في الوثيقة الرسمية لرؤية «عُمان 2040»، يتم قياس نجاح قطاع التعدين عبر مؤشر رئيسي؛ وهو رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 10% بحلول عام 2040، بعد أن كانت تدور حول 1% إلى 1.4%.

ولتحقيق هذا المستهدف، يركز القطاع على رفع نسبة المواد الخام المعالجة محلياً للمعادن الصناعية كالجبس والحجر الجيري والدولوميت لتصل إلى ما بين 30% و50% من إجمالي المستخرج، بدلاً من الوضع السابق الذي كان يعتمد بنسبة تفوق 85% على تصدير المادة الخام بشكلها الصخري الأساسي.

إن معادلة الاقتصاد القادم واضحة؛ فلو نجحنا في تصنيع نحو 3 ملايين طن فقط من الصادرات الحالية من الجبس الخام وتحويلها إلى ألواح ومنتجات نهائية، فإن العوائد المالية لهذا الجزء المصنّع الصغير قد تتجاوز عوائده الـ10 ملايين طن التي تصدر حالياً كخام. فالتصنيع يرفع قيمة المنتج بشكل كبير جدا؛ إذ يقفز سعر الطن من 16 دولاراً كخام، ليصل بالتصنيع المتقدم إلى ما بين 150 و300 دولار كأعلى قيمة مضافة ممكنة.

نحن نمتلك كنزا استراتيجيا هائلاً في قطاع الجبس، والذي يُعد من الأكبر عالمياً من حيث النقاء والوفرة، لكن التحدي الحقيقي والفرصة الأكبر يكمنان اليوم في الانتقال من مرحلة التعدين الاستخراجي إلى مرحلة التصنيع المتقدم عبر إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.

إن هذا التحول يتطلب بناء منظومة صناعية تحول هذا الخام إلى منتجات متخصصة؛ مثل ألواح الجبس المبتكرة العازلة والمقاومة التي يزداد عليها الطلب في أسواق الخليج والشرق الأوسط. وتصنيع جبس «ألفا» عالي النقاء المستخدم في التطبيقات الطبية كجبائر العظام وقوالب الأسنان والصناعات الدقيقة. فضلاً عن قوالب البناء خفيفة الوزن وعازلة الحرارة الداعمة للبناء المستدام . ومعالجة الجبس محلياً كمصلح للتربة القلوية والصودية لدعم الأمن الغذائي العُماني والخليجي.

ومن هنا تبرز أهمية دمج الذكاء الاصطناعي ليس كأداة رفاهية أو إضافة ثانوية، بل كعصب لرفع كفاءة المحاجر وتقليل استهلاك الطاقة عبر تطبيقات التوأمة الرقمية والصيانة التنبؤية؛ مما يحول الجبس العُماني من مجرد مادة مستخرجة إلى صناعة معرفية وتقنية.

إن تشجيع جهاز الاستثمار العُماني لابتكار وتوطين تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع التعدين ككل، سيحدث قفزة نوعية في حل مشكلات الاستخراج والتصنيع وسلاسل التوريد. كما أن ربط الأتمتة بالرؤى الإقليمية سيضمن تحقيق التكامل مع دول الجوار بدل التكرار والمنافسة العقيمة؛ وهو ما يمثل المفتاح الحقيقي لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي، وبأيد وعقول عُمانية تدير هذه التكنولوجيا وتصنع الفارق.

د. طاهرة اللواتي إعلامية وكاتبة