في منزل ريفي بمنطقة «هامدن» بولاية أوهايو عثرت الشرطة الأمريكية أثناء تنفيذ أمر تفتيش في قضية لا علاقة لها بالأطفال على 16 طفلا محتجزين في ظروف صحية وبيئية سيئة.
وبحسب «رويترز» صرح المدعي العام في ولاية أوهايو أن «بعض الأطفال لم يكونوا قادرين حتى على الكلام. الوضع كان سيئا للغاية. بدا الأطفال وكأنهم حيوانات برية. كان الوضع فظيعا، والمشهد وكأنه في أحد بلدان العالم الثالث»!
ينتهي الخبر هنا لتبدأ قضية رأي عام أمريكي لمّا تنته بعد حول حقوق الطفل في أمريكا بعيدا عن «بلدان العالم الثالث»؛ فالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنة ونصف إلى 18 سنة مجموعة أشقاء لأسرة واحدة تم احتجازهم من قبل الجد والجدة والوالدين لأسباب عائلية مجهولة في غرفة صغيرة بين أكوام القمامة، محرومين من أبسط الحقوق كالتسجيل في المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية. وبعيدا عن اتهام أفراد الأسرة والبحث عن مبررات الاحتجاز فالأمر المثير للدهشة والاستغراب معا هو كيف تم تغييب الأطفال اجتماعيا ومؤسسيا عن الأنظار بحيث لم يكونوا مرئيين أصلا، لا في دوائر سكناهم، ولا في أي سجلات حكومية تتابع حالتهم، وهو ما بررته السلطات بنتائج التحقيقات المتضمنة تنقل الأسرة بين عدة مناطق في جنوب أوهايو خلال عقدين من الزمن في تصرف يهدف إلى تجنب إنشاء أي سجلات حكومية أو طبية للأطفال.
لكن هل هي مبررات مقنعة تعفي المؤسسات من مسؤوليتها تجاه ما وصلت إليه حالة الأطفال؟!
لم تكن مشكلة هؤلاء الأطفال في ضيق المكان وحسب، بل في الظروف الصحية السيئة التي كانوا يعيشونها حيث جرى نقل سبعة منهم إلى مستشفيات في مدينة كولومبوس لتلقي الرعاية الطبية، كما استدعت حالة طفلين نقلهما بطائرات مروحية إلى مراكز طبية متخصصة، وأحد الأطفال في حالة حرجة استلزمت وضعه على أجهزة دعم التنفس.
كل ما تم توصيفه في التحقيقات من حالة الأطفال ووضع الأسرة لن يتجاوز وفقا للقانون الأمريكي جرائم الدرجة الثانية في تعريض الأطفال للخطر من قبل الأهل.
حالة أطفال أوهايو تثير الكثير من الأسئلة: أسئلة لا تتعلق بكيفية تعرض الأطفال لكل هذا الإهمال وحسب، بل كيف كانوا خارج نطاق الرؤية المؤسسية طوال هذه السنوات؟! التداخل المعقد بين الإهمال الأسري والفقر، والعزلة الاجتماعية وضعف آليات الرقابة المؤسسية، وإن كان توصيف الحادثة كحالة إهمال غير متعمد قد يعفي الأهل من المسؤولية جزئيا أو كليا لعدم أهليتهم وكفاءتهم (إذا ثبت ذلك فعليا) فكيف يمكن إعفاء المؤسسات المعنية بالطفل من مسؤوليتها تجاه هذه الحالة؟
فأين كانت مؤسسات حماية الطفل؟ كيف أمكن لهذا العدد من الأطفال العيش سنوات طويلة في هذه الظروف دون اكتشاف الأمر؟ هل كانت هناك زيارات تفتيش أو إشارات تحذيرية لم تُتابع؟ مع كل هذه التساؤلات ينبغي أن تمتد التداعيات القانونية إلى مراجعة أداء المؤسسات الحكومية وليس إلى المتهمين من أفراد الأسرة فقط.
ليس من العدل حصر المشكلة في الفقر الذي قد يبرر مستوى السكن ومشكلات التغذية وضعف الخدمات الصحية، لكنه يقينا لن يبرر غياب الرعاية الأساسية والتأخر التنموي وغياب شبكات الدعم المجتمعي.
ختاما: لحادثة أوهايو أبعادها الكثيرة المتشعبة اقتصاديا واجتماعيا ومؤسسيا وقبل كل ذلك وبعده إنسانيا في دولة عظمى من «دول العالم الأول» تعطي لنفسها الحق في محاسبة وإدانة وتجريم مخالفات حقوق الإنسان في «دول العالم الثالث» في حين يعاني ستة عشر طفلا فيها من الفشل الأسري في توفير الرعاية الأساسية، والهشاشة الاجتماعية والعزلة طويلة الأمد، والتحديات المؤسسية والرقابية في اكتشاف حالات الأطفال المعرضين للخطر، وحاجة الأطفال إلى التأهيل النفسي والاجتماعي طويل الأمد.
وأخيرا: ليست المرة الأولى ولن تكون آخر أمثلة الإساءة للإنسان عموما وللأطفال خاصة، لكن الدروس المستفادة من هذه الحادثة ينبغي تلخيصها في ضرورة إنشاء قواعد بيانات تكاملية بين الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية والشرطة بحيث يُسمح بتطوير أنظمة رقمية تسمح برصد الحالات عالية الخطورة عبر جمع المؤشرات المتفرقة قبل تحولها إلى أزمة، إضافة إلى التوصيات الاجتماعية متمثلة في دعم إنشاء مراكز الأسرة والمجتمع، ودمج الأسر في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، ومتابعة الأسر التي تعاني من الهشاشة النفسية والاجتماعية، والأهم من ذلك العمل على تعزيز ثقافة» الوقاية من الأزمة» قبل «التدخل بعد الأزمة» آملين السلامة لكل طفل في العالم ينشد حقه الطبيعي في حياة كريمة وأمان نفسي وتواصل مجتمعي.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية