-1-
تُقدّم القصيدة الشعبية العمانية صورة عن المسار الكتابي لها في الأدب الشعبي العماني الحديث؛ إذ إنها تشتغل على استعمالات اللغة الحديثة، وتشكيل الصورة الفنية، بما لا يُفقد القصيدة هويتها ومرجعيتها. تقوم عملية المزج بين الكتابة الشعرية الحديثة وبين الشكلين الكتابي والموضوعي على إيجاد نصٍ شعري مكتظ بالدلالات وبالأساليب التي تكشف عن ثقافة يمتلكها الشاعر الشعبي؛ فقد أصبحت موضوعات القصيدة الشعبية وأفكارها متنوعة إلى حد كبير نلمس من خلالها الجانب الرومانسي المتطور، وهو نظير لما وجدناه في القصيدة العربية في مراحل تحولات كتابتها الشعرية، أو في موضوعات أخرى ذاتية وإنسانية وحماسية واجتماعية تظهر فيها دقّة الشاعر في اصطياد الفكرة والاشتغال الجيد على الأساليب الفنية.
لقد لمسنا هذه النقلة الشعرية لدى الشعراء الشباب المسلّحين بالاطلاع على المنجز الشعري سواء الفصيح أو الشعبي ما دفعهم إلى مواكبة التغيّرات الحاصلة في مضامين القصيدة الحديثة، وفهم مسار الكتابة الحديث.
ثانيًا: إنّ سلاح الثقافة كان سلاحًا آخر يتسلّح به الشاعر الشعبي في عملية إنتاج النص ومرجعيات الكتابة، الأمر الذي جعله يخوض غمار الاستكشاف والتجريب وينتقل بالقصيدة الشعبية إلى مناطق وعرة في عملية الكتابة أضافت خيالًا واسعًا لأفكار القصيدة ومضامينها.
إن تطور لغة القصيدة الشعبية تقترن بأسباب مختلفة، منها ما يعود إلى الشاعر نفسه، ومنها ما يعود إلى المكان، ومنها ما يعود إلى الثقافة والاستعمال، ولعلني هنا أقف على عبارة ذكرها الشاعر العماني طاهر العميري في موضوع له حول ذلك، يقول: «تحاول القصيدة العامية أن تقدم صورة واقعية لتفاصيل حياة شاعرها اليومية، تطلعاته، أحلامه، همه، فرحه، حزنه، قلقه الوجودي ورؤيته تجاه الكون والحياة».
ما يميز القصيدة العامية من غيرها من صنوف الكتابة الإبداعية أنها ترجمة حقيقية فيما يفكر فيه شاعرها من همٍ يومي، فهي غير منفصلة عن لغة التفكير، فهي تستمد وجودها من لغة الحديث التي نمارس بها وجودنا الحياتي، فلا توجد تلك القطيعة الكبيرة بين ما نفكر به وما نمارسه من فعل يومي حياتي وبين ما نكتب، فالفكرة تنزل من خانة التفكير إلى الورقة مباشرة فهي ليست بحاجة إلى تلك الترجمة اللغوية الكبيرة التي تفصل بين لغتين، بين عامية نفكر بها ونمارس بها حياتنا، وبين فصحى نكتب بها، فنحن ندرك المسافة الكبيرة التي تقطعها صنوف الكتابة الأخرى في محاولتها لترجمة تفاصيل الحياة بين لغة يومية معيشة وبين كتابة أدبية ترتفع درجات كبيرة عن لغة الحديث اليومي.
ورغم ما نلحظه من تطور لغوي وكتابي في لغة القصيدة العامية الحديثة التي أصبحت تتجاوز اللغة التقليدية بمراحل إلا إن هذا التطور يرافقه أيضا تطور ملحوظ في لغة الحديث اليومي أو ما يمكن أن نطلق عليها اصطلاحًا وتجاوزًا (اللغة المحكية)، فهو تطور مشترك يذهب بالتوازي في اتجاه واحد؛ فالتطور الذي يحدث في اللغة المحكية يُلقي بظلاله هو الآخر على القصيدة العامية التي تستمد وجودها وبقاءها منها. فالتطور الذي يطرأ على اللغة العامية بالإمكان ملاحظته بسهولة في التعليم والقراءة والتكنولوجيا، كل هذا ترك أثره في اللغة العامية أو لغة الحديث اليومي».
-2-
كما ساهمت المؤسسات العمانية منذ بدء النهضة العمانية إلى اليوم في إبراز صورة الشعر العماني والاهتمام به على جميع الأصعدة، في محاولةٍ لتطوير أدواته الشعرية أسوة بالفنون الأخرى الشعرية والنثرية في عمان؛ فجاء الاهتمام مواكبًا للدور الذي تقوم به مؤسساتنا مثل: وزارة الثقافة والرياضة والشباب ممثلة في: النادي الثقافي أو المنتدى الأدبي أو الهيئة العامة لأنشطة الشباب الرياضية والثقافية سابقًا، وكذلك في المسابقات التي كانت تقيمها كمسابقتي مهرجان الشعر العماني والملتقى الأدبي الشبابي.
