ناقلة تدخل إلى المضيق أو فتح ممر لفترة محدودة لكن كل هذا يرتبط ببقاء التفوق العسكري واستعداد الطرف الآخر لتجنب المواجهة.. ومع كل تبدل في الميدان أو في موازين القوى تعود القواعد إلى نقطة الصفر. أما النظام المستقر فيحتاج إلى مرجعية تسبق الأزمة وتستمر بعدها وتضع حدودا معلومة للدول الساحلية والقوى الموجودة في المنطقة.

ومن هنا تبدو أهمية الحديث عن قيمة القانون، فقواعد المرور العابر في المضائق الدولية كتبت لمنع تحول الموقع الجغرافي إلى سلطة مطلقة ومنع القوة العسكرية من إنشاء حقوق جديدة لنفسها. وهي تمنح الدول المطلة على المضيق حقوقا سيادية ومسؤوليات واضحة في تنظيم الملاحة وسلامتها وبهذه المعادلة تحتفظ سلطنة عُمان وإيران بموقعهما في تنظيم السلامة والمسارات الملاحية ضمن حدود القانون الدولي.

والقانون في هذا السياق أداة أمن يومية، فهو يشير إلى من يحدد المسار الملاحي والخدمات والحدود التي تقف عندها الإجراءات السيادية. وقد أظهرت التجربة الأخيرة أن التفاهمات المؤقتة والغموض في الصياغات يؤجلان الخلاف ثم يعيدانه بصورة أشد، ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى قواعد مكتوبة تستطيع الصمود حين تتراجع الثقة السياسية.

أما سلطنة عُمان فإن هذه القضية تمس مجالها السيادي وأمن محافظة مسندم وسلامة مياهها وموانئها واقتصادها وجمعت عُمان خلال الأزمة بين الدفاع الواضح عن السيادة واستمرار الاتصال السياسي والعمل مع المنظمة البحرية الدولية لتوفير ممر بحري مؤقت مفتوح للسفن من دون رسوم. وهذه الخبرة تمنح عُمان موقعا أساسيا في أي ترتيب مقبل، فهي دولة مشاطئة للمضيق وتملك في الوقت نفسه قدرة موثوقة على جمع الأطراف.

يحتاج مضيق هرمز اليوم إلى إطار دائم يتجاوز إدارة كل حادث على حدة، وإنشاء آلية عُمانية إيرانية تلقى موافقة دولية تحت إطار قانوني لإدارة السلامة والحوادث. ويجب أن تبقى سلامة الملاحة منفصلة عن العقوبات والملف النووي والحروب الإقليمية حتى لا تتحول كل أزمة سياسية إلى تهديد للطريق البحري.

ستظل حول هرمز مصالح متعارضة وقوات وأساطيل وخصومات يصعب إنهاؤها، غير أن استقرار المضيق لا يتطلب إنهاء كل هذه الصراعات قبل تنظيم العبور. يبدأ السلام في مضيق هرمز حين تقبل الدول المشاطئة له والقوى الدولية قاعدة أن لا طرف يملك وحده تغيير شروط المرور ولا قوة تعمل فوق القانون. عند هذه النقطة يصبح القانون ضمانة عملية للسيادة والملاحة معا، وفي تلك اللحظة يمكن أن يبدأ السلام في المضيق.