يتشكّل المشهد الشعري الشعبي الحديث في عمان اليوم من أسماء شابّة ربما كان ظهورها الأول متزامنًا مع الاهتمام الكبير بالشعر والشعراء لهذه المؤسسات، أسماء وجدت في القصيدة الشعبية ميدانًا للتعبير، وصوتًا يمكن من خلاله الوصول إلى عوالم أكبر، صوتًا ينقل صورة الثقافة والمجتمع والإنسان إلى خارج المحيط العماني، ويماثل في تعبيره أصواتًا شعرية خليجية وعربية لها اشتغالها الفني البارز، وتعبيرها الخاص بها. مع هذا الاهتمام برزت القصيدة الشعبية العمانية كونها نصًا له خصوصيته المكانية، وله انزياحاته الكتابية الحديثة لا يمكن إغفاله أو تجاهله.
في حقيقة الأمر ما لمسته عند شعراء القصيدة الشعبية لا سيما في مسابقة الملتقى الأدبي تحديدًا في السنوات بين 2002 إلى 2008 بحكم مشاركتي في المسابقة كمتسابق، لقد أوجد لدي قناعة أنّ كثيرًا من شعراء القصيدة الشعبية اتجهوا إلى تحديث نمط الكتابة، مستفيدين من الأنماط القديمة في إيجاد نص حديث. لقد شكّلت هذه المسابقة تحديدًا وعي الشاعر العماني بما تحمله من روح المنافسة الشعرية؛ لذا فإنّ مخرجات هذه المسابقة هي نفسها من يحمل راية المشهد الشعري الشعبي اليوم، دون تحديد أسماء، فإن ما يظهر لنا في الصحف والمجلات الشعرية يؤكد على ذلك، كما إن المحافل الشعرية والفعاليات والاحتفالات تؤكد على القيمة الشعرية لشعراء هذه المسابقة، التي ما زالت تراهن على أهدافها التي أُنشئت لها، وهي إبراز صورة الشعر والشاعر العماني والانتقال به خارج الحدود الجغرافية لسلطنة عُمان.
كما لا يمكن أن نغفل عن المسابقات الخارجية التي وصل إليها صوت القصيدة الشعبية العمانية مسلحًا بأدوات الكتابة الفنية والتي قدّمت صورة واضحة عن الشعر الشعبي في عمان؛ إذ إن القصيدة الشعبية سلكت مسارًا جيدًا عبر المنافسة الشعرية، ومعها وجدنا تطورات اللغة الجيدة، واقتناص الفكرة ودلالات التعبير الشعري الحديث.
-3-
لقد شكّلت القصيدة الشعبية في عمان في مراحلها المختلفة ارتباطًا وثيقًا بالمكان العماني، إذ إنّ الشاعر العماني لم تقف قدماه عن ارتياد الأمكنة صحرائها وجبالها وسهولها ما شكّل تجارب متنوعة في كتابة النص الشعري؛ لذا فإن الارتباط الأكبر في كتابة القصيدة يتشكّل عبر طرفين مهمين هما: المكان والهُوية، وهما عاملان مهمان ليس في القصيدة الشعبية وحسب، بل في مجالات الأدب الأخرى.
لكنّ تعدّد اللهجات في عمان، وتنوع البيئات رسما شكلًا مهمًا لبنائية القصيدة الشعبية يقوم على تعدد الألفاظ، وتعدد المرجعيات التي تتشكّل منها النصوص، إذ لكل نص مرجعيته التي يقوم عليها، ولكل مرجعية ثقافة وبيئة، وهنا نجد التنوع الكمي للنصوص الشعرية العمانية وفقًا لتنوع البيئات والأمكنة واللهجات والثقافات.
تظهر القصائد الشعرية اليوم محمّلة بصور مكثّفة تعبّر عن هذا الانتقال؛ ما نجده في قصائد الشعر الشعبي من امتزاج لغوي بسيط وتكثيف للغة ينبئ عن انفتاح لفكرة التجديد الشعري، أضف على ذلك يمكن الوقوف عليه في النص الشعبي من حيث: الخيال الجامح، والصور المتحركة، والتكثيف الدلالي، والعودة إلى التراث والماضي لتشكيل فكرة يقوم عليها النص كل ذلك يقابله تحول لدى الشاعر في عملياي البناء والتكوين بعيدًا عن العبارات المستهلكة.
على ذلك كان أمر التجديد نفسه حتميًا بناء على المعطيات الثقافية والفكرية والتكنولوجية، مع الحفاظ على هوية النص الداخلي، المرتبط بالمكان والثقافة، إذ لا يتعارض التجديد مع هوية النص. على ذلك نقرأ اليوم قصائد شعرية تتزاحم دلالاتها الشعرية بين الماضي والحاضر، ناقلة هوية أمة وذاكرة مجتمع بلغة متطورة تمزج بين الخيال الشعري والتصوير الإبداعي.
خالد المعمري كاتب عُماني